الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

دلالات الإخفاق الإيراني في إطلاق القمر الصناعي “ظفر”

كيوبوست

أخفقت طهران للمرة الرابعة منذ يناير 2019 في وضع القمر الصناعي “ظفر” محلي الصنع، وإيصاله إلى المدار المطلوب حول الأرض[1]، وهي التجارب التي تعتبرها الولايات المتحدة غطاءً لتطوير برنامجها للصواريخ الباليستية، بينما ألمح رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى وجود دور لتل أبيب في إفشال هذه التجارب. وللتعويض عن هذه الخسائر، ألمحت إيران إلى قيامها بإنتاج جيل جديد من الصواريخ المتطورة في رد على هذا الإخفاق، وهو ما يثير التساؤل حول أهداف هذا الإطلاق ودلالاته، وكذلك السياسات الأمريكية المتبعة لتحجيم الجهود الإيرانية.

اقرأ أيضًا: المواجهة الأمريكية- الإيرانية واللعب بالنار

محاولات إيرانية فاشلة:

قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية للشؤون الفضائية، أحمد حسيني: “تمكن الصاروخ (سيمورغ) من حمل القمر الصناعي (ظفر) إلى الفضاء؛ لكنه لم يستطع بلوغ السرعة المطلوبة التي تمكنه من استقرار القمر الصناعي على المدار المحدد حول الأرض، على علوٍّ يبلغ 530 كيلومترًا”. كما أوضح حسيني أن الصاروخ الناقل للقمر الصناعي قطع بنجاح المرحلتَين الأولى والثانية؛ لكنه لم يتمكن من الوصول إلى المرحلة الثالثة، وهي وضع “ظفر” في المدار. ويلاحظ أن طهران لم تستطع التغلب على هذه المشكلة منذ يناير 2019، حينما فشلت أولى محاولاتها لنفس السبب؛ فقد أكدت طهران نجاحها في اجتياز المرحلتَين الأولى والثانية، ولكنها فشلت في الثالثة كذلك[2].

وفي المقابل، أكد المسؤول الإيراني: “سنعمل على تطوير القمر الصناعي من أجل عمليات الإطلاق المقبلة”[3]، وهي نفس التصريحات التي عادةً تخرج من المسؤولين الإيرانيين في أعقاب إخفاق كل عملية إطلاق صاروخ؛ إذ يسارع المسؤولون للتأكيد أن عمليات التطوير مستمرة، وستتسارع.

اقرأ أيضًا: كيم أون يخشى “مصير صدام”.. ما أسباب تخليه عن النووي؟

ويلاحظ أنه مع فشل المحاولة الأخيرة لإطلاق القمر الصناعي “ظفر” أكد المسؤولون الإيرانيون تطوير جيل جديد من الصواريخ؛ حيث كشف الحرس الثوري الإيراني عن صاروخ جديد تحت اسم “رعد 500″، والذي يحمل جيلًا جديدًا من محركات الدفع باسم “زهير”، ويمكنه الوصول إلى مدى 500 كيلومتر، أي أبعد 200 كيلومتر من مدى صاروخ “فاتح 110″؛ خصوصًا أنه خفيف الوزن ويستخدم ألياف الفايبر في تصنيعه.

الصاروخ رعد – وكالات

وإلى جانب صاروخ “رعد”، أعلن الحرس الثوري عن محركات “سلمان” المصنعة بمواد أخف من الصلب؛ ولكنها مزودة بـ”فوهة متحركة” للعمل على إرسال أقمار اصطناعية إلى الفضاء. ونشرت وسائل إعلام محلية مقاطع مصورة للصاروخ الجديد الذي يمكنه حمل أقمار خفيفة، كما يمكن استخدامه كصواريخ أرض- أرض[4].

وعلى الرغم من هذا الإعلان؛ فإنه من الملاحظ أن إيران قامت خلال الأعوام السابقة باللجوء إلى نفس الأسلوب، وهو خفض وزن الصاروخ لإطالة أمده؛ ففي سبتمبر 2016 قامت طهران بتطوير صواريخ “ذو الفقار”، والتي تعد نسخة مطورة من صواريخ “فاتح 110″؛ حيث استخدمت طهران في تصنيعها ألياف الفايبر، وذلك لخفض حجم الصاروخ، ومن ثَمَّ إطالة أمده من نحو 300 كيلومتر (كما في الفاتح 110) إلى نحو 700 كيلومتر. ومن ثَمَّ فإن استخدام نفس الأسلوب في تطوير “رعد” لا يكشف عن تطور تكنولوجي جديد؛ بل إن قِصَر المسافة التي يقطعها “رعد” (500 كيلومتر) مقارنةً بـ”ذو الفقار” يمكن تفسيره على أساس اتجاه إيران لجعل الصاروخ “رعد” يحمل رأسًا حربيًّا أكبر حجمًا، أو لتخفيض تكلفة إنتاجه، غير أنه في كل الأحوال لا يحمل تطورًا تكنولوجيًّا جديدًا، كما تزعم إيران؛ ولكنها محاولة للتغطية على إخفاقات برنامجها الفضائي.

اقرأ أيضًا: استعمار الفضاء – من خيال إلى واقع قيد التنفيذ في غضون سنوات

وعلى الجانب الآخر، تسعى طهران لاستخدام برنامجها الفضائي لتطوير صواريخ باليستية، وتحقيق عدد من الأهداف، والتي يمكن إجمالها في التالي:

  • التهديد غير المباشر لخصومها: قامت طهران بإمداد وكلائها من الميليشيات المسلحة بصواريخ باليستية، على غرار ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن؛ وذلك لتوظيفها ضد خصومها الإقليميين، وتحديدًا المملكة العربية السعودية.
  • تهديد خصومها الإقليميين والدوليين بشكل مباشر: يلاحظ أن البرنامج الصاروخي الإيراني يفرض تهديدَين اثنين؛ يتمثل أولهما في محاولة توظيف طهران هذه الصواريخ بشكل مباشر ضد خصومها الإقليميين، بالإضافة إلى تهديد القواعد الأمريكية في منطقة الخليج. أما الخطر الثاني، وهو الأكبر، فيتمثل في محاولة طهران استغلال برنامجها الفضائي في تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات، تستطيع أن تصيب أهدافًا خارج منطقة الشرق الأوسط، ومن ثَمَّ مساعدة إيران على تحقيق الردع النووي في مواجهة الولايات المتحدة نفسها؛ خصوصًا إذا ما تمكنت من إنتاج القنبلة النووية.

اقرأ أيضًا: هل ستلجأ واشنطن إلى الحل العسكري في حال تجاوزت طهران العقوبات؟

سياسات واشنطن المضادة:

انتقدت واشنطن المحاولات الإيرانية لتطوير صواريخ قادرة على حمل أقمار صناعية للفضاء الخارجي؛ حيث اعتبر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، عقب إخفاق إيران في وضع القمر الصناعي “ظفر” في مداره المطلوب حول الأرض، أن هذه الجهود تمثل غطاءً لتطوير صواريخها الباليستية بشكل “يهدد خصوم طهران والاستقرار الإقليمي”[5]، ومن ثَمَّ اعتبره انتهاكًا لقرار مجلس الأمن رقم 2231. وتعتمد واشنطن في استنتاجها هذا على حقيقة تشابه التكنولوجيا التي تعتمدها إيران في تطوير صواريخ باليستية مع تلك المستخدمة في تطوير صواريخ حاملة لأقمار صناعية.

مفاعل نووي إيراني- الصورة من أرشيف “رويترز”

ويلاحظ أن الموقف الأمريكي لم يقتصر على مجرد إدانة تجارب إيران الفضائية، بل سعت لتبنِّي إجراءات للحد من تطوره، وذلك على النحو التالي:

  • تنفيذ عمليات تخريبية ضد البرنامج الفضائي الإيراني: قامت واشنطن بلعب دور فاعل في تعطيل مسار تطوير البرنامج الفضائي؛ فقد أشارت جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية، في 13 فبراير 2019، إلى أن إدارة ترامب قامت بتعزيز برنامج سري لتخريب برنامج طهران الفضائي، وذلك في أعقاب إخفاق إيران في إطلاق صاروخ يحمل قمرًا صناعيًّا في 15 يناير، وآخر في 5 فبراير 2019؛ حيث انفجر الصاروخ بعد خمس ثوانٍ من إطلاقه. ويلاحظ أن نسبة إخفاق إيران، حتى فبراير 2019، في إطلاق صواريخ إلى الفضاء الخارجي قد بلغت نحو 67% من إجمالي محاولاتها في هذا الإطار؛ وهي نسبية كبيرة للغاية بالنظر إلى حقيقة أن نسب الإخفاق في التجارب الدولية المماثلة قد بلغت نحو 5% فقط، الأمر الذي يضفي مصداقية على ادعاءات الصحيفة بتورط واشنطن في إفشال التجارب الإيرانية[6].

ويلاحظ أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد نفى في تغريدة له أية علاقة للولايات المتحدة بفشل محاولة إيران الثالثة لإطلاق قمر صناعي إلى الفضاء الخارجي في 29 أغسطس 2019؛ وهو ما أثار التكهنات بتورط واشنطن كذلك في إفشال هذه المحاولة، خصوصًا أن واشنطن بادرت بتأكيد فشل هذه المحاولة، وقامت بنشر صورة استخباراتية عالية الدقة لانفجار الصاروخ الذي كان مُعَدًّا لإطلاق القمر الصناعي إلى الفضاء الخارجي. كما أنه في نفس التغريدة سخر من الإيرانيين، قائلًا: “أتمنى من الإيرانيين أن يوفَّقوا في فهم ما حدث”[7].

وبالمثل، ألمحت إسرائيل، بخلاف المعتاد، إلى إمكانية تورطها في شن هجمات مماثلة ضد البرنامج الباليستي الإيراني؛ فقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عقب إخفاق إيران في إطلاق القمر الصناعي “ظفر” إلى الفضاء الخارجي، إلى أن “إيران فشلت اليوم في إطلاق قمر اصطناعي إلى الفضاء. الإيرانيون يفشلون أيضًا في نقل الأسلحة إلى سوريا ولبنان؛ لأننا نعمل هناك باستمرار، بما في ذلك هذه الأيام بالذات”[8]، وهي تحمل تلميحًا بتورط إسرائيل في إحباط العملية؛ خصوصًا أن الدور الإسرائيلي في استهداف الوجود الإيراني في البلدَين ليس بالجديد، غير أن الإشارة إلى التجربة الإيرانية الفاشلة في هذا السياق تكشف عن دور إسرائيلي محتمل في إفشال إطلاق الصاروخ.

 اقرأ أيضًا: خيارات المواجهة الإسرائيلية للنشاط النووي الإيراني

  • فرض العقوبات الاقتصادية: فرضت الولايات المتحدة في سبتمبر 2019 عقوبات على وكالة الفضاء الإيرانية ومركز أبحاث الفضاء الإيراني ومعهد أبحاث الملاحة الفضائية؛ نظرًا لدورها في تطوير صواريخ باليستية تحت غطاء برنامج مدني لإطلاق أقمار صناعية. وبموجب العقوبات الجديدة سيتم تحميل جميع المواطنين أو المقيمين في الولايات المتحدة أو خارجها[9] مسؤولية جنائية عن التعامل مع برنامج الفضاء الإيراني[10]؛ وهو الأمر الذي يحد من قدرة إيران على تطوير برنامجها الفضائي بالتعاون مع القوى الدولية، التي تتمتع بالخبرة في هذا المجال، وتحديدًا روسيا والصين.

ومن العرض السابق يتضح أن إيران تسعى لتوظيف برنامجها الفضائي؛ من أجل تعزيز قدرتها على إنتاج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ومن ثَمَّ امتلاك القدرة على ابتزاز الولايات المتحدة بشكل مباشر؛ خصوصًا إذا ما امتلكت طهران أسلحة نووية، ولذلك تعارض واشنطن هذه الجهود، كما أن الدول الأوروبية باتت هي الأخرى تتفق مع واشنطن على خطورة البرنامج الباليستي الإيراني، وعلى ضرورة تحجيمه، وتضمينه في أي مفاوضات مستقبلية مع إيران، وإن كان من الملاحظ أن الإخفاق المتتالي لطهران في توظيف صواريخها الباليستية في حمل أقمار صناعية إلى الفضاء الخارجي يؤشر على أنها لا تزال تواجه تحديات في تحقيق أهدافها العسكرية من وراء برنامجها الفضائي.

المراجع

[1]  https://bit.ly/3bYroIU

[2] https://bit.ly/3bYroIU

[3]  https://bit.ly/2PgEWFY

[4]  https://arbne.ws/2T8Ap9O

[5] https://cnn.it/2PkoQLE

[6] https://nyti.ms/37PCkW5

[7] https://bit.ly/39W4b8l

[8] https://cnn.it/39Vkmms

[9] https://bit.ly/39UMKVM

[10] https://www.bbc.com/arabic/world-49574660

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة