الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون عربية

دعوة للتفكير… لماذا ابتعد العالم العربي عن العلم؟

كيوبوست- ترجمات

هيليل أوفيك

في دراسةٍ نشرتها دورية “ذا نيو أتلاتنس”، الصادرة عن مركز دراسات التكنولوجيا والمجتمع في واشنطن، قال الكاتب هيليل أوفيك إن الإسلام المعاصر لا يُعرف بانخراطه في المشروع العلمي الحديث. لكنه وريث “العصر الذهبي” الأسطوري للعلوم العربية، الذي كثيراً ما يستحضره المعلقون الذين يأملون في جعل المسلمين والغربيين أكثر احتراماً وتفهماً لبعضهم البعض.

وفي نظر المطلعين على هذا العصر الذهبي، الذي امتد تقريباً من القرن الثامن إلى الثالث عشر الميلادي، فإن التفاوت بين الإنجازات الفكرية التي حققها الشرق الأوسط آنذاك والآن -لاسيَّما بالنسبة لبقية العالم- مذهل حقاً. لكن اليوم أصبحت روح العلم في العالم الإسلامي جافة كالصحراء.

اقرأ أيضاً: الإسلام والانتخاب الطبيعي: علماء عرب سبقوا داروين بنحو 1000 عام!

وقد عرض عالم الفيزياء الباكستاني برويز أميرالي هودبهوي الإحصائيات القاتمة في مقالةٍ نشرتها مجلة “الفيزياء اليوم” حيث قال: “حتى عام 2007، بلغت نسبة العلماء والمهندسين والفنيين 9 لكل ألف شخص، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ واحد لكل 40 شخصاً”.

وفي حين أنه من الشائع افتراض أن الثورة العلمية وتقدم التكنولوجيا كانا حتميين، فإن الغرب في الواقع هو قصة النجاح الوحيدة المستدامة من بين العديد من الحضارات التي شهدت فترات ازدهار علمي. ومثل المسلمين، فإن الحضارتين الصينية والهندية القديمتين، اللتين كانتا في وقتٍ من الأوقات أكثر تقدماً بكثير من الغرب، لم تنتجا الثورة العلمية.

المساهمات الأصلية في العلوم العربية

وأضاف أوفيك أن هناك ملاحظة أولى حول كلا الجزئين من مصطلح “العلوم العربية”. أولاً، لأن العلماء البارزين الأوائل لم يكونوا جميعاً من العرب المسلمين. والحقيقة أن أغلب المفكرين العظماء في تلك الحقبة لم يكونوا عرباً عرقياً. وهذا ليس مفاجئاً بالنظر إلى أن المسلمين كانوا يشكلون أقلية لعدة قرون في جميع أنحاء الشرق الأوسط وحتى نهاية القرن العاشر.

جاء اسم الجبر من كتاب عالم الرياضيات والفلكي والرحالة محمد بن موسى الخوارزمي

أما الملاحظة الثانية فهي أن مفهوم “العلوم العربية” لم يكن علماً بالمعنى الذي نعرفه اليوم. ومع الأخذ في الاعتبار أن العلم لم يكن في مرحلة ما قبل الحداثة أعمى عن المنفعة، فقد سعى للمعرفة في المقام الأول من أجل فهم المسائل الفلسفية المتعلقة بالمعنى، والوجود، والخير، وما إلى ذلك. وعلى النقيض، نشأ العلم الحديث من ثورة في الفكر، أعادت توجيه السياسة حول راحة الفرد من خلال السيطرة على الطبيعة.

اقرأ أيضاً: الدين والمجتمعات الغربية

ويرفض العلم الحديث الأسئلة الميتافيزيقية القديمة باعتبارها (إذا استعرنا كلمات فرانسيس بيكون) السعي وراء المتعة والغرور. وأياً كان ما يدين به العلم الحديث للعلم العربي، فإن النشاط الفكري للعالم الإسلامي في القرون الوسطى لم يكن من نوع الثورة العلمية الأوروبية، التي جاءت بعد انفصالٍ جذري عن الفلسفة الطبيعية القديمة.

ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أن هناك سببين يجعلان من المنطقي الإشارة إلى النشاط العلمي للعصر الذهبي على أنه نشاط عربي. السبب الأول هو أن معظم الأعمال الفلسفية والعلمية في ذلك الوقت تُرجمت في نهاية المطاف إلى اللغة العربية، التي أصبحت لغة معظم العلماء في المنطقة، بغض النظر عن العرق أو الخلفية الدينية. والثاني، أن البدائل -سواء “علوم الشرق الأوسط” أو “العلوم الإسلامية”- كانت أقل دقة.

مخطوط يوضح منجزات علماء الإسلام في الصيدلة، وتسمية الأدوية منذ فترة مبكرة من التاريخ

فمن ناحية، فإن النهضة العلمية في بغداد العباسية (751-1258) التي أسفرت عن ترجمة كل الأعمال العلمية لليونانيين الكلاسيكيين تقريباً إلى اللغة العربية ليست بالأمر الهين. ولكن بعيداً عن ترجماتهم (وتعليقاتهم على) القدماء، قدَّم المفكرون العرب مساهمات أصلية، سواء من خلال الكتابة أو التجريب المنهجي، في مجالات مثل الفلسفة والفلك والطب والكيمياء والجغرافيا والفيزياء والبصريات والرياضيات.

ولعل الادعاء الأكثر تكراراً حول العصر الذهبي هو أن المسلمين اخترعوا الجبر. وهو ادعاء صحيح إلى حدٍّ كبير. حيث كانت البداية مستوحاة من الأعمال اليونانية والهندية، وكتب العالم الفارسي الخوارزمي (توفي عام 850) كتاباً نجد في عنوانه مصطلح “الجبر”.

اقرأ أيضاً: بلدة سامراء العراقية.. درة تاج الحضارة الإسلامية

كما شهد العصر الذهبي الإسلامي تقدماً في الطب. ويُعد الرازي واحداً من أشهر المفكرين في تاريخ العلوم العربية، ويُعتبر من أعظم أطباء القرون الوسطى. حيث وُلِد في طهران الحالية، وتدرب في بغداد، وأصبح مديراً لمستشفيين. وقد تعرف على أمراض الجدري والحصبة، وكتب أطروحة عنهما أصبحت مؤثرة خارج منطقة الشرق الأوسط، وامتدت إلى أوروبا في القرن التاسع عشر.

واستمرت الإنجازات في الطب مع الطبيب والفيلسوف ابن سينا (توفي عام 1037)، والذي يعتبره البعض أهم طبيب منذ أبقراط. وقام بتأليف كتاب «القانون» في الطب، وهو مسح طبي متعدد المجلدات، وقد أصبح الكتاب المرجعي المعتمد للأطباء في المنطقة، وبمجرد ترجمته إلى اللاتينية أصبح عنصراً أساسياً في الغرب على مدار ستة قرون.

مخطوطة من الأطروحة الطبية للزهراوي حول وضع الجنين بالمكتبة العامة بالرباط، المغرب

ويشير أوفيك إلى أنه مثل عصر النهضة الأوروبية اللاحق، كان للعصر الذهبي العربي أيضاً العديد من العلماء الموسوعيين الذين برعوا في العديد من المجالات وطوروا فيها. وكان الفارابي واحداً من أوائل هؤلاء العلماء الموسوعيين، وهو مفكر بغدادي، بالإضافة إلى كتاباته الغزيرة في الفلسفة الأفلاطونية والأرسطية، كتب أيضاً عن الفيزياء وعلم النفس والكيمياء والكونيات والموسيقى. وكان يحظى باحترامٍ كبير لدرجة أنه أصبح معروفاً باسم “المعلم الثاني”؛ أي ثاني أعظم معلم بعد أرسطو.

فيما كان البيروني (توفي عام 1048) عالماً موسوعياً عظيماً آخر، حيث كتب 146 أطروحة بلغ مجموعها 13000 صفحة في كل مجال علمي تقريباً. وكان عمله الأبرز، وصف الهند، هو بحث أنثروبولوجي عميق عن الهندوس (ومع ذلك، على عكس الرازي، لم تتم ترجمة أعمال الفارابي والبيروني إلى اللاتينية، وبالتالي فلم يكن لها تأثير خارج العالم العربي).

لماذا ازدهرت العلوم العربية؟

ويطرح أوفيك مجموعة من التساؤلات، مثل ما الذي دفع البحث العلمي إلى الازدهار، وأين ومتى ازدهر؟ وما هي الظروف التي احتضنت هؤلاء المفكرين العلميين المهمين الناطقين باللغة العربية؟ ليجيب بأنه لا يوجد تفسير واحد لتطور العلوم العربية، ولا يوجد حاكم واحد أطلقها، ولا توجد ثقافة واحدة تغذيها.

الخريطة التي رسمها الإدريسي لروجر الثاني ملك صقلية عام 1154 م، وهي واحدة من خرائط العالم القديم الأكثر تقدماً

وكما يقول المؤرخ ديفيد س. ليندبرغ في كتابه «بدايات العلوم الغربية» (1992)، ازدهرت العلوم العربية لفترة طويلة بفضل “سلسلة معقدة بشكلٍ لا يصدق من الظروف المحفزة”. وبلغ النشاط العلمي ذروته عندما كان الإسلام هو الحضارة المهيمنة في العالم. لذا فإن أحد العوامل المهمة في صعود الثقافة العلمية في العصر الذهبي هو خلفيتها المادية، التي يوفرها صعود إمبراطورية قوية ومزدهرة.

وبحلول عام 750، كان العرب قد غزوا الجزيرة العربية والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر، وجزءاً كبيراً من شمال إفريقيا وآسيا الوسطى وإسبانيا وأطراف الصين والهند. وقد حفزت الطرق التي تم افتتاحها حديثاً والتي تربط الهند وشرق البحر الأبيض المتوسط انفجار الثروة من خلال التجارة، فضلاً على الثورة الزراعية. وأدى ظهور أول دولة إسلامية مركزية في عهد العباسيين إلى تشكيل الحياة في العالم الإسلامي بشكلٍ عميق، وتحويلها من ثقافة قبلية قليلة المعرفة بالقراءة والكتابة إلى إمبراطورية ديناميكية.

وكانت بغداد على وجه الخصوص، العاصمة العباسية، موطناً للقصور والمساجد والبنوك والمدارس والمستشفيات. وبحلول القرن العاشر، كانت أكبر مدينة في العالم. ومع نمو الإمبراطورية العباسية، توسعت أيضاً باتجاه الشرق، مما جعلها على اتصالٍ بالحضارات المصرية واليونانية والهندية والصينية والفارسية القديمة، التي تمتعت بثمارها بسهولة (في هذه الحقبة، لم يكن لدى المسلمين سوى القليل من الاهتمام بالغرب، وهذا كان لسببٍ وجيه، بحسب أوفيك).

مخطوطة عن أدوات وخطوات إجراء عملية جراحية تعود للعصر الذهبي الإسلامي

كما كان الورق أحد أهم الاكتشافات التي قام بها المسلمون، والذي ربما تم اختراعه في الصين حوالي عام 105م وتم إحضاره إلى العالم ابتداء من منتصف القرن الثامن. وكان تأثير الورق على الثقافة العلمية للمجتمع العربي هائلاً، فقد جعل استنساخ الكتب رخيصاً وفعالاً، وشجع المنح الدراسية، والمراسلات، والشعر، وحفظ السجلات، والخدمات المصرفية.

ولكن “هل من الإنصاف أن نقول إن الإسلام ذاته شجع المشروع العلمي؟”، يقول أوفيك إن هذا السؤال يثير إجابات متباينة إلى حدٍّ كبير وخلافاتٍ بين الباحثين. حيث يجادل بعض العلماء بأن هناك أجزاء كثيرة من القرآن والحديث تحث المؤمنين على التفكير في مخلوقات الله، ومحاولة فهمها بروح علمية.

هدية بغداد للعالم

لكن السبب الأكثر أهمية لازدهار العلوم العربية هو استيعاب التراث اليوناني والتعلم منه، وهو تطور غذَّته حركة الترجمة في بغداد العباسية. ووفقاً للمؤرخ والكلاسيكي ديمتري غوتاس من جامعة ييل، فإن حركة الترجمة “مساوية في أهميتها لسرد بريكليس في أثينا، أو عصر النهضة الإيطالية، أو الثورة العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر”.

وعلى الرغم من أن أغلب المفكرين العظماء في العصر الذهبي لم يكونوا هم أنفسهم في بغداد، فإن المراكز الثقافية الأخرى في العالم العربي ما كانت لتزدهر على الأرجح لولا حركة الترجمة في بغداد. ولهذا السبب، حتى لو قيل إن العصر الذهبي للعلوم العربية يشمل منطقة واسعة، فإنه كحدثٍ تاريخي يتطلب بشكلٍ خاص تفسيراً لنجاح بغداد العباسية ذاتها.

تمثال موسى بن ميمون في قرطبة، وعلى اليسار تشريح العين البشرية من أطروحة طب العيون لحنين بن إسحاق (القرن العاشر)

فقد كان صعود الخلافة العباسية للسلطة عام 750، كما وصفه برنارد لويس في كتابه «العرب في التاريخ» (1950)، “ثورة في تاريخ الإسلام، ونقطة تحول لا تقل أهمية عن الثورتين الفرنسية والروسية في تاريخ الغرب”. وبدلاً من القبيلة والعرق، جعل العباسيون الدين واللغة الخاصيتين المميزتين لهوية الدولة.

اقرأ أيضاً: الإمبراطوريات الإسلامية.. مدن الحضارة من مكة إلى دبي 2-2

والواقع أن العلم في ظل الإسلام، على الرغم من أنه كان في جزءٍ منه امتداداً للعلوم اليونانية، كان أقل اعتماداً بكثير على الشق النظري من العلوم القديمة، وفقاً لأوفيك. فعلى سبيل المثال، تم استخدام الأعمال المترجمة في الرياضيات في الهندسة والري، وكذلك في حساب قوانين الميراث المعقدة. وكان لترجمة الأعمال اليونانية في الطب استخدامات عملية واضحة.

وكان علم التنجيم موضوعاً يونانياً آخر تم تكييفه للاستخدام في بغداد، حيث لجأ العباسيون إليه لإثبات أن الخلافة الإسلامية هي الوريث الإلهي للإمبراطوريات القديمة في بلاد ما بين النهرين- على الرغم من أن مثل هذه الادعاءات كان يُنظر إليها بحذر، لأن فكرة المعلومات السماوية التي يمكن أن تتنبأ بالمستقبل تتعارض مع التعاليم الإسلامية القائلة بأن الله وحده هو الذي يملك مثل هذه المعرفة.

الطبعة اللاتينية لأطروحات ابن رشد وابن زهر الطبية في منتصف القرن السادس عشر، البندقية، إيطاليا

والعامل الثاني المحوري لصعود حركة الترجمة هو أن الفكر اليوناني كان قد انتشر بالفعل في المنطقة، ببطء وعلى مدى فترة طويلة، قبل العباسيين وفي الواقع قبل ظهور الإسلام. ولهذا السبب جزئياً، لم تكن حركة الترجمة العباسية في بغداد مثل إعادة اكتشاف الغرب اللاحقة لأثينا القديمة، من حيث إنها كانت في بعض النواحي استمرارا للهيلينية الشرق أوسطية.

وكانت منطقة بغداد التي استقر فيها العباسيون تضم عدداً كبيراً من السكان الفرس، الذين لعبوا دوراً أساسياً في الثورة التي أنهت حكم السلالة السابقة؛ وبالتالي، قام العباسيون بالعديد من الإيماءات الرمزية والسياسية للتقرب من الفرس.

اقرأ أيضاً: مواطن المسيحية في الجزيرة العربية قبل الإسلام

وحتى سقوطها في الغزو المغولي عام 1258، كانت الخلافة العباسية أعظم قوة في العالم الإسلامي، وأشرفت على الحركة الأكثر غزارة من الناحية الفكرية في التاريخ العربي. حيث قرأ العباسيون، وعلقوا، وترجموا، وحافظوا على الأعمال اليونانية والفارسية التي ربما كانت ستفقد لولا جهودهم.

لماذا تلاشى العصر الذهبي؟

يرى أوفيك أنه مع تقدم العصور الوسطى، بدأت الحضارة العربية تفقد زخمها. وبعد القرن الثاني عشر، كان لدى أوروبا علماء أكثر أهمية من العالم العربي، كما أشار المؤرخ في جامعة هارفارد، جورج سارتون، في كتابه «مقدمة في تاريخ العلوم» (1927).

وبعد القرن الرابع عشر، لم يشهد العالم العربي سوى القليل جداً من الابتكارات في المجالات التي كان يهيمن عليها في السابق، مثل البصريات والطب؛ ومنذ ذلك الحين، لم تكن ابتكاراته في معظمها في مجال الميتافيزيقيا أو العلم، بل كانت اختراعات عملية في نطاقٍ ضيق مثل اللقاحات.

كانت المدارس الدينية تستبعد دراسة أي شيء غير الموضوعات التي تساعد على فهم الإسلام

ويشير أوفيك إلى أنه كانت هناك ولادة جديدة متواضعة للعلوم في العالم العربي في القرن التاسع عشر، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى حملة نابليون عام 1798 على مصر، ولكن سرعان ما أعقبها تراجع. ويشير برنارد لويس في كتابه “ما الخطأ الذي حدث؟” إلى أن “العلاقة بين العالم المسيحي والإسلام في العلوم قد انعكست. فأولئك الذين كانوا تلاميذ أصبحوا الآن معلمين. وأولئك الذين كانوا أساتذة تحولوا إلى تلاميذ، وغالباً ما كانوا تلاميذ مترددين ومستائين”.

اقرأ أيضاً: البحث عن إسبانيا المفقودة.. رحلة سبر للماضي الإسلامي في الأندلس

وهكذا، تراجعت حضارة المدن والمكتبات التي انفتحت على العالم، لتصبح منغلقة، ومستاءة، وعنيفة، ومعادية للحوار والابتكار. وهذا التدهور هو قاعدة التاريخ، على حد وصف أوفيك، الذي لفت إلى أنه قد يكون من الممكن تمييز بعض الأسباب المحددة للانحدار، والتي ستكشف -في الوقت نفسه- عن العوامل الكامنة والكاشفة للحضارة العربية الإسلامية وتوتراتها مع الحداثة.

فبحلول عام 1258، اجتاح الغزو المغولي الجزء القليل المتبقي من الدولة العباسية. وفي إسبانيا، استعاد المسيحيون قرطبة عام 1236 وإشبيلية في عام 1248. إلا أن الابتعاد الإسلامي عن المعرفة سبق في واقع الأمر التدهور الجيوسياسي للحضارة، و”بوسعنا أن نتتبع ذلك الانحدار إلى صعود المدرسة الأشعرية المناهضة للفلسفة بين المسلمين السُّنَّة، الذين يشكِّلون الغالبية العظمى من العالم الإسلامي”.

لغة يهودية عربية مكتوبة بأحرف عبرية في صفحة من مخطوطة كتبها موسى بن ميمون

ولفهم هذه الحركة المناهضة للعقلانية، ينبغي أن نعيد النظر مرة أخرى إلى زمن الخليفة العباسي المأمون. فقد التقط المأمون شعلة العلم التي أضاءها الخليفة الثاني المنصور، وقام بتطويرها. ورد على أزمة الشرعية من خلال محاولة تقويض علماء الدين التقليديين، بينما كان يرعى بنشاط عقيدة تسمى المُعْتزلة، والتي تأثرت بشدة بالعقلانية اليونانية، ولاسيَّما الأرسطية.

وفي القلب من الميتافيزيقا الأشعريّة تكمن فكرة المذهب الظرفي (نفي السببية، أو الاقتران كما هي عند المتكلمين المسلمين-المحرر)، وهي عقيدة تنكر السببية الطبيعية. وببساطة، فهي تشير إلى أن الضرورة الطبيعية لا يمكن أن توجد لأن إرادة الله حرة تماماً. ويعتقد الأشاعرة أن الله هو السبب الوحيد، لذا فإن العالم عبارة عن سلسلة من الأحداث المادية المنفصلة التي يريدها الله.

وفي خطابه المثير للجدل في جامعة ريغنسبورغ عام 2006، وصف البابا بنديكتوس السادس عشر هذه الفكرة باقتباس من الفيلسوف ابن حزم (توفي عام 1064) قوله: “لو كانت إرادة الله، لكان علينا حتى ممارسة عبادة الأصنام”.

وليس من الصعب أن نرى كيف يمكن أن يؤدي هذا المذهب إلى عقيدةٍ تفضي في نهاية المطاف إلى نهاية البحث الحر في العلوم والفلسفة.

مخطوطة عربية من القرن الثالث عشر تصور سقراط في نقاش مع تلاميذه

وقد استمرت وجهة النظر الأشعرية حتى يومنا هذا. وبوسعنا أن نرى أكثر أشكالها تطرفاً في بعض طوائف الإسلاميين. على سبيل المثال، شرح محمد يوسف، الزعيم الراحل لمجموعة تسمى طالبان النيجيرية، لماذا “التعليم الغربي حرام؟” من خلال شرح وجهة نظره حول المطر “نحن نؤمن بأنه من خلق الله، وليس تبخراً بسبب الشمس يتكثف ويصبح مطراً”.

اقرأ أيضاً: نكبات العقل المسلم.. من ابن رشد إلى نصر أبو زيد!

وتتضح وجهة النظر الأشعرية أيضاً عندما يعزو القادة الإسلاميون الكوارث الطبيعية إلى انتقام الله، كما فعلوا عندما قالوا إن ثوران بركان إيجافاجا لاجوكول في أيسلندا عام 2010 كان نتيجة غضب الله على النساء اللواتي يرتدين ملابس غير محتشمة في أوروبا.

معضلة التوفيق بين الإيمان والعقل

إن مثل هذه الاستدلالات تبدو جنونية في نظر الآذان الغربية، ولكن نظراً لتواترها في العالم الإسلامي، فلابد وأنها تبدو أقل جنوناً في نظر المسلمين على الأقل. وكما يجادل روبرت رايلي في كتابه «إغلاق عقل المسلم» (2010)، فإن “الانفصال القاتل بين الخالق وعقل مخلوقه هو مصدر أعمق المشاكل التي يعاني منها الإسلام السني”.

طلاب العلم في إحدى مكتبات بغداد، من مقامات الحريري ليحيى بن محمود الواسطي، 1237.

ويشير أوفيك إلى أنه قد حدث تحجر مماثل في مجال القانون. فبينما شهدت القرون الأربعة الأولى من الإسلام نقاشاً قوياً ومرونة فيما يتعلق بالمسائل القانونية؛ كان هذا بسبب عُرف الاجتهاد، أو الحكم المستقل والتفكير النقدي، تغير الوضع بحلول نهاية القرن الحادي عشر.

اقرأ أيضاً: كيف يدمر الصراع والإرهاب الحضارة البشرية؟

حيث كان يُنظر إلى الأفكار المتضاربة على نحو متزايد باعتبارها مشكلة، وكان الحكام المستبدين قلقين من المعارضة؛ لذلك أغلقت “أبواب الاجتهاد” أمام المسلمين السنة، وكان يُنظر إلى الاجتهاد على أنه لم يعد ضرورياً، لأن جميع المسائل القانونية المهمة قد حسمت بالفعل.

وأصبحت القراءات الجديدة للوحي الإسلامي جريمة. ولم يتبق سوى الخضوع لتعليمات السلطات الدينية؛ ولفهم الأخلاق، يحتاج المرء فقط إلى قراءة المراسيم القانونية.

وأصبح يُنظر إلى المفكرين الذين قاوموا الإغلاق باعتبارهم منشقين شائنين (على سبيل المثال، نُفي ابن رشد بسبب الهرطقة، وأحرقت كتبه).

مخطوطات عن علم الحساب والفلك ضمن مخطوطات تمبكتو التي تصل إلى 700,000 مخطوطة اكثرها باللغة العربية

وتم إنشاء المدارس الدينية بموجب قانون الوقف، أو الأوقاف الدينية، مما يعني أنها ملزمة قانوناً باتباع الالتزامات الدينية لمؤسسيها. ولم تعترف الشريعة الإسلامية بأي مجموعات أو كيانات اعتبارية، وبالتالي حالت دون أي أمل في الاعتراف بمؤسسات مثل “الجامعات” التي يمكن أن تتطور فيها المعايير العلمية. (الصين في العصور الوسطى، أيضاً، لم يكن لديها مؤسسات مستقلة مكرسة للتعلم)، وكانت المؤسسات المستقلة قانونياً غائبة تماماً في العالم الإسلامي حتى أواخر القرن التاسع عشر.

اقرأ أيضاً: “ازدراء الإسلام”.. حرية تعبير أم اعتداء على الدين؟

وكانت المدارس الدينية تستبعد دائماً دراسة أي شيء غير الموضوعات التي تساعد على فهم الإسلام، مثل قواعد اللغة العربية، والقرآن، والحديث، ومبادئ الشريعة. وغالباً ما يشار إلى هذه العلوم باسم “العلوم الإسلامية”، على النقيض من العلوم اليونانية، التي كان يشار إليها على نطاقٍ واسع باسم العلوم “الأجنبية”.

ويشير استبعاد العلوم والرياضيات من المدارس الدينية إلى أن هذه المواد “كانت هامشية مؤسسياً في الحياة الإسلامية في العصور الوسطى”.

وقد تم التسامح مع مثل هذا المنهجية، وأحياناً تم الترويج لها، ولكن لم يتم أبداً “إضفاء الطابع المؤسسي رسمياً، والموافقة عليه من قبلّ النخبة الفكرية في الإسلام”.

مخطوطة تعبر عن زمن الخليفة المأمون الذي كان حريصاً على مجالس العلم والفكر

ويلخص أوفيك بحثه قائلا: “في محاولة تفسير التخلف الفكري في العالم الإسلامي، قد يكون من المغري أن نشير إلى العوامل الواضحة مثل: الاستبداد، وسوء التعليم، ونقص التمويل، حيث تنفق الدول الإسلامية أقل بكثير من الدول المتقدمة على البحث والتطوير كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي”.

كما يرى سبب تخلف الإسلام على مستوى أعمق، لأنه فشل في تقديم طريقة لإضفاء الطابع المؤسسي على البحث الحر. وهذا بدوره يُعزى إلى فشله في التوفيق بين الإيمان والعقل. وفي هذا الصدد، كان أداء المجتمعات الإسلامية أسوأ ليس فقط من الغرب، ولكن أيضاً من العديد من المجتمعات في آسيا.

ومع بعض الاستثناءات، كان كل بلد في أجزاء الشرق الأوسط من العالم الإسلامي يحكمه مستبد أو طائفة إسلامية متطرفة أو زعيم قبلي. ولا يوجد لدى الإسلام تقليد للفصل بين السياسة والدين.

وتُعد الإسلاموية سبب العنف الذي يعرفه العالم الآن بشكلٍ مؤلم، وهي تنبع من مذاهب تتميز بالحنين العميق إلى الفترة الكلاسيكية الإسلامية.

حصار المغول لبغداد عام 1258، كما هو موضح في مخطوطة من القرن الخامس عشر

وحتى اليوم، يقول أوفيك، فإن فتنة خلق القرآن ولوازم القول بخلقه، كانت كفيلة بأن تجعل المرء كافراً. وفي حين أن الإسلام كان متسامحاً نسبياً في ذلك الوقت مع أتباع الديانات الأخرى، فإن ذلك النوع من التسامح الذي نفكر فيه اليوم لم يكن قط فضيلة بالنسبة للمسلمين الأوائل.

وقد كتب برنارد لويس في كتابه “يهود الإسلام” (1984) أن معاملة أتباع الدين الحقيقي والرافضين له على قدم المساواة كان يُنظر إليها ليس فقط باعتبارها عبثية، بل أيضاً على أنها “تقصيرٌ مباشرٌ في أداء الواجب”.

شاهد: فيديوغراف..انتقاد الأديان بين حرية المعتقد وحرية التعبير

وكان لليهود والمسيحيون وضع اجتماعي سياسي رسمي من الدرجة الثانية، بدءاً من زمن النبي، كما تضمنت اضطهادات العصر العباسي أيضاً الاضطهاد الديني والقضاء على الكنائس والمعابد. ولكن الأهم من ذلك، أن مجرد السعي اليوم إلى تعميم المدارس العقلانية السابقة لن يحقق نجاحاً كبيراً في إقناع المسلمين بالتفكير في المشكلة العقائدية/ السياسية المرتبطة بالإسلام.

وهناك سبب أخير يجعل من غير المنطقي حث المسلمين على الحنين لماضيهم. فرغم أن هناك العديد من الأشياء التي يفتقر إليها العالم الإسلامي، لكن الفخر بالتراث ليس واحداً منها. وبالتالي، فإن ما يحتاجه الإسلام الآن هو الإقلال من اعتزاز بالذات، والإكثار من نقد الذات.

♦كاتب أمريكي يعيش في أوستن بولاية تكساس.

المصدر: “ذا نيو أتلاتنس”

(لا يتبنى كيوبوست محتوى ما جاء في المقالة، كما أن الدعوة مفتوحة للكتاب والمفكرين للتعقيب والرد.)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة