الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

دعوات التخلص من الإرث العثماني لمصر تصطدم بالواقع!

مثقفون مصريون لـ"كيوبوست": إطلاق أسماء الغزاة العثمانيين على الشوارع المصرية أمر مثير للدهشة.. ودعوات تغييرها لن تحظى برعاية رسمية خلال الفترة الحالية

كيوبوست

في مسلسل “ممالك النار” الذي كتبه السيناريست المصري محمد سليمان عبدالمالك، يظهر السلطان سليم الأول بصورته الحقيقية، كاشفاً عن وجهه القبيح مرتكباً الفظائع بحق المصريين، ولعل موقفه بإعدام طومان باي، آخر سلاطين المماليك في مصر، من أشهر ما روي عنه. المفارقة أن لسليم الأول شارعاً طويلاً للغاية في حي الزيتون بالقاهرة، يخلد اسمه!

الآن، تتجدد دعوات مصرية بشأن ضرورة مراجعة فترة الحكم العثماني لمصر، وما ترتب عليها من آثار؛ بسبب الفظائع التي ارتكبها العثمانيون إبان فترة حكمهم، هذه الدعوات التي تتجدد الآن ظهرت منذ ثلاث سنوات تقريباً، وارتبطت بضرورة تغيير أسماء الشوارع التي تمجد أشخاصاً مثل سليم الأول، في الوقت الذي تهمل فيه أشخاصاً آخرين أسهموا في نهضة البلاد في مجالات متعددة.

اقرأ أيضًا: غينيا بيساو.. هل تكون ساحة للتنافس المصري- التركي؟

حسب موقعالمونيتور“، هناك رغبة لدى المصريين في التخلص من مصطلحات مثل “ديار”؛ لأنها كلمة عثمانية، وكذلك مصطلحات مثل “باشا” و”بيه”، وهي مفردات يستخدمها المصريون في حياتهم اليومية.

السؤال الذي يطرح نفسه لا يرتبط بالأسماء المرشحة للشوارع؛ “ولكن السؤال هو مَن اختار هذه الأسماء لغزاة ومحتلين، ليتم الاحتفاء بها على هذا النحو؟!”، يتساءل الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة.

د. محمد عفيفي

يقول د.عفيفي لـ”كيوبوست”: من المؤكد أنه لم تكن هناك لجنة علمية لاتخاذ القرار بشأن إطلاق أسماء مثل سليم الأول على شارع بهذه الأهمية، مضيفًا أن “الخبير التاريخي هو صاحب الرأي هنا، وعدم الاستعانة به يعتبر جريمة حقيقية؛ لأننا هنا نحتفي بشخصيات أرهقت أرواح المصريين وأذاقتهم الويلات، وإطلاق أسمائهم على الشوارع هو تصرف يدعو إلى السخرية والتأمل في آن”.

مفارقة غريبة

مَن يسير في شارع سليم الأول سيجد نفسه أمام مفارقة فريدة من نوعها، وهي أن شارعاً يحمل اسم طومان باي يجاوره؛ “وهي ملاحظة تدعو للدهشة”، حسب الروائية المصرية سلوى بكر، والتي تدور جميع رواياتها في أحداث تاريخية.

لافتة شارع سليم الأول في القاهرة – أرشيف

تقول بكر لـ”كيوبوست”: “سليم الأول أعدم طومان باي، والأخير معروف بمواقفه الوطنية المؤيدة للمصريين، وهذا يكشف عن عبثية تحكم المشهد؛  الأمر تجاوز الاحتفاء بمحتل مثل سليم الأول، ليصل إلى وضع اسم ضحيته على شارع يجاوره”.

سلوى بكر

تطالب بكر بتغيير أسماء جميع الشوارع التي لا تعبر بحق عن هوية المصريين، إلى أسماء أخرى لعلماء ومفكرين وأدباء وسياسيين لعبوا دوراً في نهضة هذا البلد؛ وهي دعوة لا يتفق معها الدكتور محمد عفيفي الذي يرى أن الأفضل هو الإبقاء على أسماء الشوارع كما هي، وتشكيل لجنة علمية من خبراء التاريخ لإطلاق أسماء شخصيات مهمة ومؤثرة على شوارع المدن الجديدة التي تبنيها الدولة المصرية حالياً.

حكاية شارع

الواقع أن دعوة بكر، واعتراض د.عفيفي، يصطدمان بمشروع تعكف عليه وزارة الثقافة المصرية حالياً اسمه حكاية شارع، وهو مشروع يعتمد على تعريف المصريين بحكايات شوارعهم، وقصة كل شخصية تم إطلاق اسمها على شارع ما، بغض النظر عن طبيعة منجزها.

اقرأ أيضًا: لماذا اختارت تركيا تقليم أظافر القنوات الإخوانية؟

“كيوبوست” توجه إلى المهندس محمد أبو سعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري، والمسؤول عن مشروع “حكاية شارع”، طارحاً سؤال: “هل هناك احتمالات لتعديل أسماء الشوارع في مصر؟”.

محمد أبو سعدة

يجيب أبو سعدة، في حديثه مع “كيوبوست”، قائلاً: إن مشروع حكاية شارع انتهى حتى الآن من العمل على نحو 150 شارعاً في مصر، ولم تصدر أي تعليمات بخصوص تعديل الأسماء، وهناك لجنة تاريخية تعمل على تعريف المصريين بحكايات الشوارع وأسماء أصحابها؛ ولكن لا تملك اللجنة الحق في رفض التعليق على شارع ما من عدمه، لأن القرار لا يخصها في النهاية، فهو قرار رسمي حكومي، وسواء شارع سليم الأول أو غيره، ستتم معاملته كباقي الشوارع إلى أن يصدر توجيه جديد بشأن الموضوع.

الدعوات لا تتوقف فقط عند أسماء الشوارع العثمانية؛ ولكنها تتطرق إلى المفردات التي تم استخدامها تحت حكم العثمانيين لمصر، “غير أن هذه الدعوات بالانفصال التام، والتنصل من التركة العثمانية لمصر لن تحظى بقبول رسمي؛ بسبب محاولات التقارب مع تركيا حالياً”، حسب الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة.

اقرأ أيضًا: استئناف العلاقات التركية- المصرية يثير التساؤلات حول مصير الإخوان

يؤكد د.عفيفي أن الناس ترتبط بالقديم، وتغيير اسم شارع سليم الأول إلى أي اسم آخر سيأخذ سنوات طويلة؛ حتى يعتاد الناس على الاسم الجديد، ضارباً المثل بميدان التحرير، والذي أصبح اسمه ميدان أنور السادات، بعد وصول السادات إلى الحكم، غير أنه ظلَّ معروفاً باسم ميدان التحرير حتى يومنا هذا، وبالتالي يفقد الأمر تأثيره وأهميته شعبياً من هذا المنطلق، كما أن أهميته السياسية لم تعد ملحة، كما كان الوضع مع أنقرة العام الماضي مثلاً.

ميدان التحرير – أرشيف
د. طارق فهمي

يتفق الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مع هذا الرأي، مؤكداً خلال حديثه مع “كيوبوست” أن “دعوات التقارب مع تركيا، وما يحدث على أرض الواقع، يجعل من مسألة الاهتمام الرسمي بتغيير أسماء الشوارع أمراً غير ملح، رغم أنه مثير للاهتمام، ويبعث على الدهشة من الاحتفاء بشخصياتٍ تاريخية تسببت في كوارث للشعب المصري”.

يضيف د.فهمي: سياسياً، لن تأخذ هذه المسألة الكثير من الاهتمام، على الرغم من أن التقارب المصري- التركي لن يتم بصورة قوية ومتكاملة خلال الفترة الحالية؛ بل سيأخذ بعض الوقت، وستبقى هناك ضوابط وشروط لعودة العلاقات وتفعيلها؛ ولكن بكل الأحوال سيكون التفكير في الاحتفاء بشخصياتٍ جديرة بالاهتمام، واعتماد سياسات مؤثرة وفعالة، هو الأساس الذي يمكن البناء عليه، رغم ما تحمل هذه الدعوات من وجاهة تخص ضرورة التعبير الحقيقي عن الهوية الوطنية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة