الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

دعوات أوكرانية للتجنيد تثير الجدل في إفريقيا

الحكومة الأوكرانية تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع الحكومات والشعوب الإفريقية التي تتوفر على حساسية تاريخية تجاه أية ممارسات تشي بالعنصرية

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لربما كانت أوكرانيا ستحظى بتعاطف إفريقي أكثر مما تتوقع في ما يتعلق بأزمتها الراهنة مع روسيا؛ رغم تمدد الأخيرة غير المسبوق في القارة السمراء خلال الأعوام الأخيرة، لكنَّ خطوتَين غير محسوبتَين بدقة جعلتا قدمَيها تزلان في الطريق الإفريقية الزلِقة؛ فقبل أن تنمحي آثار الخطوة الأولى التي أفقدت كييف تعاطف الشعوب قبل الدول الإفريقية؛ حيث عمدت السلطات الأوكرانية -وفقاً لتقارير متطابقة- إلى وضع العقبات والعراقيل أمام المواطنين والطلاب الإفريقيين المقيمين هناك، بينما كانت تسهل إجراءات إجلاء مواطنيها والمواطنين الأوروبيين.. وغيرهم، إلى الدول المجاورة، الأمر الذي عدَّه مراقبون نوعاً من العنصرية، وهذا ما ذهب إلى الاتحاد الإفريقي نفسه؛ إذ أعرب، في بيان منشور على موقعه الإلكتروني، عن قلقه العميق مما سمَّاها المُعاملة العنصرية الصادمة التي يواجهها الإفريقيون الذين يحاولون عبور الحدود الأوكرانية هرباً من الحرب.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الفرنسي.. كيف ستبدو خارطة الإرهاب في مالي والساحل؟

دبلوماسية الارتزاق

لم تمضِ أيام قليلة على ذلك، حتى عززت كييف تلك الخطوة بأخرى أكثر عرجاً وحرجاً منها؛ حيث وضعت السفارة الأوكرانية في العاصمة السنغالية داكار، الخميس 3 مارس، نداءً على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”؛ تعلن فيه رغبتها في تجنيد مواطنين ومرتزقة أجانب على الأراضي السنغالية للمشاركة في القتال ضد روسيا، وفقاً لخبرٍ نشرته يومية “لوموند” الفرنسية، ووسائل إعلام وصحف أخرى.

بيان الخارجية السنغالية- موقع الوزارة على “تويتر”

وأعربت وزارة الخارجية السنغالية، في بيان، عن استيائها الشديد مما حدث واعتبرت إعلان التجنيد انتهاكاً للقوانين والأعراف المحلية والدولية، واصفةً إياه بالعمل غير القانوني. استدعت الخارجية السنغالية إثره السفير الأوكراني إلى داكار، يوريل بيفوفاروف، الذي أكد صحة النداء وتسجيل 36 متطوعاً من المرشحين، رغم سحب السفارة المنشور من على صفحتها.

اقرأ أيضاً: الانقلابات في إفريقيا.. من الذي ينسف الاستقرار؟

وفي سياق تعليقه على ذلك لـ”كيوبوست”، اعتبر المحلل والباحث السياسي المتخصص في الشؤون الإفريقية، عبد الله جرمة، دعوة السفير الأوكراني إلى داكار انتهاكاً صريحاً للأعراف الدولية والسيادة الوطنية لدولة إفريقية كبرى  تتولى رئاسة الاتحاد الإفريقي وتحظى باحترام وتقدير كبيرَين بين شعوب القارة كافة؛ الأمر الذي أضفى عبئاً جديداً على العلاقات الدبلوماسية والشعبية بين أوكرانيا والحكومات الإفريقية، وحرك مؤشر الرأي العام لشعوب القارة لصالح موسكو بعد أن كان متعاطفاً نسبياً مع كييف باعتبارها الدولة المُعتدى عليها.

السفير الأوكراني لدى السنغال- وكالات
عبدالله جرمة

وأشار جرمة إلى أن الحكومة الأوكرانية تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع الحكومات والشعوب الإفريقية التي تتوفر على حساسية تاريخية تجاه أية ممارسات تشي بالعنصرية؛ فمقاطع الفيديو التي أظهرت أشخاصاً سوداً، جلهم طلاب جامعيون؛ حيث يتلقى أكثر من 16 ألف إفريقي يمثلون 20% من إجمالي الطلاب الأجانب، تعليمهم الجامعي في أوكرانيا؛  يُدفعون خارج القطارات، وسائقون أوكرانيون يوبخونهم ويوقفونهم أثناء محاولتهم الفرار؛ وحدها كافية لوضع العلاقات الإفريقية- الأوكرانية على المحك، قبل أن تأتي سفارة أوكرانيا في داكار لتكرس النظرة الغربية الاستعلائية تجاه الشعوب الإفريقية، حسب تعبير جرمة.

اقرأ أيضاً: تمدُّد الحركات الجهادية في إفريقيا.. نومُ الحكومات وإغفاءة الغرب!

كن أشقر لتنجو من الموت!

وكانت السنغال و16 دولة إفريقية أخرى، امتنعت عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يطالب روسيا بالكف فوراً عن استخدام القوة ضد أوكرانيا، ويطالبها بسحب جميع قواتها العسكرية منها، بينما دعمت دولة واحدة (إريتريا) الموقف الروسي بشكل صريح.

إفريقي وابنته في انتظار دورهما بعد إجلاء الشُّقر وذوي العيون الزرقاء من كييف- وكالات

وفي السياق ذاته، انتقد الصحفي والمحل السياسي، الجميل الفاضل، خلال حديثه إلى “كيوبوست”، مواقف الدول الأوروبية تجاه الدول الإفريقية، مشيراً إلى أن العقلية الاستعمارية لا تزال مسيطرة على النخب الغربية في علاقتهم بإفريقيا؛ دولاً وشعوباً، لافتاً إلى التصريح الصحفي الذي أدلى به نائب المدعي العام الأوكراني السابق، ديفيد ساكفاريليدزي لـ(بي بي سي)، بأن الأمر مثير حقاً؛ أن أرى أناساً أوروبيين، بعيون زرقاء وشعر أشقر، يُقتلون بصواريخ بوتين ومروحياته”، يحيل مباشرةً إلى عنصرية صريحة، فضلاً عن تصريحات أخرى مماثلة من مراسلين وصحفيين وسياسيين تذهب في نفس الاتجاه.

اقرأ أيضاً: حرب روسيا- أوكرانيا ستؤثر على إفريقيا وآسيا

الجميل الفاضل

واستطرد الفاضل مضيفاً: ربما هذه الأقوال والأفعال مترافقة مع حقبتَي الاستعمار وتجارة الرقيق، بالمقارنة مع مواقف روسيا أو الاتحاد السوفييتي السابق الداعمة لحركات التحرر الوطني في إفريقيا، هي التي ستشكل مستقبل العلاقات؛ ليس بين إفريقيا وأوكرانيا فحسب، بل بينها وبين الغرب عموماً، لصالح روسيا والصين وتركيا، وهذا ما يجري بالفعل على الأرض في مالي وإفريقيا الوسطى وليبيا والسودان وموزمبيق والصومال وإثيوبيا والحبل على الجرار مع كبرى الدول الإفريقية؛ كجنوب إفريقيا والسنغال ونيجيريا، فما لم يصلح الغرب نظرته وسياسته تجاه القارة وشعوبها، فإنه لن يجد موطئ قدم في أية بقعة إفريقية على المدى القريب.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة