الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

دعاية سوداء بريطانية استهدفت أعداء الحرب الباردة

خلق قسم أبحاث المعلومات منظمة إسلامية متطرفة وهمية أطلق عليها تسمية "رابطة المؤمنين" كانت تهاجم الروس باعتبارهم ملحدين، وتربط سبب الهزائم العربية بالافتقار إلى الإيمان الديني

كيوبوست- ترجمات

جايسون بيورك♦

كشفت تقارير رُفعت عنها السرية، مؤخراً، أن الحكومة البريطانية أدارت على مدى عقود حملاتٍ دعائية سوداء، استهدفت مناطق إفريقيا، والشرق الأوسط، وأجزاء من آسيا، مستخدمة منشورات وتقارير من مصادر مزيفة لغرض زعزعة استقرار أعدائها في فترة الحرب الباردة، وذلك من خلال تشجيع التوترات العرقية، وزرع بذور الفوضى، والتحريض على العنف، وتعزيز الأفكار المناهضة للشيوعية.

وقد ركزت هذه الجهود التي كانت تديرها إدارة تابعة لوزارة الخارجية، في الفترة الممتدة بين أواسط خمسينيات وأواخر سبعينيات القرن الماضي، على أعداء الحرب الباردة مثل الاتحاد السوفييتي والصين، وجماعات التحرر اليسارية، والقادة الذين رأت فيهم المملكة المتحدة تهديداً لمصالحها. وسَعَت هذه الحملات أيضاً إلى حشد المسلمين ضد موسكو، وتشجيع التشدد الديني، والأفكار المتطرفة. ولإضفاء المصداقية تضمنت بعض هذه التقارير التشجيع على كراهية إسرائيل.

اقرأ أيضاً: كيف نجحت ماكينة الدعاية الإيرانية بتغيير الوقائع وتضليل الغرب؟

وقد كشفت وثائق بريطانية تم رفع السرية عنها مؤخراً عن المئات من العمليات الدعائية المطولة والمكلفة.

يقول روي كورماك، الخبير في تاريخ الأعمال التخريبية والاستخباراتية الذي عثر على الوثائق أثناء أبحاثة لتأليف كتابه «كيف تتم الانقلابات.. وعشرة دروس أخرى من عالم الحكومات السري» الذي سينشر في الشهر القادم: “تُعتبر هذه الوثائق من أهم ما تم الكشف عنه خلال العقدين الماضيين. ومن الواضح جداً أن المملكة المتحدة تورطت في الدعاية السوداء أكثر بكثير مما كان يعتقد المؤرخون، وأن جهودها في هذا المجال كانت منهجية وعدوانية وطموحة للغاية”.

قامت حكومة حزب العمال بإنشاء “قسم أبحاث المعلومات” بعد الحرب العالمية الثانية لمواجهة هجمات الدعاية السوفييتية على بريطانيا، وعكست أنشطة القسم العمليات الدعائية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والجهود المكثفة للاتحاد السوفييتي، والدول التابعة له.

رئيس الوزراء البريطاني أليك دوغلاس-هوم طلب من قسم أبحاث المعلومات استهداف غانا- الغارديان

كشفت صحيفة “الأوبزرفر” العام الماضي عن الحملة الكبيرة التي شنها “قسم أبحاث المعلومات” في إندونيسيا عام 1965، والتي ساعدت على تشجيع المذابح المناهضة للشيوعيين التي خلفت مئات الآلاف من القتلى. وفي هذه الحملة، قام القسم بإعداد منشوراتٍ مزيفة كتبها مروجو الدعاية البريطانيون تدعو الإندونيسيين للقضاء على الحزب الشيوعي الإندونيسي الذي كان أكبر حزب شيوعي في دولةٍ غير شيوعية.

ولكن آلاف الوثائق التي تم رفع السرية عنها، والتي قام كورماك بدراستها، تعطي الرؤية الأكثر شمولاً حتى الآن حول عمليات التضليل التي كان يقوم بها قسم أبحاث المعلومات.

يقول كورماك: “كان البريطانيون لاعباً من بين لاعبين كثر، ويمكن القول إنهم كانوا لاعباً ثانوياً بالنظر إلى كمية المواد التي كان اللاعبون الكبار ينتجونها وينشرونها”. ويضيف: “المملكة المتحدة لم تكن تخترع المواد، كما كان الاتحاد السوفييتي يفعل بشكلٍ ممنهج، ولكنها بالتأكيد تعمدت خداع الشعوب لخدمة أهدافها”.

كان قسم أبحاث المعلومات يضم 360 موظفاً في أوج نشاطه في منتصف الستينيات، ولكن وحدة التحرير الخاصة الشديدة السرية المسؤولة عن أعمال الدعاية السوداء كانت أصغر بكثير. وكانت تعمل من مكتب سري في ويستمنيستر وتستخدم تكتيكات مختلفة للتلاعب بالرأي العام.

اقرأ أيضاً: دراسة جديدة تكشف معلومات خطيرة حول الدعاية الجهادية

كان أحد هذه التكتيكات يقوم على اعداد “تقارير” يتم إرسالها لتحذير حكومات أخرى وصحفيين مختارين ومراكز أبحاث بشأن “التخريب السوفييتي” أو تهديدات أخرى مشابهة. وتضمنت هذه التقارير حقائق وتحليلات منتقاة بعناية غالباً ما كان يتم الحصول عليها من تقارير استخباراتية تقدمها المخابرات البريطانية، ولكنها تبدو وكأنها صادرة عن محللين ومؤسسات مستقلة ظاهرياً يديرها قسم أبحاث المعلومات. ومن أول هذه المؤسسات كان “اللجنة الدولية للتحقيق في منظمات الجبهة الشيوعية” التي تأسست عام 1964.

التكتيك الثاني كان يقوم على تزوير تصريحات للوكالات والمؤسسات السوفييتية الرسمية. وقد قام قسم أبحاث المعلومات خلال الفترة الممتدة بين عامي 1965 و1972 بتزوير ما لا يقل عن أحد عشر بياناً عن وكالة نوفوستي للأنباء التي تديرها الحكومة السوفييتية. كان أحدها البيان الذي صدر في أعقاب هزيمة مصر في حرب الأيام الستة عام 1967 مع إسرائيل، حيث تحدث البيان عن غضب السوفييت من “إهدار” مصر للكثير من الأسلحة السوفييتية التي زودت بها موسكو الحكومة المصرية.

وقد اتهم أحد هذه المنشورات موسكو بالتشجيع على حرب 1967 وانتقد جودة الأسلحة السوفييتية، ووصف السوفييت بأنهم “ملحدون قذرو الألسنة” ينظرون إلى المصريين على أنهم “مجرد فلاحين أمضوا حياتهم في الخرافات الإسلامية الرجعية”.

وقد خلق قسم أبحاث المعلومات منظمة إسلامية متطرفة وهمية تماماً أطلق عليها تسمية “رابطة المؤمنين” كانت تهاجم الروس باعتبارهم ملحدين، وتربط سبب الهزائم العربية بالافتقار إلى الإيمان الديني. وهو أمر شائع بين الناس المحافظين والمتدينين في ذلك الوقت.

مقاتلون يمنيون في محمية بريطانية جنوب البلاد- الغارديان

“لماذا تعاني الأمة العربية في هذه الأيام من كل هذا البؤس والمصائب؟ لماذا هُزمت جيوش المجاهدين الأبطال أمام الصهاينة الكفار الأشرار؟ الإجابات واضحة… نحن نبتعد عن الطريق الصحيح، ونسير في الطريق الذي رسمه لنا الشيوعيون الكفار الذين يعتبرون الدين نوعاً من الأمراض الاجتماعية”.

انتشرت مثلُ هذه المنشورات بكثرة في مصر، في السنوات التالية، واجتاحت موجة من التعصب الديني هذه الدولة الاستراتيجية. يقول كورماك: “إن القسم لم يكن يمانع في تشجيع العداء لإسرائيل، إذا كان ذلك يضفي مصداقية على ما يقوم بتزويره”.

وزعم بيان أعده قسم أبحاث المعلومات في فبراير 1967 على أنه صادر عن جماعة الإخوان المسلمين أن مصر استخدمت الأسلحة الكيميائية في معاركها مع تحالف القبائل المتدينة المحافظة في اليمن التي تدعمها بريطانيا والمملكة العربية السعودية. وجاء في منشوراتٍ أخرى نسبها القسم إلى إسلاميين أنه لا ينبغي إلقاء اللوم في جرائم الحرب على الإمبرياليين الكفار أو اليهود الصهاينة، بل على المصريين الذين من المفترض أن يكونوا مؤمنين.

وجاء في أحد المنشورات حول دور المصريين في اليمن: “لقد تمادى هؤلاء المصريون القتلة في نفاقهم دون عقاب، ولكنهم لم يعودوا قادرين على التظاهر بالإيمان بالله وبرسوله وبكتابه. وإذا كان المصريون يريدون القتال فلماذا لا يوجهون جيوشهم ضد اليهود”.

اقرأ أيضاً: علميًا: كيف تتسرب الدعاية المتطرفة إلى عقول الناس؟

يقول كورماك: في كثيرٍ من منشورات قسم أبحاث المعلومات، غالباً ما تكون الأحداث صحيحة من الناحية الواقعية، لكن السياق العام والمصدر المزيف كانا مصممين للتضليل، وكانت المنشورات المتعلقة باليمن تهدف إلى الضغط على القيادة المصرية للقبول بوقف لإطلاق النار.

وسلطت منشوراتٌ أخرى الضوء على استخفاف موسكو بمنظمة التحرير الفلسطينية، وعلى الدعم المحدود الذي قدمه الاتحاد السوفييتي للجماعات القومية الفلسطينية المسلحة، في مقابل الموقف الصيني الأكثر دعماً، وذلك لتوسيع الشرخ بين القوتين الشيوعيتين.

وركزت إحدى الحملات الرئيسية على تقويض نظام إيان سميث في روديسيا، المستعمرة السابقة التي أعلنت استقلالها عن المملكة المتحدة من جانبٍ واحد عام 1965 في محاولة للحفاظ على حكم الأقلية البيضاء. حيث أنشأ قسم أبحاث المعلومات مجموعة مزيفة من المعارضين الروديسيين، هاجمت منشوراتها سميث بتهمة الكذب، وخلق الفوضى، وتخريب الاقتصاد. جاء في أحد هذه المنشورات: “إن العالم كله يقف ضدنا، علينا أن نوقف ذلك قبل أن يفوت الأوان لإنقاذ البلاد.”

وقد تضمنت محاولات عزل القوميين الأفارقة أحياناً منشوراتٍ تحرض على التوتر العنصري. ففي مطلع عام 1963 قام قسم أبحاث المعلومات بتزوير بيان من الاتحاد العالمي للشباب الديمقراطي، وهو إحدى منظمات الجبهة السوفييتية، ندد فيه بالأفارقة باعتبارهم غير متحضرين و”بدائيين” ومنحطين أخلاقياً. وقد حظي هذا البيان المزور بتغطية إعلامية واسعة في أرجاء القارة الإفريقية، وكان رد فعل العديد من الصحف شديداً للغاية.

رئيس الوزراء الروديسي إيان سميث- الغارديان

وجاء في بيانٍ مزور آخر صدر عام 1966 حديث عن “التخلف” و”عدم النضج السياسي” لدول إفريقيا، وألقى بيانٌ آخر، نُسب إلى وكالة نوفوستي، باللوم على النتائج الأكاديمية المتدنية في إحدى الجامعات الدولية في موسكو على مستوى الطلاب الأفارقة السود المسجلين فيها. وتم إرسال أكثر من ألف نسخة من هذا البيان إلى عناوين في مختلف أنحاء الدول النامية.

ويقول كورماك إنه ليس هنالك شك في أن كبار صانعي السياسة البريطانيين كانوا على درايةٍ بنشاط قسم أبحاث المعلومات.

وفي عام 1964 طلب رئيس الوزراء المحافظ أليك دوغلاس-هوم من قسم أبحاث المعلومات أن يستهدف دولة غانا بسبب خشيته من أن رئيسها الزئبقي كوامي نكروما كان يميل نحو موسكو. وبعد أشهرٍ قليلة شجع رئيس الوزراء الجديد من حزب العمال باتريك غوردون والكر وزارة الخارجية على المحافظة على “القدرة على إنتاج دعاية سوداء من وقتٍ لآخر”. وكان مهتماً بشكلٍ خاص بإثارة التوترات بين الأفارقة والصينيين.

اقرأ أيضاً: صحافة دولية: كيف تجاوزت حملات التضليل الإعلامية الإيرانية الخطوط الحمراء؟

وكما هي الحال في مثل هذه الأنشطة، كان من الصعب الحكم على مدى تأثير حملات قسم أبحاث المعلومات. وفي إحدى المرات تفاخر مسؤولو القسم بأن إحدى الصحف في زنجبار استخدمت أحد تقاريرهم المزيفة حول عنصرية الاتحاد السوفييتي، وأن الصحيفة أثارت ردود فعل غاضبة، الأمر الذي اعتبره القسم إنجازاً كبيراً.

كذلك شعر مسؤولو المكتب بسعادةٍ بالغة عندما استخدمتِ الصحافة الكينية مواد مزيفة عن حرب الأيام الستة عام 1967 وعندما نشرت صحف عديدة في أرجاء العالم الإسلامي بياناً مزيفاً منسوباً لوكالة نوفوستي حول هذه الحرب. وفي بعض الأحيان استخدمت الصحف الغربية أيضاً بعض مواد القسم المزيفة.

ومع أن قسم أبحاث المعلومات قد أُقفل عام 1977، فقد وجد الباحثون أدلة على أن أنشطة مماثلة استمرت لمدة عقد آخر.

يقول كورماك: “إن الوثائق الجديدة مهمة بشكلٍ خاص كمقدمة لجهود أكثر حداثة لوضع الاستخبارات في المجال العام” ويضيف: “تمتلك ليز تروس [عضوة البرلمان البريطاني- المترجم] خلية معلومات حكومية تتلقى معلومات يومية من المخابرات العسكرية لتستبق البيانات الروسية، وتتفوق في حرب المعلومات. ولكن المملكة المتحدة استخدمت وسائل أكثر خداعاً في معظم فترات الحرب الباردة”.

♦مراسل “الغارديان” في إفريقيا، مقيم في جوهانسبورغ.

المصدر: الغارديان

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة