شؤون عربيةملفات مميزة

دعاية المتطرفين.. هكذا عرفنا المستقبل بصحبتهم

كيف يتسلل لنا خطاب التطرف ودعايته؟

متابعة-  كيو بوست

إن أي محاولة لفهم خطاب التطرف ودعايته لا تتم بمعزل عن فهم الخطاب الإعلامي وآليات اشتغاله لدى الجمهور، وواحدة من هذه الاستراتيجيات الناجعة، تصوير نقاط الخلاف، بين ما هو قائم، وبين ما تعد هي بتوفيره. ولا بد من شيطنة الطرف المعادي لتنجح عملية تسويق الأيديولوجيا أو الحزب أو الجماعة، أي الدعاية.

وحقيقة الدعاية أنها ابنة الحرب الباردة في النصف الأخير من القرن العشرين، بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، إذا كان الصراع وقتها يدور من منظور طبقي، والشعارات الإعلامية التي دارت بين الطرفين، قسّمت العالم بين من يملكون المال والسلطة ومن لا يملكونها، أو بين الكادحين والمالكين، ومن دون أن يحاول أي طرفٍ تجريد العدو من صفته الإنسانية.

لذلك، كانت الدعاية الغربية تخاطب جمهور الدول الاشتراكية من منطلق أنها تخوض الحرب من أجلهم، وتريد تحريرهم من الاستعباد، وتنقلهم إلى عالم الرفاهية والحرية والديمقراطية.

وعلى الطرف الآخر، كانت الدعاية الاشتراكية توجّه دعايتها للمواطن الغربي من منطلق أنها هي أيضّا تريد تحريرهم من سلطة رأس المال، وتعدهم بالمساواة الاشتراكية، وتوزيع الثروة والقضاء على الطبقات.

وحمل كل نظام مسؤولية تخليص جمهور الطرف الآخر من الأيدلوجية التي تحكمه.

استخدم الغرب في الحرب أقوى منتجاته؛ الحداثة، حرية التعبير، الانتخابات، هوليود، الجينز، الموسيقى الغربية، حتى المارلبورو والوجبات السريعة وناطحات السّحاب والسيارات الحديثة وغزو الفضاء..

بينما جاهد المعسكر الشرقي في الترويج لمثاليته؛ الخدمات العامة المجّانية في الصّحة والتعليم، والمساواة وتوزيع الثروة والانحياز للفقراء، والقضاء على رأس المال وحكم الطبقة العاملة وتوزيع الأرض على الفلاحين..

امتدّت الحرب الباردة على مدار نصف قرن، كان الإعلام قوامها الأساس، ولأن الطرفين لم يستخدما الأسلحة التقليدية وغير التقليدية في الصراع، كما كان الأمر في الحروب الكلاسيكية، فقد ظهر ما اصطلح على تسميته “القذائف الدعائية” و “الحرب الهجينة”، حاول كل طرف بوسائل إعلامه ضرب شرعية نظام المعسكر الآخر. و خاضوا التطبيق العملي لنظرية القائد العسكري الصيني” صن تزو” (القرن 6ق.م) في كتابه فن الحرب:”إن أفضل انتصارٍ هو الانتصار من دون خوض المعارك”.

وعلى الرغم من أن الحرب الباردة انتهت، إلّا أنها تولد من جديد بين أكثر من طرف، في صراعات إقليمية ودولية، يحاول كل طرف فيها استهداف عقل العدو وليس جسده، واللعب على مخاوفه وآماله، بدلًا من قتله.

ولذلك انقسم مواطنو العالم نتيجة اقتناعهم بالفكرتين، الرأسمالية والاشتراكية، ليس فقط بسبب قوة الآلة الدعائية، ولكن لمنطقيتها، وقربها من حاجة الإنسان وحاضره ومستقبله، ومحاكاتها لآماله.

كل ما سبق هو على خلاف التنظيمات التي نتجت عن فوضى “الربيع العربي” والتي استخدمت دعايتها في القتل بدل مخاطبة عقله، وفي سبي جسد الإنسان بدل تحريره.

 

دعاية التنظيمات الإرهابية: جئناكم بالهدم والذبح

صار من الشائع أن تسّمع بثورات يقودها حركات إرهابية، تسعى لقيام ديمقراطي! فقد استخدم المتطرفون هذه الورقة–الديمقراطية- لمحاولة إقناع العالم بحراكهم، وتقديم صورة حسنة لشعوبهم، وكانت هذه الدعاية من أقوى حججهم عندما خرج الناس للشوارع مطالبين بالحرّية. بينما كان من أسباب سقوطهم ظهور تناقضاتهم في المناطق التي حكموا فيها وسيطروا عليها، فقد فرضوا احكام الرّدة على من يخالف أفكارهم، وبالكفر على من اختلف معهم مذهبيًا ودينيًا، وتلقائيًا اكتشفت الشعوب أن “الحكم” هو غايتهم، برغم محاولات التجميل التي قادتها أمبروطوريات إعلامية عملت في صفهم.

صورة لغلاف مجلة دابق الداعشية: تفخر بتسمية عناصرها بـ “جنود الإرهاب”

 

 

وعلى الرغم من أن ورقة الدعاية الديمقراطية، لاقت رواجًا وجرى استغلالها في البدايات، إلا أن مبادىء الأحزاب المسمّاة إسلامية ومفكّروها، قدموا دعاية من نواحي أخرى، مناقضة للعقل السليم، ومخيفة إلى درجة أنها لم تدّعِ يومًا أنها تريد الخلاص والتقدّم لأحد، ففقدت جاذبيتها حتى للمسلمين أنفسهم، بل كانت تفخر بقتل من يختلف معها، بالإضافة إلى غلقها الأفق أمام من يخوض معها الصراع، فلم  تعترف أصلاً بوجود “إنسان” مختلف معها يستحق الحياة، ولذلك لم تخجل تلك التنظيمات الإسلامية من نشر صور فظاعاتها، وقطع رؤوس أعدائها وأسراها، ممن يختلفون معها بأبسط الأمور.

 

ولم تقدّم تنظيمات الإسلام السياسي وأجنحتها العسكرية وجهة نظر حضارية، في معاملتها للإرث التاريخي والحضاري في المناطق التي سيطرت عليها، فعمدت إلى هدم التماثيل، بفؤوس فخورة، في محاولة لإبادة الهوية الثقافية للشعوب، والترويج لثقافتها، بهدم المتاحف في المناطق التي سيطرت عليها في الموصل وتدمر وسيناء. يتلاقى ذلك الفكر مع تفجير كنائس الأقباط في مصر ومعابد الأزيديين في العراق، وتفجير الحسينيات سواء في العراق أو لبنان. كل ذلك تم ببيانات وتصوير بأيدي عناصر التنظيمات، لأجل بث الرعب في قلوب من يختلفون معها دينياً أو مذهبياً، مما يدلل على كفرهم بالتعددية الشرقية، القائمة منذ الآف السنين. مع أن فكر تلك التيارات -المسمّاة إسلامية- جميع أفكارها مستوحاة من الماضي السحيق!

 

وعلى الرغم من أن الإخوان المسلمون، برغم ظاهرهم السلمي! استخذوا ورقة المرأة في الدعاية الإعلامية، لتشويه خصومهم، لِما تثيره هذه الورقة من عاطفة لدى المواطن العربي، وقد سمعنا على قناة “الجزيرة” صرخات “شهود العيان” تدّعي من دون دليل، أن الجيوش العربية تغتصب النساء في سوريا ومصر وليبيا، إلّا أنهم استخدموا في دعايتهم نساء خصومهم كسبايا وواجهات للحرب، في حلب وداريا والغوطة، عندما وضعوا الأسيرات والمختطفات في أقفاص حديدية، وعرضوهن في الشوارع، واستخدموهن كدروع للحرب، مع تجاهلهم “لحُرمة” النساء التي حرضّوا عليها! فالمنج الوحيد الحقيقي الذي قدّموه للمرأة، هو النقاب والسبي.

 

كان من إيجابيات تلك الدعاية الموجّهة من قبل الحركات المتطرفة، أنها عرضت للعالم بما فيه المسلمين أنفسهم، القيم الحقيقية التي يبشرّون بها، فهم لم يتحايلوا على العالم بعرض أفكار لا تمت لهم بصلة، بل صوروا ونشروا علانية ما يجول بصدورهم، وما يعتمل نفوسهم عن كيفية رؤيتهم لمستقبل دول إذا ما حكموها، أو سيطروا عليها.

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة