الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

درس فيينا في مواجهة التطرف الإسلامي

كيوبوست- ترجمات

السير جون جينكيز♦

ربما تكون النمسا، التي يجب أن أعلن وجود روابط عائلية معها، والمعروفة بفطائر التفاح ومهرجان سالزبورج ومنتجعات جبال الألب والمغني كونشيتا ورست، أكثر من دولة رائدة في السياسة الأوروبية. وقد مرَّ وقت طويل منذ نشاط برونو كريسكي الكبير في الشرق الأوسط أو تفاعل فيينا المبكر مع قضايا الصراع في يوغوسلافيا السابقة. وفي معظم القضايا، كانت الدولة راضية إلى حد كبير بوضع نفسها وسط حزمة الاتحاد الأوروبي. وكل ذلك كان معقولاً تماماً.

اقرأ أيضاً: مراجعة جذرية لنهج مكافحة التطرف في أوروبا

لكن الجديد أن وزيرة الدمج، سوزان راب، أعلنت مؤخراً، بجرأة، إطلاق مركز ومرصد لتوثيق أنشطة الإسلام السياسي؛ بهدف البحث والتوثيق والإبلاغ عن “التطرف السياسي المدفوع دينياً” و”لإلقاء الضوء على شبكات وهياكل متعلقة بالتطرف، وكذلك أي تأثيرات خارجية محتملة على جمعيات (إسلامية) ناشطة في النمسا”.

ووفقاً للوثائق الرسمية، تم تصميم المركز ليشكل جزءاً من استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة التطرف والتخلص منه. وسيتم دعمه من قِبل الصندوق الوطني للاندماج؛ ولكن -مثل المؤسسات المماثلة الأخرى- سيعمل بشكلٍ مستقل عن الدولة. ولا يزال من غير الواضح كيف سيعمل هذا بالضبط. ويبدو أن الخطة الأصلية قد تم إعدادها من قِبل المستشار زيباستيان كورتس، عندما كان حزب الشعب الذي يرأسه في ائتلاف “توركيس بلاو” المحافظ مع حزب الحرية.

وزير الخارجية النمساوي سيباستيان كورز – أرشيف

وبعد الانتخابات الأخيرة، حلَّ حزب الخضر محل حزب الحرية. ومن المثير للاهتمام أن السياسي المنشق المنتمي إلى حزب الخضر سابقاً؛ بيتر بيلتس، كان منذ فترة طويلة أحد أكثر مَن يعادون الإسلاميين صراحة في السياسة النمساوية. لكن حزبه ككل قد يكون أكثر صعوبة في التعامل مع المسألة، على الرغم من حقيقة أنهم وافقوا على التزام صريح بشأن القضية في البرنامج الحكومي المشترك. وهناك نقاش نشط بشكل متزايد في النمسا الآن -كما هي الحال في معظم أنحاء أوروبا- ليس فقط حول الإسلاموية (الإسلام الحركي)؛ ولكن حول التطرف من جميع الأنواع.

اقرأ أيضاً: فرص مكافحة التطرف وتحدياته

من جانبٍ آخر، هناك قلق متزايد للغاية عبر مختلف أطياف المشهد السياسي بشأن التدخل القومي الديني في الشؤون المجتمعية من قِبل “رئاسة الشؤون الدينية التركية”. ولعل اشتباكات الشوارع الأخيرة في فيينا بين الأتراك والأكراد، والتي ربما تكون قومية بالكامل في الأصل؛ لكنها تقلق أولئك الذين يقدرون الاستقرار الاجتماعي.

ويبدو أن كورتس، الذي كان يتحدث بصراحة عن موضوع الإسلاموية، مصمم على المضي قدماً في العمل على هذه الجبهة على وجه التحديد. وقبل الانتخابات وعَد بأن حكومته ستتصرف لمواجهة هذا التحدي. وهو يفعِّل ذلك الآن. وإلى حدٍّ كبير، أعلن راب “نهايةً للنظر في الاتجاه الآخر”. وقد يدعي حزب الحرية بسذاجة أن ذلك كان من قبيل استعراضات حزب الشعب قبل الانتخابات المحلية في فيينا في أكتوبر. ولكن يبدو ذلك في الواقع وكأنه رسم خط في الرمال.

أحد المراكز الإسلامية في فيينا وأمامه تجمع من الدعاة- أرشيف

وربما من قبيل الصدفة، وفي أعقاب تقرير نقدي للغاية حول الموضوع من الجمعية الوطنية (البرلمان)، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي الجديد جان كاستيكس، مؤخراً، أن حكومته ستقدم تشريعاً بعد العطلة الصيفية يهدف إلى معالجة خطر “الانفصالية”؛ وهي رمز لمحاولات الإسلاميين إثارة الانقسام الاجتماعي. كما سيعمل ذلك التشريع كبوابات للجاليات المسلمة في فرنسا ويراقب مشاركتها السياسية.

اقرأ أيضاً: أوروبا بين مطرقة اليمين المتطرف وسندان الإرهاب الجهادي

كل هذا يعيدني إلى الأيام العنيفة لمراجعة الإخوان المسلمين التي توليت قيادتها عام 2014. وأوصيت حينها بأنه إذا كنا نعتقد أن التحديات السياسية والأمنية التي تفرضها الإسلاموية من جميع الأنواع في الداخل والخارج، تستحق المعالجة (وقد فعلت)؛ فإننا بحاجة إلى أن نكون جادين ومهنيين في الطريقة التي نفعّل بها ذلك. ولم يكن بالإمكان ترك هذه المهمة لغير ذوي التخصص أو مخادعي “أوكسبريدج” (في إشارة إلى أعرق جامعتين إنجليزيتين: أوكسفورد وكامبريدج).

 لقد كنا بحاجة إلى اكتساب وتغذية واستدامة خبرة أعمق من حيث الموضوع والمكان والطب الجنائي والجوانب المالية والقانونية واللغوية داخل الحكومة أكثر مما كان لدينا. وكنا بحاجة إلى توجيه تلك الخبرة نحو ابتكار استجابات سياسية فعالة لمجموعة من العناصر المرنة سريعة التغير والتكيف. وقد يتطلب هذا موارد والتزاماً طويل الأمد. وهو أيضاً بحاجة إلى دعمٍ سياسي رفيع المستوى.

أنجم شودري أحد أشهر الدعاة الراديكاليين في بريطانيا بعد إطلاق سراحه من السجن.. 2019- “أسوشييتد برس”

لكنَّ شيئاً لم يحدث. وبدلاً من ذلك، تعثرنا بالطريقة القديمة نفسها، بينما لا يزال المسؤولون يحددون اجتماعات منتظمة مع إسلاميين معروفين. إنهم يستمعون إلى أصوات صفارات الإنذار التي تطالب بفرض حظر على استخدام عبارة “الإسلاموية” أو “الإسلاميين”. وبعض الأشخاص الذين يجب أن تتشكل لديهم معرفة بشكل أفضل، يقترحون على الصحافة تخفيف تغطيتها للعنف الإسلامي؛ لتجنب إزعاج أي شخص.

اقرأ أيضاً: جون هورغان: برامج مكافحة التطرف الخالية من التقييم عديمة القيمة

ويمضي النواب في الثناء على المبادرات الشائنة “للتفاعل بين الأديان”. كما يلوِّح أعضاء المجالس المحلية بالفضيلة من خلال اعتماد تعريفات غير مثمرة ومدروسة بشكل سيئ عن رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا). وبينما يمارس محررو الصحف الرقابة على أنفسهم ذاتياً، لا تزال وزارة الخارجية، ووزارة الداخلية، ووزارة التعليم، ووزارة الإسكان والمجتمعات المحلية، والحكومة المحلية، والأجهزة الأمنية، تفشل في التحدث بشكل صحيح بعضها مع بعض. وقبل كل شيء لا توجد قبضة سياسية مركزية، وهذا مخيب للآمال.

إذن كيف لي أن أقول إن الإسلاموية، بعيداً عن كونها اختراعاً لـ”يمين الإسلاموفوبيا”، هي أمر له وجود في الواقع، ولديها مفردات عالية التخصص في اللغة العربية (منها؛ على سبيل المثال؛ “الإسلام السياسي”، و”التطرف الإسلامي”، و”التيار الإسلامي”، و”الإسلاميون”، و”التحرير الإسلامي”، و”الإسلام الجهادي”، و”الجهادية الحركية”، و”السرورية”، و”الإخوانية”.. وما إلى ذلك) التي هاجرت إلى اللغتَين التركية والفارسية، وغيرهما من اللغات التي يتم التحدث بها في الدول ذات الأغلبية المسلمة، ولا أفهم لماذا يجب أن نحرم أنفسنا من المتعة نفسها في اللغة الإنجليزية.

مسيرة لتنظيم “المهاجرين” الإسلامي المتطرف في ميدان ترافلجار- لندن.. 2002- “فرانس برس”

إنها أيديولوجيا حداثية واجتماعية ثورية تقوم على قراءات معينة غير متسقة للنصوص الإسلامية القديمة، وغالباً ما تكون حرفية. وهذا ليس “الإسلام”؛ حيث يعتقد الكثير من المسلمين -وربما معظمهم- أنه تشويه متزمت وفقير ونصي، وبلا بهجة لتقليد حضاري استثنائي، بينما يعتقد البعض الآخر بعمق أن هدف الدولة الإسلامية العالمية التي يخضع فيها غير المسلمين للشريعة، هو أمر مرغوب فيه ويمكن تحقيقه.

اقرأ أيضاً: الذئاب الرمادية.. المتطرفون الأتراك يزرعون الخوف في أوروبا

وليس من المخالفة الجنائية في بلد مثل المملكة المتحدة تبني هذه الآراء. والكثير من الإسلاميين راضون في الوقت الحالي بالعمل من خلال المؤسسات القائمة العلمانية في كثير من الأحيان. لكنّ الإسلاموية والإسلاميين كنقطة مبدئية يرفضون في نهاية المطاف النظام الديمقراطي الليبرالي الذي نشأ على مدى قرون في أوروبا وأماكن أخرى، والذي بناء عليه يتم ترميز تاريخ وهوية الدول القومية الغربية.

وفي بلد مثل ألمانيا التي يحدد الدستور المكتوب فيها قيمها الاجتماعية والسياسية الكامنة، فإن وكالة المخابرات المحلية -التي يطلق عليها “المكتب الاتحادي لحماية الدستور”- تعلن بشكل صريح وعلني في تقاريرها السنوية أنها تعرِّف الإسلاموية بأنها “فيرفاسونسفايندليخ”؛ أي “ضد الدستور”، والإسلاميين على أنهم “فيرفاسونسفاينده” أو “أعداء الدستور”.

شاهد: كيف أصبحت النمسا مركز عمليات الإخوان في أوروبا؟

والأمر نفسه ينطبق على النمسا وهولندا. وفي فرنسا، ينص الدستور على ما يلي: “فرنسا جمهورية غير قابلة للتجزئة وعلمانية وديمقراطية واجتماعية”. وهذا يوفر الأساس لأية حكومة ترى في الإسلاموية (أو أي شيء آخر) تهديداً للديمقراطية العلمانية، وتقرر -كما قد تفعل الحكومة الحالية- أن تفعل شيئاً حيالها.

وفي لندن، يعم الصمت. ومجدداً، يبدو الأمر وكأن شيئاً ما يحدث ولا نعلم ما هو، أو ماذا نفعل حياله. وبدلاً من ذلك، فإن التفكير الخلاق والنشاط السياسي يحدثان في أماكن أخرى، ويشار في هذه الحالة إلى فيينا (وربما في باريس في الوقت المناسب). وفي هذه الأثناء، نحن قلقون بشأن خطايا الماضي المزعومة -فبعضها لم يكن خطايا ومعظمها لا يمكننا علاجه- بينما نترك مخاطر الحاضر في مرمى البصر. لكن لم يفت الأوان للتعلم، ودرس اليوم هو “هل آن أن نهتم بما يكفي للاستماع والفهم والتصرف بناءً على ذلك؟”.

♦السفير البريطاني السابق

المصدر: موقع بوليسي إكستشينج

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة