الواجهة الرئيسيةترجمات

دراسة حديثة للبنك الدولي.. تحديات ومستقبل النفط والثروة في الخليج

كيوبوست – ترجمات

يجتاز سوق النفط في الوقت الحالي تغيُّرات جذرية لأسباب عدة؛ فقد أصبح بين أيدينا الآن من التقنيات الجديدة ما يمكننا من استخراج المزيد من النفط، سواء من الحقول القديمة أو الجديدة. وعلى الجانب الآخر، يتنامى مع الوقت ميل عالمي إلى الاستغناء عن الوقود الحيوي كمصدر أساسي للطاقة؛ نظرًا للمشكلات البيئية الناتجة عن استخدام هذا النوع من الوقود، وهو ما يعرِّض الدول المصدرة للنفط إلى تحديات كبيرة؛ منها تلك الدول المندرجة تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وهي مجموعة البلدان التي تحتل المركز الخامس في إنتاج النفط حول العالم.

شاهد: أعلى 10 دول من ناحية احتياطي النفط

ويبدو أن بلدان مجلس التعاون الخليجي على دراية كافية بضرورة الحد من اعتمادها على إيرادات النفط؛ حيث بدأت تستعد لذلك عبر مساعي إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل القومي والإيرادات المالية. ومع الأخذ في الحسبان التوقعات المتعلقة بانخفاض الطلب العالمي على النفط خلال العامَين القادمَين؛ فإن الإصلاحات المالية الإلزامية أصبحت أكبر وأكثر ضرورية، أي بشكل يفوق مما تتضمنه الخطط المعتمدة حاليًّا من حكومات الخليج.

وبالنظر إلى الموقف المالي الحالي لبلدان مجلس التعاون الخليجي؛ فإن إجمالي الثروة التي تتمتع بها تلك البلدان قد ينخفض بحلول عام 2034، ولكي نحول دون حدوث ذلك فإن الأمر يتطلب قدرًا كبيرًا من توحيد الجهود خلال الأعوام المقبلة. فمن الممكن أن تتخذ بلدان الخليج خيار التغيير البطيء عبر الأجيال المتعاقبة، وهو الأمر الذي سيخفف من مخاطر اتخاذ تدبيرات جذرية خلال مدة زمنية قصيرة؛ لكنه الحل الذي قد يتسبب في انخفاض معدل الثروة المتاحة للأجيال القادمة؛ فالموقف الذي نشهده الآن يتطلب إصلاحات مالية ضخمة وسريعة أكثر من أي وقتٍ مضى.

تغيُّرات عميقة في سوق النفط

هناك كثير من الدلالات التي تشير إلى حدوث تغيُّرات عميقة وطويلة الأمد في سوق النفط على مدى العقود الماضية، وهناك عديد من الأسباب التي دفعت إلى مثل هذا الأمر في الماضي، ومن المتوقع أن تحدث تأثيرات طويلة الأمد في المستقبل أيضًا، من بين تلك الأسباب ما يمكن أن نسميه بتقلبات السوق العالمية، ذلك جنبًا إلى جنب مع تزايد ميل الشركات الكبرى للتوسع الهائل خارج بلدان نشأتها، ولا ننسى التطورات التكنولوجية الضخمة والاهتمام المتزايد بقضايا البيئة، وهي الأمور التي تسببت في تحولَين جذريَّين في سوق النفط العالمية:

تغييرات حذرية متوقعة في سوق النفط أرشيف

أولهما؛ الابتكارات الجديدة التي أنتجت شكلًا جديدًا من تقنيات استخراج النفط، يُعرف بصناعة النفط الصخري، وهي الصناعة التي أعادت تشكيل المشهد العالمي لسوق النفط، وخلال أعوام معدودة تمكنت الولايات المتحدة من أن تصبح ثاني أرخص مصدر للنفط حول العالم، كما تضاعف إنتاجها لتتحول إلى أكبر منتج للنفط، وقاربت أن تحقق نسبة صادرات تفوق معدل استهلاكها.. كل ذلك بفضل التقنية الجديدة، والتي يُتوقَّع للولايات المتحدة بفضلها أن تواصل النمو في إنتاج النفط خلال العِقد المقبل؛ الأمر الذي قد يحفز بعض الدول على تتبع خطاها، كالصين على سبيل المثال، وذلك طبقًا لتقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

اقرأ أيضًا: مَن يحسم المنافسة بين “أرامكو” وعمالقة النفط الغربيين؟

ويعود الميل العالمي إلى الاستعاضة عن النفط بمصادر الطاقة الأخرى لعدة أسباب؛ منها ارتفاع أسعار النفط، فضلًا عن تعقد القوانين وتزايد الاهتمام المجتمعي حول العالم بقضية التغيرات المناخية؛ وهو ما دفع كثيرًا من البلدان لبذل جهود هائلة تهدف إلى الحد من استهلاك النفط، ساعدها على ذلك تطور التقنيات الحديثة التي يمكنها أن تعمل كبديل للوقود الحيوي. وعلى الرغم من نجاح كثير من تلك الجهود في مساعيها؛ فإن تأثيرها لم يكن ملحوظًا، بفضل النمو الاقتصادي العالمي وتزايد أعداد السكان؛ لكن هذا الأمر لا ينفي إمكانية ظهور تأثيرات تلك الجهود بشكل أكبر وأسرع من ذي قبل، وهو الأمر الذي يمكن توقعه مع تطور التكنولوجيا ووضع المزيد من المحاذير والقوانين التي تقيد استخدام النفط في المستقبل.

وعلى ما يبدو، سيكون مستقبل الغاز الطبيعي أفضل حالًا؛ فالانخفاض الملحوظ في معدل الطلب على النفط لم يحدث مع الغاز الطبيعي. وعلى الرغم من أن معدل استهلاك الغاز شهد شكلًا من أشكال الانخفاض بين عامَي 1992 و2016؛ فإن ذلك كان يتم بشكلٍ تدريجي مقارنة بالسقطات المفاجئة التي كانت تضرب سوق النفط، ولعل الأسباب التي تكمن خلف ذلك تتلخص في بعض السمات التي يمتاز بها الغاز الطبيعي عن نظائره من منتجات الوقود الحيوي الأخرى.

اقرأ أيضًا: العالم أمام تحول الطاقة: هل بات تهديد تغير المناخ تحت السيطرة؟

ويمتاز الغاز الطبيعي باحتوائه على عدد ذرات كربون أقل؛ مما يجعله بديلًا نظيفًا بشكل مقبول للفحم والنفط، أي أقل ضررًا على البيئة. ولنأخذ في الحسبان انخفاض تكلفة استخراجه؛ نظرًا لسهولة الوصول إليه وانخفاض تكلفة تحويله، بينما يتسم الغاز الطبيعي المسال بتلك المميزات على نحو خاص. ونظرًا لأن استخراج الغاز الطبيعي سيكون أقل تكلفة بما لا يقارن بتقنيات إنتاج الطاقة المتجددة، فإنه يصبح الحل الأمثل في كثير من الأحيان، وبالنظر إلى تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2019، فإن نصيب الفرد من نمو إنتاج الغاز الطبيعي يبدو مستقرًّا مقارنةً بالنفط؛ وهو الأمر الذي يخضع لتأثير حجم الدولة أكثر مما يخضع لمعدل النمو السكاني.

ماذا يعني ذلك لدول مجلس التعاون الخليجي؟

بتأمل مراحل التطور التي مرت بها الثروات الحكومية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، يمكننا أن نخرج ببعض النتائج؛ فقد شهدت الفترة بين عامَي 1994 و2014 انخفاضًا ملحوظًا في أسعار النفط، ويمكن تقسيم تلك الفترة إلى مرحلتَين، أولاهما ما بين عامَي 1997 و2007، وهو العقد الذي شهد ارتفاعًا في أسعار وإيرادات النفط؛ ما نتج عنه تزايد مستمر في المدخرات الحكومية، وهو الشيء الذي صاحب زيادة معدلات الإنفاق؛ تلك التي تحولت بدورها إلى تراكم في البنية التحتية لرأس المال والاستثمارات المالية، أي أن تلك الفترة شهدت تراكمًا عامًّا في الثروة؛ حيث نجحت حكومات بلدان الخليج خلالها في ادخار نسبة معقولة من الإيرادات؛ وهي النسبة التي تضاعفت بالوصول إلى عام 2007 إلى نحو 40% من إجمالي الإيرادات الحكومية.

بناءً على ما سبق، شهد العقد التالي (2008- 2014) تسارعًا متصلًا في معدلات الإنفاق، ومنذ حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية أظهرت أسعار وإيرادات النفط بعض الانخفاض، وذلك في خضم حالة مضطربة من تقلُّب الأسواق؛ حيث شهدت تلك الفترة فضلًا عن ذلك حدثَين في غاية الأهمية، أولهما اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، وتلَت ذلك أزمة أسعار النفط في عام 2014. وعلى الرغم من كل تلك التقلبات؛ فإن دول مجلس الخليج العربي استمرت في رفع معدلات الإنفاق، تلك التي تزايدت من 20% إلى 30% من إجمالي الدخل القومي، وكانت النتيجة الطبيعية لهذا تناقص معدلات الادخار وتراكم الثروة، حيث أصبح النمو البطيء للثروات هو السمة الغالبة على بلدان مجلس التعاون الخليجي في تلك الفترة.

دول العالم تتجه للبحث عن مصادر آخرى للطاقة

ولم تكن أزمة أسعار النفط التي ضربت كثيرًا من البلدان المصدرة للنفط مجرد أزمة عادية، فقد نتج عنها عجزٌ مالي ضخم، وأصبحت من ساعتها مسألة الإصلاح الاقتصادي أمرًا ضروريًّا لا يقبل التجاهل؛ ما دفع القيادات السياسة في تلك البلدان إلى تطوير رؤى مستقبلية حول بعض الأمور، على رأسها السعي لتحقيق تنوع اقتصادي وتطوير القطاع الخاص، ومنذ تلك اللحظة انخرطت الحكومات في عمل إصلاحات هيكلية ومالية واسعة النطاق.

اقرأ أيضًا: الإمارات على طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز

ودفعت تلك الأزمة إلى إعادة تقييم السياسات المالية كافة؛ حيث بدأ معظم بلدان مجلس التعاون الخليجي في تحسين طرق التحكم في المال العام، كما عززت جهودها على أمل تحسين موقفها المالي، ولكي تحقق آمالها المنشودة كان عليها أن تهم بعمل إصلاحات سريعة؛ منها تجميد وتجفيف بعض قنوات الإنفاق جنبًا إلى جنب مع بعض الإصلاحات الجذرية كالتوقف عن توفير الدعم لكلٍّ من المياه والطاقة، فضلًا عن فرض المزيد من الضرائب والرسوم؛ منها رسوم الدفع وضرائب القيمة المضافة، وهو ما حدث في البحرين والسعودية والإمارات، وينتَظر حدوثه في بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي.

وقد وَلَّد تزايد معدلات الإنفاق على مدى عقد من الزمان إرثًا من الصعب تخطيه، وهو الأمر الذي يتطلب المزيد من الجهد والوقت. وعلى الرغم من أن بلدان الخليج قد نجحت بالفعل في إرساء حالة من ضبط الأوضاع المالية منذ ذلك التاريخ؛ فإن الأمر لم ينجح بعد بشكل كامل في سد الثغرات الناتجة عن انخفاض إيرادات النفط. وخلال الفترة بين عامَي 2014 و2018، حاولت بلدان الخليج تعويض العجز المالي من خلال الاقتراض من بنوكها المركزية مع ارتفاع معدلات السحب من أصول ثرواتها السيادية المالية، والنتيجة الطبيعية كانت حالة من التوقف لتراكم الثروة الرسمية في بلدان المجلس كافة، وصاحب ذلك انخفاض في الثروات العامة خلال تلك الفترة. وبالنسبة إلى النقطة الأخيرة بالذات، فقد اختلفت بلدان مجلس التعاون الخليجي من حيث أحجام ثرواتها؛ ففي حين أظهرت البحرين وعمان نوعًا من التناقص، شهدت بلدان مثل السعودية والإمارات ارتفاعًا طفيفًا بعد أن اجتازت مرحلة من التناقص الشديد.

ما التحديات التي تواجهها دول الخليج؟

سوف تضع التحولات طويلة الأمد التي تشهدها سوق النفط العالمية مزيدًا من التحديات؛ فمن المتوقع أن يتخذ الطلب العالمي على منتجات النفط الهيدروكربونية منحنى حادًّا؛ أي الارتفاع المفاجئ الذي يليه انخفاض مباغت، ولن يعطل التأثير السلبي لتلك التحولات المفاجئة إلا احتمالية أن تحوز بلدان الخليج على حصة أكبر من مبيعات النفط الهيدروكربونية، وذلك على حساب البلدان الأخرى التي تصدِّر المنتجات ذاتها بأسعار أعلى؛ لذلك يمكننا أن نتوقع انخفاضًا في مبيعات تلك المنتجات، لكنه سيكون انخفاضًا تدريجيًّا على كل حال.

فرضت الإمارات ضرائب على الوقود ضمن الإصلاحات الاقتصادية

وهنالك نقطة أخرى في غاية الأهمية، وهي الارتفاع المتواصل للطلب العالمي على الغاز الطبيعي. لدينا بلدان، مثل قطر وعمان، التي يمثل مخزون الغاز الطبيعي فيها نسبة عالية من مخزون المواد النفطية الهيدروكربونية، فهو يحتل 75% و25% من المخزون الإجمالي في كلا البلدَين (قطر وعمان) على الترتيب، وبالنسبة إلى بلدان أخرى كالسعودية؛ فهي تمتلك مخزونًا هائلًا من الغاز الطبيعي يؤهلها لتعويض انخفاض الطلب على منتجات النفط الأخرى، ولو بشكلٍ جزئي.

اقرأ أيضًا: الغاز الطبيعي القطري مرتبط بالأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية بين آسيا ودول الخليج

ولدينا تنبؤات عالمية من الممكن اتخاذها كمرجع أو مقياس بينما نفكر في المستقبل، على سبيل المثال يمكننا تأمل الطريقة التي ستنخفض بها الإيرادات المالية في بلدان الخليج تدريجيًّا على خلفية أحد التنبؤات، وهو انخفاض إيرادات مبيعات المواد النفطية الهيدروكربونية بحلول عام 2048؛ حيث يتوقع أن تنخفض نسبتها سنويًّا بنحو 3% من الدخل القومي الإجمالي، وهو ما يعني بالطبع ارتفاع الإيرادات القادمة من مصادر أخرى على حسابها بالنسبة نفسها، وبالتركيز على ذلك التنبؤ سنجد أن الإيرادات النفطية ستواصل الانخفاض التدريجي وصولًا إلى تقلصها بنحو 23% قياسًا على الأرقام الحالية، لكن ذلك الطريق المنحدر قد يصبح أكثر حدةً إذا توفر ما يكفي من سوء الحظ كأن تحدث السيناريوهات المعاكسة على نحو أسرع مما نتوقع، ومنها تحسن تقنيات إنتاج الطاقة المتجددة أو تعاظم سياسات حماية البيئة.

اقتصاديات الخليج ستتأثر سلباً بنضوب النفط

من الممكن كذلك أن تتحقق السيناريوهات الأسوأ، وهي نفاد الثروات غير القائمة على النفط في خلال عقد آخر من الزمن، وعلينا أن نضع هذا السيناريو جنبًا إلى جنب مع الاحتمالية التي سبق أن تحدثنا عنها، وهي التطور السريع لتقنيات الطاقة المتجددة مع فرض المزيد من الضرائب على استهلاك الوقود الكربوني؛ لكن بلدان مجلس التعاون الخليجي لن تظهر تأثيرات متساوية في حالة حدوث تلك التخيلات الكارثية، فدولة مثل الكويت بإمكانها أن تحافظ على نمو إجمالي ثرواتها المالية بشكل إيجابي حتى عام 2052، وذلك نظرًا لما تمتلكه الآن من مصادر تمويل سيادية أكبر، وهو الأمر الذي قد لا تنجح فيه دول أخرى كالبحرين وعمان.

إن التحدي الأكبر يكمن في التحكم في عملية التحول الاقتصادي، وما تطرقت إليه هذه الورقة البحثية حول مستقبل النفط ينطوي بالضرورة على بعض النتائج الخطيرة؛ على رأسها التداعيات الاقتصادية التي سيتحملها المجتمع، بما في ذلك ما قد يتعلق بفرص العمل المتاحة والدخل الأسري، فضلًا عن المصداقية والثقة المتبادلة بين رجال الأعمال والمستثمرين من جانب والحكومات على الجانب الآخر، وهو ما قد يتأثر بالتحولات الاقتصادية السريعة. على كلٍّ، يحتاج الأمر إلى المزيد من العمل على الأقل لفهم التداعيات التي سينتجها التحول الاقتصادي، وهو ما لابد أن ينتج عنه تصميم استراتيجيات هدفها التخفيف من تلك التداعيات، كما لا يمكن أن ننسى الإشارة إلى ضرورة خلق إجماع مجتمعي على خطة التحول المنشودة.

تحقيق الاستدامة للثروات المالية

ومن المتوقع أن تحقق جهود الإصلاح الدائرة على قدمٍ وساق في بلدان الخليج دفعةً إلى الأمام خلال الأعوام الخمسة المقبلة؛ لكن الأمر يحتاج إلى المزيد من السرعة. وفي الوقت الذي يتوقع فيه خبراء صندوق النقد الدولي أن تواصل تلك البلدان ضبط الأوضاع المالية العامة، يبدو أن الوضع المالي سيتخذ مسارًا تدريجيًّا من حيث التغيرات التي ستحيق به، ولذلك من الممكن أن يؤثر انخفاض الطلب العالمي على النفط في انخفاض ثروات تلك البلدان، وذلك إذا لم يتم ضبط الأوضاع المالية بشكلٍ يسبق تغيرات السوق، ومما لاشك فيه أن الدول التي تمتلك حجم مدخرات أكبر كالكويت والإمارات وقطر، ستتمكن من احتمال خطورة الإصلاح التدريجي بشكل أكبر بالمقارنة مع البلدان الأخرى التي تحتاج إلى الإسراع وبشكل عاجل في عمليات الإصلاح قبل أن يفاجئها المستقبل بتقلُّص حاد في ثرواتها.

ولعل التعجيل بعمليات الإصلاح قد يتعارض مع استدامة الإصلاحات المنشودة، ولكي يتم تجنب ذلك علينا أن نوسع من نطاق الإصلاحات المالية بشكل كبير، ويتطلب ذلك الأمر رؤية اقتصادية خاصة بكل دولة على حدة، وذلك لضبط الأوضاع المالية وتحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات. وبناءً عليه، علينا الاهتمام بثلاثة أمور عند التفكير في تلك المقاربة؛ هي:

  • ربما لا تنجح محاولات تنويع مصادر الدخل القومي وحدها في تخطي التحديات المالية؛ فالاستعاضة عن الاقتصاد القائم على النفط باقتصادات أخرى بديلة لا يكون مجديًا تمامًا إلا في حال تساوي الإيرادات الناتجة عن كليهما، ناهيك بأن الاقتصاد الخليجي غير النفطي ما زال صغيرًا مقارنةً بنظيره النفطي؛ لكن هذه الأمور كانت قد بدأت في التغيُّر بعد اتباع بعض التدبيرات، منها فرض ضرائب القيمة المضافة ورسوم الدفع في بعض البلدان، وهو النجاح الذي لا مفر من البناء عليه.
  • على حكومات بلدان الخليج أن تقلص من حجم الإنفاق؛ لعل مضاعفة الإيرادات غير النفطية هو الحل القطعي. فإذا كان الاقتصاد النفطي سينخفض بمعدل 3% سنويًّا، فإننا سنحتاج إلى رفع معدلات الضرائب على الاقتصادات الأخرى لتبلغ نحو 50% من الدخل؛ لتعويض النقص الناجم عن إيرادات النفط، لذلك سيبدو رفع معدلات الضرائب هو الحل الوحيد في تلك الحالة؛ لكنه سيكون رقمًا كبيرًا للغاية، وفضلًا عن كونه سيضع بلدان الخليج على قدم المساواة مع أقسى النظم الضريبية في العالم، فهو حل لا يمكن اللجوء إليه الآن كونه سيدمر عملية النمو الاقتصادي بالكامل.
  • وبالنظر إلى الإنجازات التي تحققت على أرض الواقع، سنجد أن دول مجلس التعاون قد نجحت في تحقيق بعض الأمور؛ منها خفض الدعم على الطاقة والمياه، لكن تلك الإجراءات لم تعد تكفي وحدها لتخطي الأزمة، فمن الضروري ترشيد الإنفاق في بعض المجالات؛ مثل إصلاح الجهاز الإداري الضخم الذي يستنزف كثيرًا من الموارد، فضلًا عن خفض أجور العمل التي تتخطى المعايير العالمية لمتوسط دخل الفرد، أضف إلى ذلك ضرورة تعزيز التمويل العام. وباتباع تلك الطرق قد نتمكن من إصلاح التشوهات القائمة في سوق العمل الخليجية، فضلًا عن إتاحة الفرصة للقطاع الخاص لكي ينمو.

اقرأ أيضًا: قطر تخسر موقعها ضمن أكبر مصدري الغاز الطبيعي

إذن على البلدان المصدرة للنفط أن تتأهب لمرحلة ما بعد النفط الآن قبل أي وقت آخر، ونظرًا للتطور المستمر في تقنيات الطاقة المتجددة وتزايد الاهتمام بقضية التغيرات المناخية؛ فإن الطلب العالمي على النفط أصبح ينمو بشكل أبطأ من ذي قبل، وهو الأمر الذي سيتحول إلى انخفاض تدريجي خلال العقدَين القادمَين، وإذا صدقت تلك التوقعات؛ فإن الاقتصادات القائمة على النفط ستشهد تحولات شرسة، منها بلدان مجلس التعاون الخليجي.

المصدر: موقع البنك الدولي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة