الواجهة الرئيسيةترجماتتكنولوجياشؤون دولية

دراسة حديثة: كيف تشكل القدرات السيبرانية موازين القوى محلياً ودولياً؟ (3)

كيوبوست- ترجمات

في فبراير 2019، أعلن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية عزمه على تطوير منهجية لتقييم القدرات السيبرانية للدول وكيفية مساهمتها في القوة الوطنية. وقد تم تحديد تلك المنهجية، واستخدامها لتقييم 15 بلداً، ومن ثمَّ استنباط النتائج الشاملة. ويهدف هذا التقرير إلى المساعدة في صنع القرار من خلال الإشارة إلى القدرات السيبرانية التي تحدث أكبر فرق في القوة الوطنية وبالتالي العالمية للدول.

وباستخدام المنهجية في تصنيف البلدان الـ15 حسب القدرة السيبرانية، تم تحديد 3 مستويات رئيسة، على أن يكون المستوى الأول من حيث نقاط القوة الرائدة عالمياً في جميع الفئات، والمستوى الثاني من حيث نقاط القوة الرائدة عالمياً في بعض الفئات. أما المستوى الثالث فيركز على نقاط القوة المحتملة في بعض الفئات مع نقاط ضعف كبيرة في فئات أخرى.

المستوى الثالث:

  • اليابان

تحتل التقنيات الرقمية والسيبرانية موقع الصدارة في اقتصاد اليابان ومجتمعها، ويشير مستوى الترابط الرقمي عموماً إلى احتمالية أن تكون الهجمات السيبرانية المستمرة فادحة الخطورة على بنية البلاد التحتية؛ لا سيما أن المرونة السيبرانية الوطنية لا تزال في مرحلة التطوير.

وبدأت الرحلة السيبرانية العسكرية في اليابان تأخذ منحًى جدياً عام 2012 مع وضع خطة بإنشاء وحدة دفاع سيبراني قوامها 100 جندي، مع أن القوات المسلحة اليابانية كانت قد نفذت أنشطة ذات أبعاد سيبرانية مختلفة على أرض الواقع سابقاً. ولعل أهم وثيقة ذات صلة هي مبادئ برنامج الدفاع الوطني التوجيهية لعام 2019؛ حيث شددت على ضرورة إتاحة قابلية التشغيل المشترك داخل قوات الدفاع الذاتي اليابانية لإنشاء قوة متعددة التخصصات يمكنها دمج نفسها بسلاسة في أية بنية دفاع أمريكية في شرق آسيا.

يشير مستوى الترابط الرقمي بين مؤسسات الدولة في اليابان إلى احتمالية أن تكون الهجمات السيبرانية المستمرة فادحة الخطورة على بنية البلاد التحتية.. والصورة لمهندسي تشغيل المفاعل النووي- “بلومبيرغ”

كما دشنتِ الحكومة اليابانية عام 2014 عملية ترشيد وتحسين هيكل القيادة والسيطرة المدنية المعنية بتنسق الأنشطة السيبرانية على المستوى الوطني، وهي تماثل الآن ما لدى الدول المتحالفة؛ مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، رغم أن التنسيق في ما بين القطاعَين العام والخاص في اليابان لا يزال ضعيفاً نسبياً.

وأدت أسباب سياسية متنوعة تتضمن الترتيبات الدستورية التي كانت موضع التنفيذ بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن تكون مؤسسات اليابان الاستخباراتية صغيرة وتعاني نقص التمويل مقارنةً بنظيراتها في الدول الأخرى المماثلة في المكانة؛ حيث تحد المادة 21 من دستور اليابان مثلاً من مدى قدرة الحكومة على جمع استخبارات الإشارات، وبالتالي إجراء استطلاع سيبراني.

اقرأ أيضاً: اليابان تقودالقوى الوسطىفي رسم مستقبل آسيا

ورغم ذلك؛ فإن اليابان لا تزال من البلدان الرائدة على مستوى العالم في مجال تقنيات الفضاء السيبراني، حيث خلصت دراسة أجراها صندوق النقد الدولي عام 2019 إلى أن اقتصاد البلاد الرقمي يشكل 49% من إجمالي الناتج المحلي. وبينما امتلكت الولايات المتحدة 16 شركة من أصل 51 شركة اتصالات أو تكنولوجيا في ترتيب “فورتشن غلوبال” لعام 2020، احتلت اليابان المرتبة الثانية بعدد 10 شركات.

أثار وزير الأمن السيبراني الياباني يوشيتاكا ساكورادا الجدل حين صرح للإعلام بأنه لا يجيد استخدام الكمبيوتر- “فرانس برس”

وبصفتها دولة بارزة في إنتاج الروبوتات الصناعية ورائدة عالمياً في تطوير البنية التحتية الرقمية، يحتل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مكانة قوية في الاقتصاد الياباني الذي يتزايد اعتماده عليه أكثر فأكثر. وتعتبر اليابان منافساً قوياً في مجال الذكاء الاصطناعي؛ فقد جاءت في المركز التاسع، حسب دراسة صنفت أفضل 50 دولة على أساس إسهاماتها في أشهر مؤتمرَين للذكاء الاصطناعي عام 2020.

وعلى الصعيد العالمي، شاركت اليابان في 5 دورات لفريق الخبراء الحكوميين التابع للأمم المتحدة؛ حيث تعمل على تعزيز سيادة القانون وبناء الثقة في الفضاء السيبراني في إطار المنظمة. كما تنخرط طوكيو في محادثات مع منظمات إقليمية؛ مثل اجتماع سياسة أمن المعلومات بين رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) واليابان، وحوار الآسيان واليابان حول الجرائم السيبرانية.

  • إيران

يرتبط نهج إيران في ما يخص الفضاء السيبراني أساساً بسياساتها المحلية الاستبدادية ومنازعاتها الدولية. وقد بدأ تمهيد الطريق للسياسة الداخلية الحالية عام 2009، عندما استولى الحرس الثوري الإسلامي على شركة اتصالات إيران بعد احتجاجات واسعة النطاق أججتها وسائل التواصل الاجتماعي ضد النظام.

اقرأ أيضاً: إيران متهمة باستهداف الأمن السيبراني للإمارات

ولم تنشر إيران أية وثائق أو مبادئ استراتيجية رسمية في معظم المجالات المتعلقة بأمن الفضاء السيبراني. وقد بدأت عام 2009 أنشطة الجيش السيبراني الإيراني؛ وهو مجموعة قراصنة إلكترونيين موالين للنظام يُفترض أن لهم صلات بالحرس الثوري ويتعهدون بالولاء للمرشد الأعلى، آية الله خامنئي، كنتيجة مباشرة لمخاوف القوى المحافظة في إيران من معارضة الحكومة والدعاية الإلكترونية الموالية للغرب. كما لا تزال إيران منشغلة على الصعيد الدولي بالولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربية.

صورة بالأقمار الصناعية لمنشأة نظنز النووية الإيرانية التي تعرضت إلى هجوم إلكتروني أدى إلى وقف التشغيل- “فرانس برس”

وقد شعر النظام الإيراني أنه وضع سياسته المتعلقة بأمن الفضاء السيبراني في نصابها بعد تنفيذ هجمات سيبرانية ناجحة ضد بنوك أمريكية عام 2012 دون رد انتقامي ملحوظ. وأعلن لواء في الحرس الثوري الإيراني عام 2013 أن إيران كانت “رابع أكبر قوة بين جيوش العالم السيبرانية”، وهو ادعاء يستند إلى تقارير لم يتم التحقق من صحتها تفيد أن الحكومة يمكنها الاعتماد على قوات ميليشيا سيبرانية قوامها 120,000 متخصص، وهو أمر مبالغ فيه على ما يبدو.

ونتيجة ميلها إلى لعب دور الضحية عند مواجهة المنازعات والعقوبات الدولية، وضرورة إلحاق الهزيمة بأعداء النظام المحليين والأجانب، تطورت حوكمة السياسة السيبرانية في إيران على مدى عقدَين من الاضطرابات السياسية، كانت فيهما البلاد متورطة في حروب بالوكالة في العراق وسوريا واليمن، وكان يسود توتر عسكري دائم مع القوات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

اقرأ أيضاً: رسائل إسرائيلية خلف استهداف منشأةنطنزالنووية الإيرانية

ومن المحتمل أن تتأثر قدرات الاستخبارات السيبرانية في البلاد بالازدواجية والتنافس القائمَين بين مؤسستَي الاستخبارات الرئيستَين: مخابرات حرس الثورة الإسلامية ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني، وربما تكون الأولى أقوى وكالة أمنية في إيران، وهي تلعب دوراً شبه مؤكد في العمليات السيبرانية الخارجية والمحلية، وفي وضع السياسات.

ولا تزال إيران عاجزةً عن التفوق على إسرائيل من حيث مدى الاستخبارات الإقليمية، ولعل “دودة ستوكس نت” الخبيثة، مجرد مثال مبكر. وعلى الرغم من رصد عمليات سيبرانية إيرانية في شبكات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأماكن أخرى؛ فإن طبيعة تلك العمليات القائمة على التكهن وغير المتطورة تشير إلى عجز إيران عن بلوغ أي مدى استخباراتي سيبراني عالمي ذي جدوى. ولم تتضح بعد احتمالية أن تحقق القدرات الإيرانية، في أعقاب الصراع السوري، منفعة من التعاون الوثيق مع روسيا.

صورة لشعار جيش إيران السيبراني على “تويتر” بعد اختراقه- موقع “إيران برايمر”

وكان أول ما استخدمت فيه إيران قدراتها السيبرانية التخريبية ضد أهداف أجنبية، بعد اكتشاف فيروس “ستوكس نت” في أجهزة الطرد المركزي النووية عام 2010، هو سلسلة من هجمات بسيطة تؤدي إلى تعطيل تقديم الخدمة شنته ضد بنوك الولايات المتحدة عام 2012. كما نفذت لاحقاً هجوماً أكثر جرأة على شركةأرامكوالسعودية باستخدام فيروس ماسح للبيانات تسبب في تعطيل 30,000 جهاز كمبيوتر.

شاهد: فيديوغراف.. تفاصيل مثيرة عن تورط إيران في الهجمات على منشآتأرامكو

وقد وزعت إيران قدراتها السيبرانية الهجومية ضد مجموعة من الأهداف في أنحاء العالم. وتتمثل خبرتها التراكمية الآن في وصول النضج التشغيلي إلى مستوى عالٍ نسبياً، في ظل احتضان النظام العمليات السيبرانية التي يُرسخ لأنها أداة مفيدة في يد القوة الوطنية. ومما يثير الدهشة أن القدرات السيبرانية مكَّنت إيران من اللحاق بالولايات المتحدة وإحداث تأثير باستخدام قدراتها التقليدية.

  • كوريا الشمالية

وفقاً للمصادر، ينظر الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، إلى القوة السيبرانية بوصفها عنصراً محورياً في المنافسة السياسية والعسكرية الحديثة. كما ورد أنه قال قبل عام 2013 إن “الحرب السيبرانية سيف متكامل الأغراض يضمن قدرة الضرب القاسية للجيش الشعبي الكوري الشمالي، إلى جانب الأسلحة النووية والصواريخ”. ويجب الاستدلال على استراتيجية كوريا الشمالية ومبادئها مما هو معروف عن تاريخ البلاد من هجمات سيبرانية؛ حيث يُرجع بعض المحللين اتساقهما بدرجة معقولة إلى عملياتها السيبرانية.

اقرأ أيضاً: ميزان القوى العسكرية بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية

فقد أشارت وزارة الدفاع الأمريكية إلى قدرة كوريا الشمالية على استغلال ميزة عدم التكافؤ التي يوفرها المجال السيبراني كجزء من “استراتيجية الدبلوماسية القسرية”. بينما سعت كوريا الشمالية في أعقاب العقوبات الاقتصادية التي فُرضت عام 2013، إلى إيجاد سبل لتمويل أنشطتها السيبرانية. واكتشف الخبراء، منذ عام 2014 فصاعداً، سلسلة من مخططات ابتزاز وهجمات معقدة على مؤسسات مالية وتجار العملة الإلكترونية المشفرة ونسبوها إلى كوريا الشمالية.

راقب العاملون في وكالة الإنترنت والأمن الكورية الهجمات الإلكترونية التي ألقى باللوم فيها على كوريا الشمالية- “فرانس برس”

وتُنفذ عمليات كوريا الشمالية السيبرانية على يد القوات المسلحة ووكالات الاستخبارات تحت إشراف حزب العمال الكوري. ويمكن أن يمارس كيم جونغ أون، بصفته زعيم حزب العمال الكوري ورئيس لجنة الدفاع الوطني، سيطرة مباشرة على مثل هذه العمليات. بينما يُحتمل أن يؤدي هذا الاتصال المباشر بين القيادة والوحدات السيبرانية إلى تزايد تبعات الفشل على الموظفين المتورطين.

وفي ظلِّ ضبابية المشهد حول قدرات كوريا الشمالية الأساسية في الاستخبارات السيبرانية، فمن الأسلم افتراض أن لديها أولويتَين رئيستَين؛ هما: استمرارية نظام الحكم والإنذار المبكر ضد الهجمات العسكرية الكورية الجنوبية والأمريكية على يد قواتهما المتمركزة في شبه الجزيرة الكورية أو بالقرب منها. وتُستخدم عمليات الاستخبارات أيضاً للاستيلاء على الأموال من النظام المالي العالمي؛ للمساعدة في التخفيف من آثار العقوبات الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: التجربة الكورية مع واشنطن: هل تجبر طهران على الرضوخ أم مواصلة العناد؟

وفي ما يُحتمل أن يكون أغلب القراصنة الإلكترونيين الكوريين متورطين في الجاسوسية، يُقدر عدد مواطني كوريا الشمالية الذين تلقوا تعليماً رسمياً في مجال التقنيات السيبرانية والمؤهلين للتجنيد في وحدات الاستخبارات السيبرانية بأنه منخفض جداً؛ حيث يتخرج سنوياً نحو 100 طالب فقط من الدورات التدريبية ذات الصلة، والتي تنظمها الجامعة العسكرية الرئيسة.

يمارس كيم جونغ أون بصفته زعيم حزب العمال ورئيس لجنة الدفاع الوطني سيطرة مباشرة على العمليات السيبرانية- “كوريا تايمز”

من جانب آخر، تمتلك كوريا الشمالية قدرات ملحوظة في تطوير البرمجيات؛ حيث سعت إلى محاكاة الهند في احتلال مركز إنتاجي تستعين به الدول المجاورة (الصين وكوريا الجنوبية) من الباطن. كما تقدم شركات التكنولوجيا التابعة لها، التي تعمل غالباً خلف شركات صورية، مجموعة واسعة من الامتيازات للعملاء الدوليين؛ بما في ذلك تطوير المواقع والتطبيقات، وبرمجيات الأعمال، والشبكات الخاصة الافتراضية.

  • الهند

يمكن العثور على الخطوط الأساسية لنهج الهند الحالي في ما يتعلق بالأمن السيبراني في الخطب الوزارية واللوائح أو التشريعات الحكومية، وليس في وثائق السياسات. ومع ذلك، أصدرت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أول سياسة وطنية للأمن السيبراني في البلاد؛ وهي وثيقة قصيرة تؤكد الحاجة إلى حماية الحكومة والشركات والمواطنين من الهجمات السيبرانية عام 2013.

اقرأ أيضاً: الاشتباك العسكري على الحدود الهنديةالصينية يشير إلى تصاعد التوتر الجيوسياسي

ولا يزال تفكير الهند بشأن السياسة السيبرانية للقطاع المدني في تطور مستمر. وكان المسؤولون الحكوميون قد خططوا لإصدار استراتيجية وطنية جديدة للأمن السيبراني عام 2020؛ بهدف معالجة التطورات في مجال تكنولوجيا الجيل الخامس، وإنترنت الأشياء. ويبدو أن هذه الجهود قد توقفت؛ لكن الحكومة تعمل بنشاط على إعادة صياغة كل مجالات سياسة الأمن السيبراني، بما في ذلك التعليم والمهارات وضوابط الاستيراد والأمن القومي.

وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الهندي يعلن عن أول سياسة وطنية للأمن السيبراني في نيودلهي 2013- “إنديان تيك أونلاين”

أما بالنسبة إلى النهج الذي اتبعته القوات المسلحة الهندية؛ فقد أصدرت علناً عام 2017 عقيدة مشتركة منحت فيها الفضاء السيبراني دوراً بارزاً، على الرغم من إدراجه تحت عنوان “حرب المعلومات”؛ حيث تتشكل أولويات الهند الاستخباراتية بشكل عميق عبر التهديدات الإرهابية الداخلية والخارجية، والعنف السياسي الداخلي، والصراع الدائر مع باكستان حول كشمير.

ويلعب الاستثمار الأجنبي دوراً كبيراً في الاقتصاد الرقمي للهند؛ حيث تقدم الدولة خدمات تكنولوجيا المعلومات الخارجية في مختلف أنحاء العالم، وتعمل كمركز إنتاج رئيس للعلامات التجارية العالمية؛ مثل أجهزة كمبيوتر ديل. وفي الفترة من عام 2014 إلى 2020، بلغ إجمالي استثمارات الولايات المتحدة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الهند 30 مليار دولار أمريكي، في حين بلغت الاستثمارات اليابانية 12 مليار دولار أمريكي.

شاهد: فيديوغراف.. ثالوث غير مقدس يعمل على إضعاف الهند

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، احتلت قدرات الهند البحثية مرتبة عالية في التصنيف العالمي؛ حيث حصلت على المركزَين 9 و13 في دراستَين موثوقتَين. وتستحوذ الجامعات على حصة الأسد من الأبحاث في هذا القطاع. وقد تعاون المعهد الهندي للتكنولوجيا حيدر آباد، مع شركة “إنفيديا”، وهي أمريكية متعددة الجنسيات؛ لإنشاء أول مركز لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في الهند، بهدف تسريع الأبحاث.

ومن الخصائص الفريدة للاقتصاد السيبراني الهندي، العدد الهائل للخريجين في المجالات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذين يدخلون سوق العمل كل عام. ففي عام 2019 كان الرقم نحو 600,000؛ وهو 5 أضعاف ما هو عليه في الولايات المتحدة. وكثيراً ما كانت الهند ضحية للهجمات السيبرانية؛ بما في ذلك الهجمات على بنيتها التحتية الحيوية، ونُسب الكثير منها إلى الصين أو باكستان.

أصدرت الأقسام الفنية بأقسام الشرطة في الهند مؤخراً دليلاً لمساعدة الموظفين الميدانيين في التحقق من الجرائم الإلكترونية بما في ذلك المواد الإباحية والاحتيال المالي 2020- “إنديان إكسبريس”

ولعل ما يثير قلق الحكومة الهندية بشكل خاص هو الهجمات السيبرانية التي تشنها كوريا الشمالية، والتي تستخدم فيها البنية التحتية الرقمية الصينية. ويبدو أن الغالبية العظمى من الحوادث السيبرانية التي أشار إليها فريق الاستجابة للطوارئ الحاسوبية كانت محاولات تجسس، والتي كان من الممكن أن تؤدي إلى إلحاق أضرار جسيمة بسلامة الشبكات والمنصات الهندية.

وفي عام 2020، شهدت الهند ثاني أعلى معدل لهجمات سيبرانية في العالم، وحظرت الحكومة 117 تطبيقاً صينياً بسبب مخاوف أمنية؛ فالهند، باعتبارها قوة نووية تمتلك قوات تقليدية كبيرة، واقتصاداً رقمياً مزدهراً وتصميماً على زيادة نفوذها الجيوسياسي، أصبحت هدفاً للتجسس السيبراني من قِبل مجموعة واسعة من الدول. ومع ذلك، فهي تدرك أن قدراتها الدفاعية ضعيفة نسبياً. ونتيجة لذلك، تواصل الجهود الدبلوماسية الرامية لإدخال حوكمة الفضاء السيبراني ضمن النظام الدولي القائم على قواعد.

  • إندونيسيا

نظراً لتدهور الوضع الأمني في إندونيسيا، أصبحت إحدى أولويات الحكومة مكافحة الإرهاب المحلي والتطرف عبر الإنترنت، فضلاً عن قمع الاحتجاجات السياسية. فبعد احتجاج كبير عام 2020، تم اللجوء إلى قوانين المعلومات المضللة للسماح للشرطة باتخاذ إجراءات ضد النشطاء السياسيين والجماعات الإسلامية؛ بما في ذلك مجموعة قراصنة الجيش الإلكتروني الإسلامي المسؤولة عن نشر التعصب الديني على الإنترنت.

اقرأ أيضاً: مسعى إندونيسيا المتأخر عن الركب للحد من ظاهرةالمتطرفات

وهناك الآن جدل في السياسة الإندونيسية حول مدى سيطرة سياسة الحكومة وفرض الرقابة على الفضاء السيبراني. أما ما يتعلق بالسياسة السيبرانية العسكرية، فالنقاشات بشكل عام أكثر تقدماً؛ لكنها لم تؤدِّ إلى تقدم ملموس؛ حيث وضعت وزارة الدفاع مبادئ توجيهية شاملة للدفاع السيبراني الوطني مع التركيز على تأمين الأصول الدفاعية ضد الهجمات السيبرانية بدلاً من التركيز على التمكين السيبراني.

انضم وزير الدفاع الإندونيسي إلى الاجتماع غير الرسمي الثاني عشر لوزراء دفاع الآسيان والصين مع وزير الدفاع الصيني في جاكرتا لبحث المخاطر السيبرانية المشتركة 2021- “أنتارا نيوز”

وتظل التجارة الإلكترونية المحرك الرئيس للنمو في الاقتصاد ككل؛ فقد وصلت 3 من الشركات الناشئة في إندونيسيا (غوجيك، وتوكوبيديا، وترافيلوكا) إلى مستويات رأسمال عالية (10.5 مليار دولار أمريكي و7.5 مليار دولار أمريكي و2.75 مليار دولار أمريكي على التوالي)، وذلك من خلال التوسع الدولي. كما شهدت إندونيسيا زيادة بمقدار ستة أضعاف في الهجمات السيبرانية بين يناير وأكتوبر 2020؛ حيث كانت شركات التجارة الإلكترونية التابعة لها أهدافاً أساسية.

وقد تعرضت شركة “توكوبيديا” إلى هجوم تسبب في تسريب البيانات الشخصية لـ91 مليون مستخدم، في حين أعلن موقع “بهيينيكا” أن 1.2 مليون من حساباته قد تم اختراقها من قِبل القراصنة. ووفقاً لمسح أجرته شركة “بالو ألتو نتوركس”، فإن 84٪ من الشركات الإندونيسية تخطط لزيادة ميزانيات تكنولوجيا المعلومات، وتعتزم 44٪ منها تخصيص أكثر من نصف هذه الأموال للاستثمار في الأمن السيبراني.

اقرأ أيضاً: كيف سهلت شبكة الإنترنت النشاط الجهادي؟

ورغم أن المعلومات المتاحة عن أية قدرة سيبرانية هجومية أوسع نطاقاً غير مكتملة؛ فإنها تشير إلى أن إندونيسيا في وضع ضعيف من حيث استخدام الوسائل السيبرانية للرد خلال أية أزمة أو فترة عداء. ويبدو أن احتمالية لحاق إندونيسيا بالقدرات السيبرانية الهجومية للدول التي تهمها بشكل خاص -مثل أستراليا والصين وماليزيا وفيتنام- بعيدة المنال.

  • ماليزيا

في ما يتعلق بالأمن السيبراني، كانت ماليزيا المحرك الأول على الصعيد الإقليمي؛ وهي تضاهي بقوة العديد من البلدان الأخرى. وقد تجلى التزامها عام 2020 من خلال استراتيجيات جديدة للأمن السيبراني للقطاع المدني والدفاع الوطني. ولا تتوفر سوى معلومات قليلة عن القدرات الأساسية للاستخبارات السيبرانية أو التطوير الهجومي؛ حيث تركز البيانات السياسية الصادرة على الدفاع النشط في الفضاء السيبراني.

كلفت تهديدات الأمن السيبراني مؤسسات ماليزيا بما فيها “مايكروسوفت” خسائر اقتصادية قدرها 12.2 مليار دولار- “مايكروسوفت”

وقد أعطت ماليزيا الأولوية لتطوير قاعدة صناعية رقمية محلية لدعم جدول أعمالها للتنمية الاقتصادية؛ وهو ما يعوض بعض أوجه القصور في القدرة السيبرانية عبر التحالفات الدولية، لاسيما مع الولايات المتحدة وأستراليا. وبشكل عام، تُعَد ماليزيا قوة سيبرانية من الدرجة الثالثة؛ لكنها تتمتع بنقاط قوة واضحة في سياسة الأمن السيبراني وإمكانات اقتصادية رقمية. وإذا أدركت تلك الإمكانات، فعليها إنشاء الأسس التي يمكن أن تتحول بموجبها إلى قوة سيبرانية من الدرجة الثانية.

اقرأ أيضاً: ماليزيا بين الأحزاب الإسلامية والإنجاز الاقتصادي

وفي عام 2020، تم إصدار استراتيجية جديدة للأمن السيبراني، تغطي الفترة من 2020 إلى 2024؛ حيث تناولت الاستراتيجية 5 ركائز للسياسات، هي: الحوكمة، والإطار التشريعي والتنفيذي، والابتكار على مستوى عالمي، وبناء القدرات والتعليم، والتعاون الدولي. كما ركزت على مكافحة الجريمة السيبرانية، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتثقيف المزيد من الكوادر لسد الثغرات في القوى العاملة السيبرانية.

وتعتمد ماليزيا على التعاون مع الشركاء الدوليين؛ خصوصاً الولايات المتحدة وأستراليا وسنغافورة، من أجل النشاط الأوسع للاستخبارات السيبرانية على الصعيدَين الإقليمي والعالمي؛ حيث يرتبط التعاون الأمني بين كوالالمبور وهؤلاء الحلفاء بجمع المعلومات الاستخبارية في بحر الصين الجنوبي ومكافحة الإرهاب.

رئيس وزراء ماليزيا السابق مع الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما خلال جولة في المركز الماليزي العالمي للابتكار.. حيث تعتمد ماليزيا على الولايات المتحدة في التقنية السيبرانية 2014- “فرانس برس”

ويسهم الاقتصاد الرقمي الماليزي بنحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وتتوقع الحكومة أنه من خلال الابتكار التكنولوجي، يمكن للقطاع أن يلعب دوراً متزايداً في النمو الاقتصادي. وتعد قدرات أبحاث الذكاء الاصطناعي في ماليزيا أقل تطوراً من الموجودة في بعض دول جنوب شرق آسيا؛ ففي ترتيب أفضل 50 دولة في العالم بناءً على مساهماتها في اثنين من مؤتمرات الذكاء الاصطناعي الأكثر شهرة عام 2020، احتلت ماليزيا المرتبة 47، بينما جاءت سنغافورة في المرتبة 12، وتايلاند في المرتبة 44.

  • فيتنام

وضعت فيتنام مجموعة من الاستراتيجيات للأمن السيبراني والنهوض بقوتها الوطنية في الفضاء السيبراني؛ بما في ذلك المجال العسكري، حيث تعمل هياكل الحوكمة الخاصة بالسياسة السيبرانية من خلال النظام السياسي الاستبدادي للحزب الشيوعي الحاكم في فيتنام. وقد نفذت الحكومة العديد من السياسات التي أسهمت في نمو قوي في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والحكومة الإلكترونية.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تستعيد مصداقيتها في آسيا؟

ويحتوي الجيش الشعبي الفيتنامي على وحدة إلكترونية خاصة، القوة 47؛ وهي مكلفة بحماية الحزب الشيوعي من “الأخبار الكاذبة” ونشر الدعاية الحكومية. ولديها فريق يبلغ عدد أفراده أكثر من 10000 فرد، تلقوا تدريبات على الانضباط الأيديولوجي وحرب المعلومات. وغالباً ما تعمل على منصات التواصل الاجتماعي، “فيسبوك” و”يوتيوب”؛ بهدف استباق نشر معلومات معادية قبل الأحداث السياسية الكبرى.

تعرضت فيتنام إلى أكثر من 4100 هجوم إلكتروني استهدفت أنظمة المعلومات في عام 2020 حسب المركز الوطني للأمن السيبراني

ولا توجد معلومات كافية في المجال العام للسماح بإجراء تقييم موثوق لفعالية إجراءات الحوكمة والقيادة للقوات السيبرانية الفيتنامية، باستثناء ملاحظة فرض الامتثال الصارم لتسلسل القيادة. ويتم تضخيم قدرة الاستخبارات السيبرانية الفيتنامية إلى حد ما من قِبل مجموعة معروفة لشركات الأمن السيبراني. وعلى الرغم من كونه كياناً غير حكومي على ما يبدو؛ فإنه يقدر أن له صلات غير رسمية بالحكومة.

اقرأ أيضا:التجسُّسعلى السفارات يتصاعد: مَن يُعرقل تحسين القوانينالحِمائية“؟

وقد تم توثيق عمليات التجسس السيبراني الخاصة بها على نطاق واسع من قِبل شركات الأمن السيبراني الأمريكية، ويبدو أنها كانت عمليات بارعة للغاية، مع أهداف تشمل الشركات الأجنبية ورابطة دول جنوب شرق آسيا والمؤسسات الحكومية الصينية.

واستجابةً للتهديدات السيبرانية المتزايدة لفيتنام، تم إنشاء المركز الوطني لرصد الأمن السيبراني تحت إشراف هيئة أمن المعلومات عام 2018. وينصب تركيزه الأساسي على دعم الأمن السيبراني والإشراف عليه لجميع كيانات القطاعَين العام والخاص، لتوفير إنذارات مبكرة ضد الهجمات السيبرانية، وتبادل المعلومات مع الوكالات المحلية والدولية.

لقراءة الجزء الأول: دراسة حديثة: كيف تشكل القدرات السيبرانية موازين القوى محلياً ودولياً؟ (1)

لقراءة الجزء الثاني: دراسة حديثة: كيف تشكل القدرات السيبرانية موازين القوى محلياً ودولياً؟ (2)

المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة