الواجهة الرئيسيةترجماتتكنولوجياشؤون دولية

دراسة حديثة: كيف تشكل القدرات السيبرانية موازين القوى محلياً ودولياً؟ (2)

كيوبوست- ترجمات

في فبراير 2019، أعلن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية عزمه على تطوير منهجية لتقييم القدرات السيبرانية للدول وكيفية مساهمتها في القوة الوطنية. وقد تم تحديد تلك المنهجية، واستخدامها لتقييم 15 بلداً، ومن ثمَّ استنباط النتائج الشاملة. ويهدف هذا التقرير إلى المساعدة في صنع القرار، من خلال الإشارة إلى القدرات السيبرانية التي تحدث أكبر فرق في القوة الوطنية، وبالتالي العالمية للدول.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: كيف تشكل القدرات السيبرانية موازين القوى محلياً ودولياً؟ (1)

وباستخدام المنهجية في تصنيف البلدان الـ15 حسب القدرة السيبرانية، تم تحديد 3 مستويات رئيسة؛ على أن يكون المستوى الأول من حيث نقاط القوة الرائدة عالمياً في جميع الفئات، والمستوى الثاني من حيث نقاط القوة الرائدة عالمياً في بعض الفئات. أما المستوى الثالث، فيركز على نقاط القوة المحتملة في بعض الفئات، مع نقاط ضعف كبيرة في فئات أخرى.

المستوى الثاني:

المملكة المتحدة

منذ أواخر التسعينيات، تم تسليط الضوء على الدفاع السيبراني كقضية ذات أولوية رئيسة للأمن القومي في الوثائق الاستراتيجية المنشورة بالمملكة المتحدة. وقُدم الأمر بشكلٍ جدي في أول استراتيجية للأمن القومي بالمملكة عام 2008. ثم تبع ذلك إصدار أول استراتيجية وطنية للأمن السيبراني بشكلٍ منفصل عام 2009، بالإضافة إلى نسختَيها المنقحتَين في عامَي 2011 و2016.

وزير الخزانة البريطاني يعلن الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني خلال مؤتمر لـ”ميكروسوفت” في لندن 2017- مجلة “سي نت”

وعلى الرغم من تمحورهما حول الأمن والدفاع السيبراني، فقد تضمنت الاستراتيجيات تلميحات واضحة في ما يخص تطوير القدرات الهجومية؛ حيث تعد المملكة المتحدة واحدة من أكثر الدول الأوروبية تقدماً في التواصل الرقمي، وتتمتع بمعدل انتشار عالٍ جداً لاستخدام الإنترنت بنسبة تتجاوز 90%. ووفقاً للنهج الذي اعتمدته مجموعة العشرين، احتل الاقتصاد الرقمي للمملكة المرتبة الثانية عالمياً، من حيث حصته في الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة تزيد على 55% عام 2018.

اقرأ أيضاً: شركات التكنولوجيا العملاقة ومكافحة الاحتكار ومستقبل الليبرالية السياسية

وينقسم نهج المملكة المتحدة في البحث والابتكار في القدرات الإلكترونية بشكلٍ كبير بين القطاعَين العام والخاص والأوساط الأكاديمية؛ الأمر الذي يعكس جزئياً النظام البيئي للأمن السيبراني لديها. ويتمثل الهدف المعلن في معرفة أين يمكن أن تبتكر الصناعة بشكلٍ أسرع من الإطار الحكومي المعتاد، وبالتالي تعزيز الشراكة والتعاون بين القطاعَين العام والخاص، حيثما أمكن.

وعلى صعيد شبكات الجيل الرابع، نجد أن شركة “هواوي” الصينية، توفر معدات الراديو؛ مثل الأعمدة التي تبث الإشارات وتنقل الاتصالات إلى الشبكة الأساسية ثم إلى المشغلين. وتتراوح مساهمة “هواوي” في المعدات من 5% لصالح شبكة “أو تو” إلى أكثر من 30% لحساب شركة “فودافون”. وعلى الصعيد الإقليمي فقد يؤثر انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بالسلب على العديد من القنوات المهمة المؤثرة على سياسة الأمن السيبراني، ومكافحة الجرائم الإلكترونية لعموم أوروبا.

اقرأ أيضاً: تقييم تهديد جماعة “المهاجرون” في بريطانيا

وقد شاركت المملكة بنشاط في فريق الخبراء الحكوميين التابع للأمم المتحدة المعني بأمن الفضاء الإلكتروني منذ إنشائه عام 2004. كما توجد أدلة على تعاونها مع حلفاء مقربين مثل الولايات المتحدة في القيام بهجماتٍ إلكترونية ضد تنظيم الدولة. وربما يكون التحدي الذي يواجه القدرة الإلكترونية الهجومية للمملكة هو الحاجة إلى استثمار في المال والكوادر؛ لا سيما من أجل زيادة القدرات ورفع الكفاءة في المهارات التقنية الأساسية.

كندا

تكشف الوثائق العامة الكندية عن أن الدولة أعطت الأولوية لاستجابة المجتمع بأسره للأمن السيبراني فوق كل الاعتبارات السيبرانية الأخرى؛ بما فيها تطوير القدرات العسكرية والهجومية. لذا فقد أُعطيت أهمية أقل للأمر في استراتيجيتها المنشورة مقارنةً بالدول الأخرى ذات القدرات الإلكترونية.

الكولونيل موريهن في القوات المسلحة الكندية يتحدث عن القدرات السيبرانية في مركز قيادة الدفاع الجوي 2018- “أسوشييتد برس”

وتتركز قدرة الاستخبارات الإلكترونية الكندية على مؤسسة أمن الاتصالات التي يقودها مدنيون وتتبع وزير الدفاع؛ وهي مؤسسة معترف بها دولياً لخبرتها الفنية، كما تم تعزيز قدراتها من خلال عضوية تحالف العيون الخمس. وعلى غرار أقرانها في التحالف، فإن مؤسسة أمن الاتصالات مسؤولة عن كل من الاستخبارات والأمن السيبراني؛ ما يسمح لكل تخصص بالاستفادة من خبرة المؤسسة في التخصص الآخر.

أما في ما يتعلق بالبحوث والاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد حققت كندا بعض الإنجازات الملحوظة؛ حيث احتلت المرتبة الثامنة بعد أستراليا في تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للبلدان، وفقاً لعدد من الأوراق البحثية من إصدار مؤسساتها، والتي تم التقييم اعتماداً عليها.

اقرأ أيضاً: 10 حقائق لا تعرفها عن كندا

وبشكل عام، تظهر كندا أداءً قوياً في هذا المجال؛ الأمر الذي تجلى في الأولوية العالية التي أعطتها للأمن السيبراني منذ عام 2010، والتوجيه المتجدد لاستثماراتها منذ أن وضعت استراتيجيتها للأمن السيبراني عام 2018، إلى جانب نضج نهجها في المرونة الإلكترونية. وقد عكس ذلك مؤشر الأمن السيبراني العالمي الصادر؛ حيث وضع كندا في المرتبة التاسعة من بين 175 دولة.

أستراليا

في عام 2020، أصدرت أستراليا استراتيجية أكثر طموحاً للأمن السيبراني؛ تضمنت مستويات أعلى من التمويل وتعكس شعوراً أكبر بالأهمية، حيث تبنَّت الدولة لهجة أكثر حدة حول تهديدات الدول الأخرى، التي لم يتم ذكر اسمها، على الرغم من أن الحكومة كانت صريحة بشأن حظر الاعتماد على “هواوي” داخل الأنظمة الحكومية منذ عام 2012، كما سلَّطت الضوء على المخاطر المرتبطة بالتقنيات سريعة التغير وصولاً إلى المستويات الأعلى من وسائل التواصل.

وزيرة الدفاع الأسترالية ووزيرة الخارجية مع وزير الخارجية الأمريكي ووزير الدفاع في مؤتمر صحفي عقب توقيع اتفاقية ستمكن الحليفَين من إجراء البحث والتطوير لتعزيز قدراتهما الإلكترونية المشتركة- “فرانس برس”

وتعد أستراليا من الدول المتقدمة عالمياً من حيث متوسط استخدام الإنترنت، واشتراكات شبكات الجوال للفرد، ونسبة الشركات العاملة في التجارة الإلكترونية. ومع ذلك، فإنها لم تصل إلي أي من المراكز العشرة الأولى في العديد من المؤشرات الأخرى للابتكار والقدرة التنافسية والأمن السيبراني. وقد ظل الاقتصاد الرقمي الأسترالي ثابتاً منذ مطلع القرن من الناحية النسبية؛ حيث زادت حصة صناعات المعلومات في إجمالي القيمة المضافة العالمية بشكلٍ طفيف للغاية بين عامَي 2006 و2016.

اقرأ أيضاً: هل تنسحب “جوجل” من أستراليا؟

كما نجد عدم توازن بين مدخلات الابتكار (المعرفة والبحوث التي احتلت المرتبة الـ13 عالمياً عام 2020، والمخرجات الابتكارية التي احتلت المرتبة 31)؛ لكن أستراليا تتحرك في مجال الأمن السيبراني نحو سياساتٍ أكثر اتساقاً بجانب وضع أُطر تشريعية مرنة. غير أن تلك التطورات يجب أن تطبق عبر تنسيق حكومي أفضل. ولا يزال أمام الدولة الكثير لتقديم استثماراتٍ كافية للدفاع ضد التهديدات المحتملة.

وعلى صعيدٍ آخر، فقد عارضت أستراليا الاستثمار الصيني المتزايد في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الدول الإقليمية؛ وهو الموقف الذي ظهر بشكلٍ واضح عام 2018 عندما ضغطت بنجاح على جزر سليمان للتخلي عن صفقة مع شركة “هواوي” مقابل إنشاء كابل تحت البحر يمتد إلى أستراليا، في صفقة استبعدت جميع الشركات الصينية.

شجعت أستراليا الشركات للانضمام إلى برنامج يربطها بفرق أبحاث الأمن السيبراني بالجامعات- “نيو سايبر سيكيورتي”

وبشكلٍ عام، تتمتع أستراليا بقدرات إلكترونية هجومية فعالة؛ حيث تؤمِّن شراكتها الوثيقة وعملياتها المشتركة مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة مكانتها في المرتبة الأولى بين الدول من حيث الهجوم السيبراني، كما أن عضويتها في تحالف العيون الخمس تزودها بالذكاء المعزز والوعي التقني اللازمَين للقيام بالعمليات المتطورة تقنياً. وعلى الرغم من ذلك؛ فإنه حتى الآن لا تضاهي أستراليا قدرات حلفائها الكبار من حيث الموارد والأفراد ومستوى الجاهزية.

فرنسا

حتى عام 2011، اعتمد نهج فرنسا تجاه قضايا أمن الفضاء الإلكتروني على مزيج من الاحتياجات الأمنية التقنية، ووجهات النظر التجارية والمصالح العسكرية. ومنذ ذلك الحين تحركت باريس بشكلٍ أكثر حسماً نحو نموذج يعطي الأولوية لسلوك موحد للأمن القومي في الفضاء السيبراني؛ لذا نجد تناقضاً صارخاً بين وثائق استراتيجيتها المبكرة، وتلك التي ظهرت منذ عام 2018.

اقرأ أيضاً: ماذا ينتظر العالم القديم والمملكة الوسطى في المستقبل؟

حيث نشرت أول استراتيجية وطنية للأمن السيبراني في فرنسا، بعد استهداف الوزارات الحكومية عبر هجمات إلكترونية عام 2011، والتي أعلنت صراحةً عن طموح فرنسا في أن تصبح قوة إلكترونية عالمية؛ حتى لو اقتصر الأمر على الناحية الدفاعية. ونص الكتاب الأبيض للدفاع عام 2013 على إنشاء ميثاق وطني للرد على التهديدات الإلكترونية، يتألف من وضع دفاعي مُنسق إلى جانب رد فعل متدرج القوة.

كما أعلنت الحكومة في عامَي 2020 و2021 عن خطط إنفاق جديدة عكست المخاوف المتصاعدة بشأن التهديدات الإلكترونية؛ قدمت أولاها مبلغاً متواضعاً قدره 136 مليون يورو لصالح توفير حماية تقنية متطورة للأنظمة الحكومية، ولكن في فبراير 2021 بلغ حجم ضخ النقود مليار يورو لمدة 5 سنوات، ممثلاً في استراتيجية جديدة للأمن السيبراني.

وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي في مؤتمر الأمن السيبراني في ليل- فرنسا 2019- “أسوشييتد برس”

وبشكلٍ عام، تبدو قدرات الاستخبارات الإلكترونية الفرنسية قوية في مناطق جغرافية معينة؛ مثل شمال إفريقيا، لكنها تفتقر إلى الامتداد العالمي المتاح لدول العيون الخمس؛ لا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا. وبالفعل، فوجئت أجهزة المخابرات الفرنسية بالتطور الكبير لقدرات تحالف العيون الخمس، والذي كُشف عنه في تسريبات سنودن.

وتتمتع فرنسا بأفضلية في أبحاث الذكاء الاصطناعي وتسويقها؛ حيث تحتل المرتبة الأولى بين الدول الخمس الأُوَل في الاتحاد الأوروبي. كما احتلت المرتبة الخامسة في العالم من حيث مساهماتها في اثنين من أشهر مؤتمرات الذكاء الاصطناعي عام 2020. وتنتهج فرنسا دبلوماسية سيبرانية نشطة مع الدول الرئيسة، وقد برز ذلك حين نشرت فرنسا وألمانيا تقييمهما السنوي لأمن المعلومات عام 2020.

وفي عام 2019، عُقد الحوار السيبراني الثالث بين الهند وفرنسا، وشهدت رئاسة فرنسا لمجموعة السبع إطلاق مبادرة حول تبادل أفضل الممارسات لتنفيذ معايير الامتثال لقوانين الفضاء الإلكتروني. ولعبت فرنسا دوراً رائداً في الحشد لتوقيع الاتحاد الأوروبي العقوبات ضد مرتكبي الهجمات الإلكترونية التي تستهدف المصالح الأوروبية؛ حيث انخرطت في إقرار أولى العقوبات الموقعة من الاتحاد ضد روسيا والصين، رداً على هجماتهما الإلكترونية عام 2020، والتي تضمنت حظر السفر وتجميد أصول 4 أعضاء من المخابرات العسكرية الروسية، واثنين من المواطنين الصينيين.

اقرأ أيضاً: الأزمة في الساحل.. تحديات جديدة للأمن الأوروبي

ووفقاً للجنرال فرانسوا لوكوانتر من الجيش الفرنسي، فقد نفَّذت البلاد عمليات إلكترونية ضد الجماعات الإرهابية في منطقتَي الساحل والصحراء. وعلى الرغم من قلة الأدلة المعلنة على قيام فرنسا بعملياتٍ إلكترونية أخرى؛ فإن سجلها في الاستجابات الانتقامية القوية في أزمات الأمن القومي يشير إلى استعدادها للقيام بذلك في ظروفٍ معينة، كما أقر قادتها.

إسرائيل

أعلنت إسرائيل الفضاء الإلكتروني مجالاً خصباً لتهديد أمنها القومي عام 2000؛ الأمر الذي أثمر عن إنشاء وكالة مخصصة لحماية البنية التحتية للمعلومات بقرار من الحكومة عام 2002. واستمر اهتمام إسرائيل بمجال الأمن السيبراني في التصاعد؛ حيث أمر رئيس الوزراء السابق نتنياهو، بتشكيل فريق خاص لصياغة استراتيجية وطنية لوضع إسرائيل بين الدول الخمس الأولى الرائدة في مجال الأمن السيبراني عام 2010.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يتحدث في مؤتمر سيبر تك في تل أبيب 2016- “رويترز”

وفي عام 2017، وضحت أول استراتيجية وطنية للأمن السيبراني الطموح الإسرائيلي بجعل إسرائيل دولة رائدة في تسخير الفضاء الإلكتروني كمحرك للنمو الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي، والأمن القومي. وتمثل تركيز الاستراتيجية بشكلٍ عام على الجانب الأمني؛ حيث كان الهدف هو الحفاظ على أمن الفضاء الإلكتروني، ومواجهة التهديدات السيبرانية المختلفة، وفقاً للمصالح الوطنية للبلد.

اقرأ أيضاً: “سايبر تيك” ينطلق في دبي.. شراكة إماراتية- إسرائيلية في الأمن السيبراني

وتتألف بنية المخابرات الإسرائيلية من ثلاث وكالات رئيسة؛ هي: شعبة المخابرات العسكرية (المشار إليها باختصارها العبري أمان)، وهي الأكبر والمسؤولة عن معظم جوانب الاستخبارات الجوية والبحرية والأرضية والإشارات، إلى جانب جهاز المخابرات السرية (الموساد) والمكلف بأنشطة المخابرات الخارجية، وجهاز الأمن العام الإسرائيلي، والذي يدير عمليات المخابرات الداخلية؛ بما فيها العمليات داخل الأراضي المحتلة.

وقد دفع الهجوم الإيراني رئيسَ الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، للتحذير من أن “الشتاء السيبراني” قادم، في إشارة إلى تزايد الهجمات على البلاد، وتفاقم حجم التهديدات. وفي عام 2021، قامت جمعية المصنّعين في إسرائيل بتقييم الحاجة إلى تدابير إضافية لوقف موجة الهجمات السيبرانية، وأعلنت عن خطة لإنشاء مقر للأمن السيبراني من شأنه تنسيق الدعم المتبادل بين الأعضاء.

يتعامل فريق الاستجابة للطوارئ السيبرانية الوطني مع الحوادث السيبرانية المدنية في إسرائيل- الهيئة الإلكترونية الوطنية

ويبرز عنصر آخر مهم في عمليات الدفاع الإلكتروني الإسرائيلية؛ وهو فريق الاستجابة للطوارئ السيبرانية، الذي تشمل مسؤولياته الحفاظ على آلية إبلاغ وتواصل على مدار الساعة بين الهيئة الوطنية للأمن السيبراني الإسرائيلية، والشركات في جميع أنحاء البلاد، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي. ويضم الفريق أعضاء سابقين في الوحدات الإلكترونية للجيش الإسرائيلي.

ولم تعلن إسرائيل عن أي تفاصيل حول تطويرها أو استخدامها قدرات الإنترنت الهجومية، كما لم تكشف نهائياً عن أية معلومات تتعلق بقدراتها الاستخباراتية الإلكترونية؛ لكن البيانات الرسمية المختلفة قدمت إشارات قوية على وجود مثل هذه القدرات وطبيعة المنهجية الإسرائيلية في توظيفها.

الصين

تهيمن مخاوف الصين من التهديدات الأيديولوجية والاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة على نهجها الاستراتيجي في ما يتعلق بالأمن السيبراني؛ حيث رصدت الصين التطور المبكر للعقيدة العسكرية السيبرانية الأمريكية في التسعينيات، واستخدام الإنترنت في الحملات العسكرية الأمريكية في كوسوفو عام 1999 والعراق عام 2003، إلى جانب دعم الولايات المتحدة للثورات السياسية القائمة على الإنترنت في دول الاتحاد السوفييتي السابقة ودول شمال إفريقيا.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الصين الكبرى.. الاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

وفي البداية، تمحور الانشغال الاستراتيجي الأساسي للصين حول الفضاء الإلكتروني المحلي لمنع انتشار الفكر الليبرالي الغربي. وبدءاً من عام 2003، دعت الصين عبر الأمم المتحدة إلى تطبيق ما يُسمى مبدأ “السيادة الإلكترونية”؛ حيث تكون الدول قادرة على ممارسة السيطرة على الجزء السيادي من الإنترنت.

بلغ تقييم قطاع تكنولوجيا المعلومات سريع النمو في الصين عام 2019 قيمة 7.1 تريليون يوان- “أسوشييتد برس”

وعلى صعيد الصناعة، تعتبر استراتيجية “صنع في الصين 2025” التي تم الإعلان عنها عام 2015، ذات أهمية واضحة؛ حيث ستعمل على تحجيم الاعتماد على الموردين الأجانب لتكنولوجيا الإنترنت الأساسية الخاصة بها باعتبارها أكبر خطر إلكتروني في الصين. وتهدف هذه الاستراتيجية الطموحة إلى ضمان تصنيع 70% من تكنولوجيا الإنترنت الأساسية التي تعتمد عليها الدولة محلياً بحلول عام 2025، وضمان تحول البلد إلى الريادة العالمية في تصنيع هذه التقنية بحلول عام 2030.

ويكتمل ذلك بمبادرة الحزام والطريق؛ حيث تم تصميم مشروع طريق الحرير الرقمي لفتح الأسواق في العالم النامي أمام التكنولوجيا الصينية. ويتمثل البعد الرئيس الآخر لاستراتيجية الصين الإلكترونية، منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في قيامها بالعديد من العمليات الإلكترونية في الخارج، والتي شملت عمليات التجسس على الصناعة للحصول على الملكيات الفكرية التجارية والبيانات الشخصية للأفراد.

اقرأ أيضاً: عقيدة سيناترا.. ما الذي سيفعله الاتحاد الأوروبي مع الصين؟

كما استخدمت الصين بنشاط العمليات السيبرانية التخريبية، مع الحرص على جعل قوتها أقل من الدرجة التي تجلب أي رد فعل عنيف، ومحاولاتها للتأثير على العمليات الانتخابية في تايوان هي أحد الأمثلة على ذلك. وإلى جانب القدرات الاستخباراتية الإلكترونية للصين محلياً، فقد استغلت الإنترنت على نطاقٍ واسع للتجسس الخارجي. وغالباً ما يتم تمييز هذه الجهود بناءً على حجمها وليس تعقيدها؛ حيث يمكن تمييز التدخلات الصينية من بين ما تعلنه وكالات الاستخبارات الغربية وشركات الأمن السيبراني.

وبلغ حجم الاقتصاد الرقمي الصيني ذو القيمة المضافة 35.8 تريليون يوان (5.12 تريليون دولار) عام 2019، وهو ما يمثل 36.2% من الناتج المحلي الإجمالي -وهي حصة أعلى من حصص دول مثل البرازيل وجنوب إفريقيا؛ ولكنها لا تزال بعيدة عن الولايات المتحدة التي بلغت 50%- وتم تقييم قطاع تكنولوجيا المعلومات سريع النمو في الصين عام 2019 بقيمة 7.1 تريليون يوان (1.02 تريليون دولار).

الرئيس المتناوب لـ”هواوي” يتحدث في مؤتمر حماية الخصوصية في مركز الشفافية بمقر الشركة- الصين- موقع “هواوي”

وقد ارتفع تأثير الصين في الاقتصاد العالمي لتكنولوجيا المعلومات بشكلٍ متناسب، وشمل ذلك تطوير مجال منصات الإنترنت؛ حيث صرحت الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات عام 2020 بأنه مع تطور قطاع منصات الإنترنت، بقيادة علي بابا وتينسنت، تغير دور الدولة من “التقليد واللحاق بالركب” إلى “الابتكار العالمي الرائد”.

وقبل أن تتحرك الولايات المتحدة ضدها عام 2020، كانت شركة “تيك توك” المملوكة للصين قد أطلقت طفرة عالمية في مجال الفيديو. وصاغت وسائل الإعلام الصينية عبارة “ثمانية محاربين أوصياء” للإشارة إلى الشركات الأمريكية التي لا تزال متورطة في البنية التحتية للاتصالات بالصين؛ وهي: “أبل، وسيسكو، وجوجل، وإي بي إم، وإنتل، ومايكروسوفت، وأوراكل، وكوالكم”. وبرزت هذه المشكلة عام 2020 عندما قامت الولايات المتحدة باستخدام هيمنتها على صناعة الرقائق الدقيقة لتقويض شركة “هواوي”.

واحتلت الصين المرتبة 27 من بين 175 دولة في مؤشر الأمن السيبراني العالمي. ورغم ذلك؛ فإن قدرة الصين على تحسين الأمن السيبراني على المدى القصير والمتوسط ستواجه الكثير من التحديات، بسبب افتقارها إلى مجمع صناعي إلكتروني متطور ومتطلباته من مؤسسات وباحثين. بينما تلعب الصين دوراً قوياً في وضع المعايير العالمية في التقنيات الناشئة؛ مثل إنترنت الأشياء، كما حصلت بكين على مناصب رئيسة في وكالات وضع المعايير الدولية؛ مثل المنظمة الدولية للتوحيد القياسي، واللجنة الكهروتقنية الدولية.

روسيا

ترتكز الاستراتيجية الروسية على أن الأمن السيبراني والعمليات ذات الصلة أعمدة رئيسة في المواجهة المعلوماتية مع الغرب؛ حيث تشير المصادر الروسية إلى “فضاء المعلومات” بدلاً من “الفضاء الإلكتروني”، وقد صممت تلك الاستراتيجية من الناحية الجوهرية؛ بهدف دمج العمليات الإلكترونية التقنية مع وسائل أخرى لتحقيق التفوق المعلوماتي.

منشور صادر عن وكالة الأمن الفيدرالية الأمريكية بأسماء وصور ضباط روس مطلوبين لقيامهم بهجمات سيبرانية ضد الولايات المتحدة- “أسوشييتد برس”

وخلال السنوات العشر الماضية، سعَت روسيا إلى استخدام هذه القدرات المعلوماتية لتحقيق تأثير استراتيجي فعال ضد خصومها، وهي سياسة تم التعبير عنها إلى حد ما في مفهوم المنطقة الرمادية (بين السلام والحرب) المذكور في أحد المقالات على لسان رئيس هيئة الأركان العامة عام 2013. وتشير طبيعة وحجم الأنشطة الاستخبارية الروسية المتزايدة في الخارج إلى أن وكالات الأمن والاستخبارات في البلاد قد ورثت عقيدة المخابرات السوفييتية كشكل من أشكال “النضال السياسي”؛ أي أنها في حالة دائمة من “الحرب السياسية” ضد الغرب، وإن كان ذلك مع بعض التعديلات تماشياً مع وقائع القرن الحادي والعشرين.

اقرأ أيضاً: كيف حدَّثت روسيا آلياتها ما بين عامَي 2016 و2020؟

وبالنظر إلى العدد المتزايد للهجمات الإلكترونية الخارجية التي نسبتها الحكومات والشركات الغربية إلى القوات المسلحة الروسية والجهات الفاعلة الروسية الأخرى، وكون بعض هذه الهجمات استهدفت جمع معلومات استخباراتية من خلال عمليات معقدة تقنياً، فمن الآمن الافتراض أن روسيا تمتلك أيضاً قدرات استخباراتية إلكترونية إقليمية وعالمية واسعة النطاق.

فمنذ هجوم المخترقين الروس على إستونيا عام 2007، حصل الكرملين على التكنولوجيا وتبناها وقام بجمع المعلومات الاستخباراتية من هذه الجماعات التي تعمل في المحيط الخارجي الروسي. ومن غير الواضح على وجه التحديد حجم التوجيهات التي يوجهها الكرملين للمخترقين الوطنيين ومجرمي الإنترنت؛ ولكن غالباً لا يكون لأنشطتهم دافع واضح مختلف عن تعزيز أهداف الدولة الروسية.

تمتلك روسيا قدرات استخباراتية إلكترونية واسعة النطاق بما فيها 24 قمراً صناعياً توفر تغطية عالمية كاملة- “بي بي سي”

وتعد روسيا قوة فضائية مكتفية ذاتياً؛ حيث تقوم بتشغيل شبكات الاتصالات وتقنيات الملاحة عبر الأقمار الصناعية الخاصة بها، والتي تخدم كلاً من الأغراض المدنية والعسكرية، فضلاً عن الأقمار الصناعية الموجهة لخدمة مجموعة من الوظائف الأخرى. ويعادل النظام الروسي للملاحة عبر الأقمار الصناعية في القوة النظام الأمريكي العالمي لتحديد المواقع، حيث توفر 24 قمراً صناعياً تشغيلياً تغطية عالمية كاملة.

اقرأ أيضاً: روسيا تسعى للتحالف مع الصين للتغلب على العقوبات الأمريكية

وقد وضع بوتين للأمن السيبراني أولوية قصوى على الصعيد الوطني خلال عقدين من حكمه كرئيس لروسيا، بدءاً من عام 2000؛ حيث تم إصدار أول ميثاق لأمن المعلومات، في غضون أشهر من تنصيبه كرئيس. وفي عام 2016، كثفت الحكومة جهودها من خلال إصدار مجموعة من القوانين والإصلاحات الجديدة لمعالجة الجوانب الاجتماعية والتقنية المعوقة، إلى جانب نشر ميثاق محدَّث لأمن المعلومات.

وتمتلك روسيا موارد مالية أقل للاستثمار في القدرات الاستخباراتية مقارنةً مع الولايات المتحدة أو الصين. ويبدو أن إحدى وسائل التعويض عن ذلك هي طمس الخط الفاصل بين الدولة والجهات الفاعلة غير الحكومية؛ حيث يُعتقد أن استخدام ما يسمى بـ”المخترقين الوطنيين“، إلى جانب الخبرة المنظمة في الجريمة الإلكترونية يعزز بشكلٍ كبير القدرات الإلكترونية لروسيا.

المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة