الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

دراسة جديدة: هكذا تحرك إيران وكلاءها في المنطقة العربية

نموذج الوكيل في التخطيط العسكري الإيراني

ترجمة كيو بوست – 

الانتهازية الأيديولوجية

نشر مركز أبحاث “ميدل إيست إنستيتوت” الأمريكي دراسة جديدة للخبير السياسي أليكس فاتانكا، تفيد بأن السياسة الخارجية الإيرانية تتبنى”نموذج الوكيل العربي” كأداة لتعزيز “التوسع الإيراني” في المنطقة، باستخدام “دعاية أيديولوجية تبرر ممارساتها في وجه الضغوط الداخلية والخارجية”.  

منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، حرضت جمهورية إيران الإسلامية على العنف والراديكالية من خلال مجموعات طائفية غير حكومية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. كانت هذه المجموعات بمثابة وكلاء طهران في حملاتها العسكرية للتأثير على السياسة الإقليمية والدولية. وقد أصبح “نموذج الوكيل” بارزًا وملحوظًا على نحو متزايد منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

لم يول الغرب والولايات المتحدة اهتمامًا كبيرًا سوى للمجموعات السنية المتطرفة، مثل تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية. وقد تمكنت الجماعات الشيعية المسلحة غير الحكومية من تجنب الرقابة الغربية المكثفة، مثل حزب الله اللبناني، مع بعض الاستثناءات.

تبحث هذه الدراسة في النزاعات الإقليمية التي جرى تشكيلها من قبل وكلاء طهران، وتدرس محاولات إيران الناجحة وغير الناجحة في تجنيد المجموعات المسلحة. كما يحدد هذا البحث القوى الرئيسة التي شكلت الرعاية الإيرانية الأيديولوجية والتشغيلية للجماعات المسلحة غير الحكومية، السنية والشيعية على حد سواء، وكذلك دوافعها وطرق عملها المفضلة.

 

المقدمة

إن الهدف من هذا البحث هو تقييم الدور المركزي للدولة الإيرانية في تعبئة ونشر وتغذية المجموعات العابرة للحدود في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وفي العالم العربي بشكل خاص. كما تسرد الدراسة أدلة كثيرة، تشير إلى رغبة صانعي السياسة الإيرانيين في الاعتماد على المجموعات المسلحة غير الحكومية  -أو نموذج الوكيل– كأداة ملائمة لإبراز القوة الإيرانية عبر ساحات وميادين متعددة، خلال السنوات القادمة.

 

نموذج الوكيل في التخطيط العسكري الإيراني

في كثير من الأحيان، لم يكن أمام الوكلاء العسكريين غير الحكوميين –الذين تلقوا التدريب والتسليح من طهران–  أي خيار سوى النظر إلى إيران على الدوام، من أجل الحصول على الدعم المالي واللوجستي. وهذا هو النفوذ الذي يستخدمه خامنئي وغيره من المتشددين في طهران.

أعلن العقل المدبر لنموذج الوكيل العربي، قاسم سليماني، بتاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني، هزيمة داعش في سوريا. وبعد ذلك، حث خامنئي سليماني على “الحفاظ على الجاهزية لمواجهة التحديات الإقليمية المستقبلية”، في إشارة إلى نوايا طهران المستقبلية. وبعد يومين، قال قائد قوات الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جفعري، إن الأسد “مدين” لـ”ميليشيات الشعب”، ودعا الأسد إلى “إضفاء الطابع المؤسسي على الميليشيات كي تظل في مواجهة التهديدات المستقبلية”. من الواضح أن جعفري يقصد أن مسألة تحديد هوية مثل هذه التهديدات المستقبلية أمر عائد لطهران، تشمل بشكل ضمني أهدافًا سعودية وأمريكية.

إن هذا التحول من ميليشيات مسلحة إلى “دولة قوية داخل دولة” يعكس في جوهره التطور التاريخي للحرس الثوري الإيراني نفسه، الذي بدأ عام 1979 كميليشيا، وأصبح اليوم إحدى الركائز الثلاث للسلطة في طهران. ما يسعى إليه الحرس الثوري الآن هو إخضاع الوكلاء المدعومين من طهران في العراق وسوريا إلى العملية التحويلية ذاتها.

إن ترويج طهران لنموذج الوكيل، إلى جانب رغبتها في ترجمة الانتصارات العسكرية إلى رأس مال سياسي، يعكس بالضرورة القيود والمحددات العسكرية الإيرانية. في حين أن الجمهورية الإسلامية تسعى إلى تقديم نفسها كقضية شهادة واستشهاد، وقوة مناهضة للوضع الراهن، فإن إستراتيجيتها العسكرية التقليدية حذرة في معظم الأوقات. لطالما كانت إيران حذرة بشأن عدد القوات المرسلة إلى سوريا أو العراق٬ فمن شأن هذا أن يولّد أسئلة سياسية محرجة في صفوف الجمهور الإيراني حول توجهات البلاد.

وعلى ضوء ما سبق، وجد جنرالات الحرس الثوري الإيراني أنفسهم مضطرين إلى تعديل الإستراتيجية العسكرية في مواجهة البيئة الأمنية الإقليمية المتغيرة. لذا، تبنوا فكرة “الدفاع الأمامي”، التي تنطوي على محاربة خصوم إيران خارج حدودها، من أجل منع نشوب حرب على الأراضي الإيرانية. وبالطبع، تتطلب خدمة “الدفاع الأمامي” إجراء تعديلات جوهرية، بما فيها تحويل بعض الوحدات العسكرية القائمة، لا سيما الجيش الإيراني النظامي، الذي يبلغ تعداده 350,000 جندي، أي ثلاثة أضعاف عدد عناصر الحرس الثوري. يمتلك الجيش الإيراني النظامي وحدات عسكرية متخصصة، ذات قدرات وتجهيزات عالية.

وفي ظل استبعاد حصول مواجهات عسكرية مباشرة بين إيران ومنافسيها، واستمرار الحروب القائمة بالوكالة خارج الحدود الإيرانية، ضد السعودية على سبيل المثال، رأى المخططون العسكريون في طهران أن القدرات المخصصة للجيش غير مناسبة لطموحات إيران الخارجية في المنطقة، في أماكن مثل سوريا، لذا شرعوا في تحويل بعض القوى العاملة في الجيش النظامي إلى ما يسمى “العمليات الأمامية”، لتعمل خارج الحدود إلى جانب قوات الحرس الثوري.

ومن جديد، إن الإعلانات الإيرانية الأخيرة بشأن إستراتيجية “الدفاع الأمامي” هي في الواقع مجرد امتداد لعملية بدأت منذ سنوات عديدة. الفرق الرئيس اليوم هو أن إيران قادرة الآن على مدّ يدها عبر وكلاء عرب على نطاق لم يسبق له مثيل، بفضل الفراغ الحاصل في السلطة في العديد من ساحات الصراع في الشرق الأوسط الكبير. إن العمليات الإيرانية في العراق وسوريا منذ الأعوام 2011 – 2014، على التوالي، هي الأمثلة الأفضل على هذا الواقع الجديد.

في هذا السياق، وبالنظر إلى التزامات طهران الأيديولوجية المستمرة، يلعب استخدام “نموذج الوكيل العربي” دورًا مهمًا بلا شك. يعتمد استمرار نجاح الحرس الثوري الإيراني في هذه الجهود على عاملين: رغبة الجماعات العربية في الاستمرار بالخضوع لأجندة الحرس الثوري، ومستوى تسامح الجمهور الإيراني مع مغامرات الحرس الثوري العابرة للحدود، برغم المخاطر والتكاليف المترتبة عليها.

وفي غضون ذلك، سيواصل الحرس الثوري الاحتفاظ٬ وربما تكرار المزيد من مجموعات الوكالة في العراق وسوريا وأماكن أخرى، عندما تستدعي الظروف ذلك. ولا شك في أن طهران ستواصل البحث عن طرق لتمويه صورتها كقوة شيعية، التي تحد من قدرتها على المناورة. وبالطبع، يمكن لها أن تحقق ذلك من خلال الحفاظ على علاقات وثيقة مع منظمات سنية مثل حماس. ومع ذلك، فإن اعتماد طهران على الجماعات الشيعية المسلحة هو الأساس في تحقيق أكبر عائد لاستثماراتها.

ومن أجل قياس مدى التزام المتشددين داخل النظام الإيراني بهذا النموذج من العمليات، يكفي أن نستمع إلى تعهدات رموز النظام العلنية. قال الممثل الشخصي لآية الله خامنئي في الحرس الثوري٬ مهندس خطط طهران الإقليمية، علي سعيدي: “الثورة الإسلامية في إيران لعام 1979 مختلفة عن الثورتين الفرنسية والروسية، لأنها ثورة دينية وإلهية، ومهندسها النهائي هو الله”. هؤلاء هم الرجال نفسهم الذين يقودون اليوم تدخلات إيران العسكرية في سوريا والعراق وأماكن أخرى في الشرق الأوسط.

 

الأيديولوجية مقابل الضغوط الدولية والوقائع السياسية المحلية

ليس الجميع في طهران -مثل خامنئي وسليمان وغيرهما من المتشددين- مقتنعين بالفائدة طويلة الأمد لنموذج الوكيل، كطريقة مستدامة لبسط القوة الإيرانية. فقد اندلعت اضطرابات اجتماعية وسياسية في إيران في الثامن والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2017، ركز المحتجون فيها على النخبة الحاكمة وطريقتها في تحديد أولويات إيران للسعي الأيديولوجي الأجنبي، وتفضيلها على الحاجات اليومية للسكان المحليين. في أعقاب ذلك، قد تضطر الدولة الإيرانية إلى إعادة تقييم تكلفة نموذج الوكيل للتخفيف من الضغوط الداخلية. لا ينبغي كذلك التقليل من شأن المخاوف الدولية المتزايدة، التي دفعت دولًا عدة إلى تخفيف أو قطع العلاقات مع طهران٬ بعد رفضها كبح التمدد الشيعي في الشرق الأوسط.

وبرغم هذه الضغوط، يرى الخامنئي أن استثمارات طهران الأيديولوجية والمالية في وكلائها العرب لا تنفصل عن نزاع إيران الطويل مع الولايات المتحدة. وبالتالي، ليست هناك فرصة لتقديم تنازلات في هذا الشأن، لأن الهدف الجوهري لواشنطن هو الإطاحة بالنظام في طهران، حسب تعبير خامنئي. وبناء عليه، شدد خامنئي على ضرورة أن تظل إيران “دولة ثورية” تتحدى السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، عبر وكلاء عرب. ومن أجل تعزيز هذا المنظور، قامت طهران بتصنيف الدول المنافسة، مثل السعودية، ضمن قائمة “دول المدار الأمريكي”.

وفي هذا السياق، لا بد من النظر في دعم إيران المستمر لوكلائها العرب. في الحقيقة، الجمهورية الإسلامية لا ترى أن علاقاتها مع المجموعات المتشددة الأقل مستوى غاية في حد ذاتها، بل آلية للدفع بأجندة طهران الأوسع في منافستها محتدمة مع جيرانها. ومن هذا المنطلق، ومن أجل مواجهة الضغوط الشعبية الداخلية والخارجية، أدرك خامنئي أن أفضل أسلوب هو نشر “الأيديولوجية الثورية” التي تمثل “الإسلام الأصيل” مقابل ما يسمى “الإسلام الأمريكي”. وحسب كلمات خامنئي، ينقسم الإسلام الأمريكي إلى “إسلام رجعي” و”إسلام علماني”.

وفي قاموس خامنئي، يمكن تطبيق التسميتين بشكل متبادل على جميع خصوم طهران المحليين والخارجيين، بما فيهم الدول المجاورة، “التي اتخذت نهجًا مختلفًا في تطبيق الإسلام” حسب وصف الزعيم الإيراني. ولهذا، يجري بناء الدعاية الإعلامية الإيرانية على أن “الدول العربية الخليجية الغنية بالنفط مغرورة ومتواطئة مع السياسات الأمريكية بهدف إخضاع العالم الإسلامي”٬ وهذا هو الحجر الأساس في نشر الأيديولوجية الإيرانية إلى الدول العربية المجاورة، لا سيما عند تجنيد مجموعات عسكرية ووكلاء مقاتلين. وفي الوقت ذاته، يمكن استخدام هذا التصنيف الإيراني كذريعة أمام الجمهور الشيعي والسني لتبرير سياسة التدخل العابر للحدود.

وبهذا المعنى، فإن دعم خامنئي الكامل لاستخدام وكلاء عرب للحصول على النفوذ في مناطق النزاع، مثل سوريا والعراق، ضد الولايات المتحدة وحلفائها مثل السعودية، هو امتداد منطقي لإستراتيجية الدفاع عن “الإسلام الأصيل” الذي تقوده إيران.

قال خامنئي في خطابه بتاريخ 4 حزيران/يونيو 2017: “أميركا هي عدو الثورة الإيرانية، والإمبريالية العالمية تظهر عداوة شديدة لفِكر الثورة. إن مصالحهم مختلفة بنسبة 180 درجة عن مصالح إيران. الإمبريالية العالمية تظهر الغدر، وتشن الحروب، وتُنشئ جماعات إرهابية، وتقمع المجموعات الساعية إلى الحرية في دول مثل فلسطين. هذه هي طبيعة الإمبريالية العالمية”.

عند قراءة هكذا تصريح، ينبغي إدراك الحقيقة التالية: يتحدث خامنئي بصوت عال ضد الولايات المتحدة، لكنه حريص على تجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن، والهدف من ذلك، هو إرسال رسالة حول ضرورة التنافس على السلطة “ضد الولايات المتحدة” في العالم الإسلامي.

في أول خطاب رئيس بعد انطلاق الربيع العربي، قال خامنئي بتاريخ 21 شباط / فبراير 2011، إن هنالك اثنين من الحلول لحل مشاكل العالم الإسلامي: “الوحدة بين الدول الإسلامية” و”إضعاف المحور الأمريكي” باعتبارهما ركيزتين نحو “مستقبل الأمة اللامع”. في الحقيقة، هنالك عشرات الأمثلة حول رسائل طهران الهادفة إلى تعزيز ما تسميه “محور المقاومة”، الذي يتطلب بدوره “تشكيل مجموعات عربية” تابعة لإيران “في مواجهة الولايات المتحدة والدول العربية الحليفة لها”.

 

المصادر:

  1. مركز أبحاث “ميدل إيست انستيتوت” الأمريكي
  2. رابط الدراسة – نسخة PDF

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة