الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

دراسة تقتفي أثر “جمعية الشبان المسلمين” وراهن استهدافها أجيال المستقبل

باحث مغربي يستعرض في دراسة -نشرها مركز تريندز للبحوث والاستشارات- ظروف نشأة وتأسيس جمعية الشبان المسلمين وأواصر علاقتها مع التنظيم الأم في مصر

المغرب- حسن الأشرف

في دراسة جديدة نشرها مركز “تريندز للبحوث والاستشارات”، سبر الباحث المغربي المتخصص في الشؤون السياسية والحركات الإسلامية، الدكتور محمد بوشيخي، أغوار التحولات التي طبعت مسار ومرجعية “جمعية الشبان المسلمين”.

واستعرض بوشيخي، في الدراسة المذكورة، ظروف نشأة وتأسيس الجمعية، وبسط البعد السياسي الذي يسِم هوية هذه الجمعية، قبل أن يناقش العلاقة بين الجمعية الأم في مصر وبين شُعبها في بلدان الخارج، لينتهي إلى النبش في راهن التنظيم وآفاق المستقبل.

مقر “جمعية الشبان المسلمين”

النشأة والتحدي

انطلقت دراسة بوشيخي من نشأة وتأسيس جمعية الشبان المسلمين في العاصمة المصرية عام 1927 (1346هـ)، لتكون تعبيراً عملياً لما راود الشيخ محمد رشيد رضا، بشأن إنشاء جمعية تحاكي تجربة “جمعية الشبان المسيحيين” التي كان من المعجبين بها.

وكانت غاية محمد رشيد رضا أن تكون هذه الجمعية الوليدة عامل جذب للنخب المستنيرة بغية التوحد لمواجهة الاستعمار الأجنبي؛ ولكن أيضاً للنأي بالمجتمع الإسلامي عن تداعيات ومخاطر التغريب.

وطرح الباحث عدداً من التحديات التي تعترض “مشروع المجتمع” الذي تسعى الجمعية إلى تحقيقه؛ لكنه توقف عند تحديَّين اثنَين رئيسيَّين؛ الأول التحدي المرتبط بالأيديولوجيا، والثاني يتعلق بما هو سياسي.

اقرأ أيضاً: “الإخوان المسلمون في العالم العربي.. مظاهر الأفول ومحاولات البقاء”

أما التحدي الأيديولوجي فمرده، وَفق بوشيخي، إلى كون بناء هوية جديدة للجمعية تخالف مرجعية الإسلام السياسي، كما تريد قيادتها، يفترض طرح خطاب جديد يتأسس على القيم الكونية وينتظم في إطار مشروع نقدي للتراث.

والتحدي السياسي يرتكز على “ضبط التمايز بين القناعات السياسية لأعضاء الجمعية؛ خصوصاً مسيّـِريها والمسؤولين عنها ومشروع الجمعية الذي يُراد له أن يكون جامعاً ودولياً”.

وبعد أن تحول اسم “جمعية الشبان المسلمين” إلى “هيئة الشبان العالمية” سنة 2019، في إشارة إلى تطورها من جمعية إلى هيئة، وأيضاً من طائفة “المسلمين” إلى ركاب “العالمية”؛ فإن هذا التنظيم بات مطالباً ببث حركية جديدة في برامجه وأنشطته وهويته، لتناسب الدولة الحديثة وما تواجهه من أعاصير واضطرابات وتحديات فكرية وهوياتية وقيمية وعولماتية.

تحول اسم الجمعية إلى “هيئة الشبان العالمية”

الهيمنة الثقافية

في ماذا تختلف جمعية الشبان المسلمين عن جمعية الإخوان المسلمين بالنظر إلى اختلاف الأهداف والغايات ووسائل العمل والتأثير؟

سؤال تجيب عنه دراسة بوشيخي بالتأكيد أن جمعية الشبان المسلمين، بخلاف الإخوان المسلمين، كانت تستهدف أساساً الهيمنة الثقافية على المجتمع.

ومن هذا المنطلق، يوضح الباحث المغربي، احتضنت جمعية “الشبان المسلمين” ضمن نخبتها القيادية كما ضمن كوادرها وقواعدها شخصيات فكرية وسياسية محسوبة على تشكيلات حزبية وحساسيات ثقافية مختلفة، ولا تجعل من الإسلام مرجعيتها الأيديولوجية وإن كانت تتقاطع مع هذه المرجعية على مستوى القيم الوطنية والقومية والإسلامية العامة.

اقرأ أيضًا: خلافات جماعة الإخوان الداخلية هل تنذر باقتراب النهاية؟

طموح التوسع الخارجي كان حاضراً في استراتيجية هذه الجمعية، بل كان مخططاً له في بدايات التأسيس، وهنا تفيد الدراسة الجديدة أن هذا التنظيم أحدث فروعاً خارج حدود مصر؛ منها 20 فرعاً في فلسطين، وفروعاً أخرى في دمشق والهند والباكستان والبوسنة وأوروبا، حتى قدر عدد أعضائها بمليون عضو، وَفق المقتضيات التنظيمية المنصوص عليها في قانونها الأساسي.

القطيعة مع الفكر المتطرف

وعند مناقشة مسارات واختيارات النخبة القيادية الحالية لجمعية الشبان المسلمين، توقفت الدراسة عند ما سمَّته “إعادة التعريف” للهوية الفكرية للجمعية من خلال تأكيد بُعدين أساسيَّين.

البُعد الأول، حسب بوشيخي، بُعد هيكلي عبر تعزيز ارتباط الجمعيات المحلية بمركزها العام، والثاني بُعد فكري عبر تزويدها بمرجعية نظرية جامعة وتجنيبها تبنِّي مواقف صدامية مع الدولة.

وبالإضافة إلى الأحكام القضائية التي أربكت عمل عدد من فروع الجمعية منذ سنة 2007، برزت إشكالية علاقة المركز العام بالفروع “التي لم يكن بالإمكان حسمها بالنصوص القانونية وحدها”.

انطلقت دراسة بوشيخي من نشأة وتأسيس جمعية الشبان المسلمين في العاصمة المصرية عام 1927

ووصفت الدراسة هذه العلاقة بكونها “تعرضت إلى التمييع بسبب تناقض الرغبات الشخصية لقيادات الجمعيات المحلية، فضلاً عن عدم توافقها الأيديولوجي وتشتت الميولات الفكرية لأعضائها دون وجود إطار ضابط لمرجعيتها النظرية واختياراتها السياسية”.

والنتيجة، حسب صاحب الدراسة، أن المركز العام للجمعية فقد سيطرته على الفروع؛ خصوصاً أن الأحداث التي شهدتها مصر غداة ما عرف بثورات الربيع العربي أسهمت في تبيان الفرز الأيديولوجي والسياسي بين هذه الفروع.

وظهرت تبعاً لذلك 3 “تيارات” داخل فروع الجمعية؛ الأول يتمثل في فروع انحازت صراحةً إلى جماعة “الإخوان المسلمين”، وهي فروع طالها قرار تجميد الأموال، والثاني فروع ناصبت العداء لأطروحات الإسلام السياسي، بينما الثالث فروع اختارت الابتعاد عن التدخل في الشأن السياسي، والإبقاء على العمل الاجتماعي.

اقرأ أيضًا: وسط اتهامات متبادلة.. تصاعد الأزمة داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر

هذا الواقع، حسب بوشيخي، دفع القيادة الجديدة الحالية للجمعية إلى البحث عن استعادة سيطرتها على الجمعيات المحلية وربطها بالخط العام للجمعية الأم، الشيء الذي عزز إرادة القطيعة مع مختلف توجهات “الإسلام السياسي”.

إكراهات وخلاصات

وتطرقت دراسة بوشيخي إلى عدد من الإكراهات التي تواجه الجمعية؛ أولها غياب التوافق حول رؤية مرجعية، وثانيها أنها لا تحظى بمتابعة إعلامية جديرة بتاريخها وليس لها موقع رسمي ولا تتوفر على تنظيم هيكلي مركزي واضح المعالم، وما زالت تُقدَّم في أحيان كثيرة في وسائل الإعلام باسم “جمعيات الشبان المسلمين”.

اقرأ أيضاً: كيف نجحت مصر في إحباط محاولة إنعاش اقتصادية لتنظيم الإخوان؟

والثالث، مشكلة التمويل للنهوض بمهام الجمعية، بينما الإكراه الرابع هو اختراق تيارات وتوجهات سياسية للجمعية؛ بل إن رئيسها أحمد الفضالي، يترأس حزب السلام الديمقراطي، وكانت له النية في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في عام 2018.

وخلصت الدراسة ذاتها إلى أن الطموح إلى تبوؤ الجمعية موقع القيادة والريادة في داخل البلد وخارجه يستلزم استعادة لحظة التأسيس الأولى، لحظة رشيد رضا ومحب الدين الخطيب؛ ليس لاستيعاب شروط النجاح متمثلة في إشهار مرجعية شاملة تكون جامعةً لنخب المجتمع وقواه الحية فقط، وإنما لتفادي عوامل الفشل التي كان من أهمها غياب “مشروع مجتمع” ينشد النهضة في سياق التفاعل مع منتجات الفكر الحداثي أيضاً.

ثورات الربيع العربي هزت الجمعية- (صورة: رويترز)

ولفتت الدراسة إلى أن طرح “مشروع مجتمع” من طرف الجمعية، وإن كان مبرراً بالمرحلة الانتقالية التي تعيشها غالبية دول المنطقة غداة ما عُرف بثورات الربيع العربي، فإنه يبقى عرضة لجملة تحديات؛ يأتي على رأسها التحدي الأيديولوجي، علاوةً على ضرورة الملاءمة بين إملاءات التراث وإغراءات الحداثة.

ولعل أفضل ما ختم به بوشيخي دراسته المتقنة، قوله إن “السياسة عندما ترتهن لمشروع حزبي أوحد وتلتزم بموقف أيديولوجي حصري، ينتهي بها المطاف إلى قتل سُنّة التعدد وجعل الاختلاف في الرأي مدخلاً للخلاف في المبدأ ومبرر الوجود”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي