الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

دراسة بحثية: تنامي القلق من نفوذ التيارين السلفيين الجهادي والسياسي في هولندا

المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي: المجال الجغرافي المتاح للسلفيين الراديكاليين لا يزال مجهول الهوية لأجهزة الأمن الهولندية

كيوبوست

كشفت ورقةٌ بحثية صادرة عن مركز دراسات هولندي مختص بالإرهاب، حالةً من تنامي القلق تجاه النفوذ السياسي والجهادي للتيار السلفي داخل هولندا، باعتباره موضوعاً رئيساً يثير قلق أجهزة الأمن الهولندية.

الدراسة التي أعدَّها الباحثان في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب – لاهاي (ICCT)، ليزلوت ويلتن وطاهر عباس، خلصت بأن المجال الجغرافي المتاح للسلفيين الراديكاليين لا يزال مجهول الهوية لأجهزة الأمن الهولندية، في ظلِّ عدم وجود سياسات تهدف إلى ثني أنشطتهم، ومنع هيمنتهم القوية على شبكة الإنترنت، التي أوجدت للسلفيين المتطرفين طريقاً لتجنيد أتباعهم بطريقةٍ غير القابلة للكشف.

اقرأ أيضاً:  فيروسات التكفير والتطرف تنبعث في زمن “كورونا” بالمغرب 

الباحثان اعتمدا في إعداد الورقة، طريقةَ البحث الاستكشافي عبر إجراء مقابلاتٍ مع 15 خبيراً من أفراد الجالية المسلمة الهولندية، أشاروا إلى العديد من أوجه القصور في طرق معالجة تمدد السلفية في المجتمع الهولندي، بسبب الاضطرار إلى تحمل عواقب سياسات التدخل الحكومية والأمنية التي فشلت حتى الآن في كبح صعود السلفية في البلاد.

ارتباك وعزلة

وتطرقتِ الورقة البحثية إلى أن الاستخدام غير المنطقي للتعريفات المختلفة للجماعات الإسلامية، وخصوصاً السلفية منها، أدى إلى تعميم السلفية، واعتبارها كما لو كانت فكراً واحداً؛ الأمر الذي أدَّى إلى زيادة الارتباك والعزلة بين أتباع الإسلام الآخرين، كما أدى التمييز داخل فروع السلفية نفسها إلى شعور الشباب المسلم بعدم الرضا الناتج عن ذلك الاستخدام غير المنطقي للتعريفات، الأمر الذي يتطلب العمل على إزالة هذا اللبس من المجتمع الهولندي.

فواز جنيد أحد قيادات السلفية في هولندا- المصدر مواقع تواصل اجتماعي “فيسبوك”

وتكشف الورقة أنه، ووفقًا للتفكير الأكاديمي التقليدي، تمثِّل السلفية حركة إصلاحية سواد الإسلام السني، وأن الأتباع يفسرون الإيمان وفقاً لكيفية تفعيله وتفسيره في الأجيال الثلاثة الأولى من التاريخ الإسلامي. وبالتالي، فإن السلفية تمثل الشكل التقليدي من الإسلام السني، حيث مفهوم التوحيد أساسي. ويعني التوحيد تفرد الله وحده بالعبادة، ودور السلفي إزالة أي ذاتية أثناء تفسير وصايا الله، وهو ما يجعل مثلَ هذا التفسير حرفياً للقرآن، ويلغي جانب التعددية في الإسلام.

وفي الفترات الأخيرة، اكتسب المفهوم سمعةً سيئة بسبب ارتباطاته مع التطرف، وفي بعض الحالات، التطرف العنيف بين المسلمين في أوروبا، وأن هذا التيار الخاص داخل الدين يهدف إلى “تطهير الإسلام مما يسمى بتراكماتٍ دخيلة على الإسلام، والعيش بأسلوب حياة يتضمن مجموعة من الأخلاق والقيم الفكرية المشتقة من فكرة الإسلام الخالص. ومع ذلك، فإن السلفية ليست وجهة نظر فردية أو موحدة؛ إذ يرى التفكير الاجتماعي المعاصر أنه يجب تقسيم السلفية إلى ثلاثِ مجموعات: السلفيون غير السياسيين أو السلفيون الأصوليون، والسلفيون السياسيون، والسلفيون الجهاديون، وأن التفريقَ بين مختلف فروع السلفية أمرٌ حيوي لتحديد الخصائص التفصيلية لهذا المشهد.

اقرأ أيضاً: كيف غزت الإسلاموية الضواحي الشعبية في باريس وبروكسل؟ 

فأما السلفية غير السياسية أو التقليدية -بحسب الورقة- فهي التيار الذي يتسم بالتعمق، ويشدد على تعليم المسلمين من حيث العيش بأسلوب حياة رصين وفق المبادئ الأساسية للإسلام السني بدون استخدام العنف. في حين أن السلفيين السياسيين منخرطون في المجال السياسي لحشد النفوذ لصالحهم، إذ المشاركة في السياسة إلزامية، وجزء من هذه العقيدة التي تشكلت حديثًا.

ويهدف السلفيون السياسيون لإشراك أنفسهم في المجال السياسي، و”الاحتراف” في الدعوة الأيديولوجية، وتجميع الأتباع والتكاثر، بدلاً من البقاء ضمن معاقل المجتمع الإسلامي. الأمر الذي يجعل السلفيين السياسيين يولون المشاركةَ الاجتماعية، والوصولَ إلى جمهورٍ أوسع لزيادة مريديها، وبسط تأثيرها، يولونها الاهتمامَ الأكبر. لكن السلفية الجهادية تنطوي على دعوةٍ هادفة إلى العنف والقتال. وقد قاد الصعود السريع للسلفية الجهادية بعد عام 2011 محللي السياسة والباحثين والمختصين بالشؤون الأمنية إلى تحليل تعميمي للسلفية، والاعتقاد بعدم وجود تمايز فيما يتعلق بالسلفية، متجاهلاً هذا التحليل التعقيدات العديدة بينها وداخل فروعها، الأمر الذي يسهم في إحداث إشكال في المعالجات الأمنية.

معرض للملابس الإسلامية في متحف أمستردام التاريخي- المصدر RT الروسية

تحرك مدروس

وتتحرك الجماعات السلفية في هولندا -بحسب الورقة البحثية- تحركاً دقيقاً ومدروساً، فبعض أفرادها يقوم بعملية الاستقطاب، والبعض الآخر يقوم بعملية غسل الدماغ، وآخرون يتولون عملية التمويل.

كما أشارت الورقة الى أن الجماعات السلفية في هولندا تقوم باستغلال كل الوسائل لاستقطاب الشباب المسلم إلى صفوفهم كدور العبادة، والقيام بتحضيرهم ليسافروا كجهاديين إلى مناطق الصراع، وبالتالي يصبح تعقب أفراد تلك الجماعات من قبل أجهزة الأمن الهولندبة أكثر صعوبة.

اقرأ أيضاً: هولندا.. المهاجرون في مرمى نيران حزب يميني متطرف

وترى الورقة أن امتلاك السلفية العديد من المراكز الإسلامية والمساجد الخاضعة لسيطرتها في هولندا، يعكس مدى تغلغلها داخل المجتمع الهولندى لكسب النفوذ والتأثير بين أفراده، الأمر الذي يشكل تهديداً مباشراً على الأمن القومي لا سيما في تهيئة أرضية خصبة للتطرف والاستقطاب العنيف داخل المجتمع الهولندى.

وأوصت الورقة البحثية بعدم الاستهانة بالخبرات التقنية التى تستخدمها الجماعات السلفية، فضلاً عن تعزيز التعاون مع شركات “فيسبوك” و”تويتر” و”جوجل” و”يوتيوب” للإسراع في حذف المحتوى المتطرف الذي يروج للسلفيات الجهادية أو السياسية، ووضع آليات متطورة لمراقبة العناصر المتطرفة، وتصنيف العناصر المتطرفة حسب خطورتهم، والانتباه للثغرات الأمنية التي تواجهها هولندا، ونقاط الضعف في سياسة مكافحة التطرف الهولندية.

المخرج الهولندي ثيو فان جوخ (الفرنسية)

ويلعب المجندون السلفيون المتطرفون -بحسب الورقة- على نقاط الضعف القائمة التي يواجهها الشباب مثل توظيف وجود فراغ في رأس المال الاجتماعي بدلاً من القناعة الدينية، خاصة وأن للسلفيين الراديكاليين طرقاً متعددة لاكتساب المزيد من المتابعين على نطاقٍ واسع، وتعزيز الصداقات، وخلق قواسم مشتركة فيما بينهم.

وأكد القائمون على الدراسة ضرورة أن يكون للسياسات المستقبلية التي تنتهجها الحكومة الهولندية تأثيرٌ إيجابي، من خلال توزيع عادل للحقوق والحرية المطبقة على جميع أفراد المجتمع بتياراته كافة، مع مواصلة الأجهزة الأمنية جهودها وحربها ضد التطرف.

اقرأ أيضًا: ممارسات الإخوان المتشددة في هولندا: كيف بدأت؟ وما نتائجها؟

مفاهيم خاطئة

كما يكشف التحليل الاستكشافي أيضًا عن مجموعةٍ من المفاهيم الخاطئة الموجودة حاليًا بخصوص ظاهرة السلفية، مردُّها إلى تصريحات الشخصيات السياسية العامة، والتعاريف المختلفة المستخدمة في المنشورات الحكومية، الأمر الذي أدى إلى حدوث تركيز غير متناسب عند المسلمين الهولنديين العاديين، ونتيجة لذلك أشارات الورقة البحثية إلى أن فرض منظور الإسلاموفوبيا قلَّل من قدرة المسلمين الهولنديين على التعاون مع سلطات الأمن، الأمر الذي أدى الى إضفاء الطابع الأمني على السلفية ككل إلى الهولنديين المسلم.

محمد بويري (DW)

واستعرضت الورقة خصائص السلفية في هولندا والتي تميزت بتحولٍ ملحوظ في عام 2004، بعد اغتيال المخرج الهولندي ثيو فان جوخ على يد محمد بويري بحجة الدفاع عن الإسلام، الأمر الذي أحدث تغييراً في طريقة تعاطي الدولة مع خطر السلفية التي تحولت على ما يبدو إلى خطرة، لتتربع أهميتها على رأس القائمة لأجهزة الأمن الهولندية، كما دفع الاغتيال المجتمع الهولندي للرد بغضب، حيث أصبح الخطاب المعادي للإسلام بين النقاشات الوطنية أمراً مألوفاً.

اقرأ أيضاً:  ألمانيا تدق ناقوس الخطر: الجهاديون واليمين المتطرف معًا! 

وبحسب الورقة البحثية، فإن عدم الارتياح للوجود السلفي لم يترك أمام أجهزة الأمن الهولندية أي خيار سوى المشاركة في مكافحة مخاطر السلفية، وهذا الأمر يعني أن إضفاء الطابع الأمني على الإسلام الراديكالي أصبح الوضع الطبيعي الجديد، من خلال تعزيز تدابير مختلفة مثل المراقبة، وإنفاذ سياسات تحسين وسائل الكشف الحالية، وتحسين المعلومات الاستباقية تجاه اتباع التيار السلفي في هولندا.

وتطرقتِ الورقة في ختامها الى التدابير الأمنية الوقائية ضد السلفية، مثل إنشاء “كتيب الواجهة”، وهو “كاتالوج إرشادات”، يجسِّد حالة القلق المحيط بإخفاء السلفية المتطرفة في المجتمع، ويتضمن الكتيب إعداد قائمة عامة بالمنظمات السلفية النشطة، وتوجيه رسالة واضحة للدول غير الحرة لوقف تمويل السلفية في هولندا، وحظر دخول السلفيين في مراكز اللجوء، ومنع أي علاقات حكومية مع المؤسسات السلفية المعروفة، ومنع الدعاة السلفيين من دخول هولندا، وإجراء بحثٍ لاكتشاف التنظيمات السلفية التي تتعارض مع النظام العام، ومنع منتسبي تنظيم الدفاع والأمن من الانتماء لأي شكلٍ من أشكال السلفية، ووقف أي استثمارات للمساجد قادمة من دول خارجية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة