الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الصحافة التركية بين التحريض والترويج لنظرية المؤامرة

كيوبوست

باتت السيطرة على منصات الإعلام التركي من قِبَل الحكومة التركية سيطرة شبه تامة. ووَفقًا لتحليل مطول للصحفي بول إيدون، نُشر في موقع “عين أوروبية على التطرف”، فإن التقديرات تشير إلى أن 90% من وسائل الإعلام في تركيا مؤيدة للحكومة، والغالبية العظمى منها تخضع لسيطرة أفراد أو منظمات موالية للحكومة التركية بطريقة أو بأخرى. وفي المقابل، تم عمليًّا إزاحة وسائل الإعلام المستقلة، إلى جانب ذلك أصبحت التقديرات تشير إلى أن تركيا لديها أكبر عدد من الصحفيين في السجون في العالم.

وشهدت السنوات الأخيرة عمليات شراء من قِبَل الأذرع الحكومية لعدد من المنصات الإعلامية، كان آخرها ما تم في أوائل عام 2018؛ حيث اشترت شركة “ديميرورن القابضة” التركية مجموعة “دوغان” الإعلامية. وبذلك استولت مجموعة مؤيدة لأردوغان على قناة “سي إن إن” التركية، وصحيفة “حرييت ديلي نيوز” التي كانت تحظى بالاحترام من قبل.

ولا تكمن الإشكالية في الهيمنة الحكومية على منصات الإعلام فقط؛ بل تتبلور الأزمة في استغلال هذه المنصات لتبنِّي خطاب تحريضي ومحتوى متطرف. ويشرح إيدون كيف تحولت هذه المنصات الإعلامية التركية إلى تبني خطاب يتسم بالعداء الشديد للولايات المتحدة الأمريكية والغرب بشكل عام؛ بشكل يجعل الإعلام التركي في طريقه إلى أن يصبح أكبر مصدر للمحتوى المتطرف. وفي ظل دور تركيا التاريخي، باعتبارها الدولة القيادية في محيطها، وتأثيرها الثقافي القوي على العالم العربي، والجاليات التركية الضخمة في الخارج، فقد يؤثر هذا المحتوى سلبيًّا على الشرق الأوسط الأوسع وأوروبا؛ بل وأبعد من ذلك. وأخذًا في الاعتبار إيواء تركيا جماعات من أمثال الإخوان المسلمين الذين تم طردهم من مصر عقب الثورة، وتوفيرها لهم منصات لبثّ مواد دعائية وتحريضية؛ فإن الخطر يتزايد بصورة لا يمكن التغاضي عنها. ويطالب التحليل بأن يصبح هذا الأمر قضية في العلاقات الغربية مع تركيا.

اقرأ أيضًا: الصحافة التركية بين التحريض والترويج لنظريات المؤامرة

يورد التحليل أمثلة عديدة كنماذج للخطاب التحريضي، فقد ألمح أحد المعلقين المؤيدين للحكومة التركية إلى أن الولايات المتحدة ستعاني أحداثًا شبيهة بأحداث 11 سبتمبر إذا ما واصلت إساءة معاملة تركيا. وكتب عبد الرحمن ديليباك في صحيفة “يني أكيت” اليومية الإسلامية الموالية للحكومة، بحماس بالغ: “يجب أن نتوقع أنه إذا استمرت التوترات مع الولايات المتحدة على هذا النحو، فإن حدوث 11 سبتمبر أخرى ليس احتمالًا مستبعدًا”. هذه ليست كتابات بعض المجموعات الهامشية من المؤمنين بنظريات المؤامرة أو المتعصبين لها. هذه مواقف الصحفيين الذين لديهم كبرى المنصات الإعلامية.

ومن نماذج ذلك ما ينشره إبراهيم كاراغول صاحب العمود الرئيسي في “يني شفق”، الذي دأب على وصف الولايات المتحدة بأنها: “دولة معادية تُشكل تهديدًا خطيرًا لوجود بلادنا ووحدتها وسلامتها وحاضرها ومستقبلها”. كما يؤكد، مرارًا وتكرارًا، أن الولايات المتحدة كانت وراء محاولة الانقلاب التي جَرَت في 15 يوليو 2016 في تركيا؛ وبالتالي يدعو إلى طرد الأمريكيين من قاعدة “إنجيرليك” الجوية ذات الأهمية الاستراتيجية في مقاطعة أضنة جنوب شرق تركيا. وكتب كاراغول: “يتم التحكم في حزب العمال الكردستاني و(داعش) من هناك”، مضيفًا: “إن كل وجود عسكري أمريكي في بلدنا، وعلى أرضنا، يشكل تهديدًا لتركيا”. ثم ذهب كاراغول إلى القول: “إذا لم يتم ذلك، أو لا يمكن القيام به، سيأتي وقت يحيط فيه الآلاف من الأشخاص بقاعدة إنجيرليك ويحاصرونها. وعندما يحين الوقت لا يمكن لأحد أن يمنع هذه الأمة من محاصرة الوحدات العسكرية الأجنبية؛ لأن هذا الغضب لا يمكن وقفه أو السيطرة عليه”.

اقرأ أيضًا: كيف يتخلص أردوغان من النخبة الفكرية في تركيا؟ (فيديوغراف)

غلاف رواية العاصفة المعدنية

خلال الانتخابات الوطنية التي جَرَت في يونيو 2018، خصصت وسائل الإعلام في دوغان، بشكل جماعي تقريبًا، تغطيات إعلامية لأردوغان وحزبه لمهاجمة المعارضة أو تشويهها أو تجاهلها ببساطة. وفي إحدى المرات، قطعت شبكة “سي إن إن” التركية، بثًّا حيًّا لشخصية معارضة في الانتخابات المحلية في إسطنبول؛ من أجل بث خطاب للرئيس أردوغان.

اللافت أن الإعلام التركي المحرض لا يقتصر على الصحف والقنوات التليفزيونية بل يمتد أيضًا إلى مجال الروايات والأعمال التليفزيونية. ويبدو الأمر قديًما ويعود إلى سنوات عدة مضت؛ فقد اكتسبت رواية تركية بعنوان “العاصفة المعدنية” شعبية كبيرة في تركيا في عام 2004. تناولت الرواية غزوًا أمريكيًّا لتركيا دحرته المقاومة التركية في نهاية المطاف، بمساعدة من قوى خارجية. وفي جزء من الرواية، يدمِّر عميل تركي واشنطن العاصمة بسلاح نووي، يؤدي إلى مقتل الملايين من الأشخاص. وفي حين أنه قد تم بيع الكتاب بوضوح كـ”رواية”؛ فإن فرضيته “دخلت الخطاب العام التركي بطريقة يبدو أحيانًا أنها تطمس الخط الفاصل بين الخيال والواقع”. علاوة على ذلك، يحكي الفيلم التركي “وادي الذئاب.. العراق” الذي أُنتج عام 2006، قصة قوات كوماندوز تركية تتسلل إلى كردستان العراق؛ للانتقام، حيث صوَّر الفيلم الجنود الأمريكيين على أنهم جزّارون باردون للمدنيين العراقيين وأشرار. في هذا السياق أيضًا، اتّبع الفيلم التركي “وادي الذئاب.. فلسطين”، الذي عُرض في عام 2011، خطًّا مشابهًا جدًّا لما سبق، إلا أن الأشرار هذه المرة هم قوات الكوماندوز الإسرائيلية المتورطة في الإغارة على سفينة “مافي مرمرة”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة