الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دولية

دبلوماسية الجباية.. أردوغان يستنزف الدوحة مجدداً

الأكيد أن الزيارة لم تكن سوى مهمة سريعة لجمع الإتاوات التي يرى العثمانيون أنهم يستحقونها في سبيل الحماية المتوهمة التي يقدمها نظام أنقرة إلى الدوحة

كيوبوست

الجباية، هي الكلمة التي يمكن لها أن تكثف الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى الدوحة، يوم الخميس الماضي، والتي بدت سريعة وصامتة، لا شيء فيها لافت للانتباه سوى الابتسامات المتبادلة وفلاشات الكاميرات وصمت مطبق حول أجندة الزيارة التي هللت لها الصحف التركية على اعتبار أنها الأولى للرئيس التركي خارج البلاد بعد جائحة كورونا، بعناوين تشبه “منحة الخليفة” التي أنعم بها على القطريين، بينما كان الجانب القطري يتحدث عن كليشيهات دبلوماسية باردة من قبيل العلاقات المتينة بين البلدين، والقضايا المشتركة، وهي عناوين فضفاضة تطرح الكثير من الأسئلة أكثر من كونها تقدم الإجابات.

اقرأ أيضًا: بعد أن تخلى عنه الجميع.. أردوغان في الدوحة بحثاً عن الدعم السياسي والمالي

الأكيد أن الزيارة لم تكن سوى مهمة سريعة لجمع الإتاوات التي يرى العثمانيون أنهم يستحقونها في سبيل الحماية المتوهمة التي يقدمها نظام أنقرة إلى الدوحة التي تعاني عقدة التغلب على محدودية الجغرافيا السياسية وطموحها العريض في لعب أدوار رعاية المعارضات السياسية والثورات النيئة، وصولاً إلى الجانب المظلم؛ وهو صناعة الفوضى والإرهاب وقطَّاع الطريق على عالم آمن بعيداً عن الأجندات الخفية، فضلاً عن التحول من دولة ذات سيادة إلى مجرد نظام كفّ عن الفعل السياسي والتأثير، مستبدلةً بذلك عالماً موازياً من الإعلام المضلل واللعب على مشاعر الجماهير الغاضبة والخانقة على الأوضاع المتردية في بلدانها في ما يشبه الشعبوية المتناقضة التي تجمع بين “حماس” وإسرائيل والإسلام السياسي، بأطيافه الشيعية والسُّنية وخصومها من اليسار والقوميين؛ ملالي الثورة الإيرانية جنباً إلى جنب مع أحلام الخليفة العثماني الجديد.

العلمان التركي والقطري

زيارة أردوغان القصيرة إلى قطر في ظل الوفد المرافق له؛ يتقدمهم وزير الخزانة الذي بقي بعد عودة الرئيس التركي، بالإضافة إلى مرافقيه المعتادين في المهمات التي تتخطى عتبة الدبلوماسية المعتادة؛ كصهره ووزير المالية والخزانة بيرات البيرق، ووزير الدفاع خلوصي أكار، ورئيس المخابرات هاكان فيدان، عكست أن المهمة ليست إلا مهمة جباية تقليدية تعيد إلى الأذهان ما كان العثمانيون يفعلونه إبان الإمبراطورية التي يحاول أردوغان استنباتها في غير زمانها، معتقداً أن التاريخ يمكن أن يُعيد نفسه عبر المغامرات العسكرية في عالم متحول وسريع حتى في طرائق الدول القوية للهيمنة دون تدخل مباشر؛ لكن المثير أيضاً أن إشارات قطرية جاءت من رئيس الوزراء القطري السابق المثير للجدل حمد بن جاسم، الذي بات نجم شباك المؤامرات التي تُدار في الأقبية المظلمة بعد مقطع القذافي الشهير في التآمر على السعودية، وتفيد تلك الإشارات أن تركيا أردوغان قد تكون بديلاً عن انسحاب أمريكي محتمل من قاعدة العديد الجوية أو على الأقل في ملء الفراغ ولعب دور الحماية في حال تقليص حجم القوات الأمريكية فيها.

تميم يستقبل أردوغان في الدوحة – وكالات

ورغم هذه الإشارات المتناقضة في تفسير توقيت وصمت الخرائب الذي أحاط بما تم فيها؛ فإن بيان وكالة الأنباء القطرية الرسمية تحدث بشكل فضفاض، مشيراً إلى أن الشيخ تميم ناقش مع أردوغان “العلاقات الاستراتيجية” بين البلدين وسُبل دعمها وتعزيزها في مختلف المجالات؛ خصوصاً التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري والطاقة والدفاع “بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الشقيقين”.

اقرأ أيضًا: من تركيا إلى قطر: شكرًا لتمويل العدوان على سوريا!

والأكيد أن لغة البيانات الرسمية هذه بما تشير إليه خارج منطوقها تؤكد تعزيز أدوار واستحقاقات الجباية والاستثمار والحماية للنظام القطري؛ وهي وإن كانت حماية أقرب ما تكون إلى الاستلاب للقرار السيادي، ستضغط على الدوحة كثيراً في ما يخص تمويل مغامرات أردوغان في تركيا وليبيا؛ وفي تصفية خصومه في الداخل، وهو ما سيزيد من الضغوطات الدولية على النظام القطري في ملف التدخلات السيادية ودعم الإرهاب والجماعات المتطرفة، إضافة إلى الضغوطات الملقاة على عاتق النظام بشأن ملفات حقوق العمالة المتردية؛ خصوصاً عقب جائحة كورونا، واتجاه دول العالم إلى تمتين علاقاتها بالداخل وجيرانها وتأمين حدودها والاستثمار في مواطنيها بعد أن نالت الجائحة من الطموحات التوسعية حتى في حدودها الاقتصادية، فضلاً عن يقظةٍ دولية تجاه الدور المتعاظم للميليشيات المسلحة، واحتمالية عودة التنظيمات الإرهابية؛ وعلى رأسها “داعش” و”القاعدة” وأخواتهما، وليس آخراً حالات التحول التي يعيشها عدد من الدول الأوروبية أو ما يُعرف بإعادة التقييم تجاه الإسلام السياسي؛ مما يعني بالضرورة في حالة تفاقم السلوك القطري اللا مسؤول إعادة تقييم وموضعة نظام قطر في ميزان الدول المسؤولة التي تحترم سيادة باقي الدول، فضلاً عن أن تتحول دولة مأزومة مهووسة بالمغايرة ولو عبر الفوضى ومد الأيادي وفتح الجيوب والحدود لمَن هب ودبّ.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة