الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

“دار الساقي”.. الستار يسدل على مقصد المثقفين العرب في المهجر

عملت دار الساقي كأداة وصل بين الثقافتين العربية والغربية وأصبحت مع الوقت أكبر مكتبة متخصصة بالكتب عن الشرق الأوسط في أوروبا

كيوبوست

في مقابلةٍ لها عام 2021م عبّرتْ مالكة ومديرة مكتبة دار الساقي في لندن، سلوى كسبار، عن رغبتها في “جذب عملاء جدد إلى المتجر وتذكيرهم بأن الثقافة العربية لا تقتصر على العنف السياسي!”، لكن ارتفاع التكاليف الناجمة عن التحديات الاقتصادية قوّضت رغبة كسبار، معلنة أن المكتبة ستغلق أبوابها للمرة الأخيرة يوم 31 ديسمبر 2022م.

وقالت كسبار إن “الوضع الاقتصادي في المملكة المتحدة ليس هو المشكلة الوحيدة… اعتدنا الحصول على كتبنا من الدول العربية، وقد أصبحت أغلى ثمناً”. وأضافت: “لا يمكننا الاستمرار هكذا. فالوضع ليس مستداماً”.

وغرّدت دار الساقي على حسابها على “تويتر” بقولها: “توديعاً لمكتبة لندن الشهيرة: دار الساقي للكتب تمثل حرية الفكر والتعبير والتنوع الثقافي والتعاطف مع جميع الشعوب… ستبقى كتب الساقي، والمكتبة دائماً في قلوبنا”.

التأسيس: عطشًا للثقافة العربية

تأسست دار الساقي من قبل الشيوعيين، المحامي اللبناني أندره كسبار، والكاتبة اللبنانية الراحلة مي غصوب، التي غادرت لبنان إبان الحرب الأهلية، إلى باريس لتلقي العلاج، بعد خسارتها عينها بعيارٍ ناري، خلال محاولتها إسعاف أحد الجرحى.

ومن باريس انتقلت غصوب إلى لندن برفقة صديق طفولتها أندره كسبار الذي هرب هو الآخر من ويلات الحرب الأهلية، وفي لندن تفاجأ الرفيقان بعدم وجود مكتبة تبيع كتباً عربية، فقررا تدشين مكتبة تُعنى بالإنتاج الثقافي العربي.

مؤسسا دار الساقي: الكاتبة الراحلة مي غصوب والمحامي اللبناني أندره كسبار

ونظرًا للعطش الثقافي الذي تعرض له الصديقان نتيجة غياب الكتاب العربي في لندن حينها، أطلقا على المكتبة “دار الساقي”، وبهذا الخصوص قالت سلوى كسبار زوجة أندره، والتي انضمت إلى المشروع لاحقاً: “كنا جائعين لثقافتنا الخاصة.. كنا نروي عطشنا للحياة والثقافة التي تركناها وراءنا، والتي دمرتها الحرب”، وهذا يفسّر أيضاً شعار المكتبة، وهو عبارة عن رجل يحمل على ظهره قِربة ماء، وينحني ليسكب الماء لطفلين.

شعار دار الساقي- Saqi Books

وافتُتحت المكتبة عام 1979م في شارع وستبورن غروف الحيوي في حي بايزوتر في لندن، وكانت المكتبة مقصداً للقراء العرب في لندن والسياح من عدة دول عربية، الذين بحثوا في دار الساقي عن كتب محظورة في بلادهم، كما كانت المكتبة إلى جانب معرض الكوفة المجاور للمكتبة، لصاحبه المهندس المعماري العراقي محمد مكية، نقطة التقاء للمثقفين العرب في المنفى.

توسيع عمل المكتبة

وعملت دار الساقي كأداة وصل بين الثقافتين العربية والغربية، وأصبحت مع الوقت أكبر مكتبة متخصصة بالكتب عن الشرق الأوسط في أوروبا، وهذا ما عبّرت عنه عبر موقعها الإلكتروني في خانة التعريف، قائلة: “تسعى الساقي إلى أن تكون جسراً بين الثقافتين الغربية والعربية من أجل تشجيع الحوار والنقاش بينهما، والتعريف بالثقافة الغربية، وتقديمها إلى القرّاء العرب، وأيضاً إطْلاع الغرب على قضايا تهمّ المجتمع العربي”، لذلك أنشأ القائمون على المكتبة فرعاً فيها للكتب باللغة الإنكليزية المتعلقة بالشرق الأوسط عام 1982م، وفي العام التالي أسسوا دار نشر تحت اسم “SAQI BOOKS”.

مكتبة دار الساقي من الداخل- Saqi Books

وفي 1987م، بدأت دار الساقي النشر بالعربية، ومن أوائل الكتب التي نشرتها الدار “ما وراء الحجاب” لعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي، و”الحروب الصليبية في عيون العرب” للكاتب اللبناني أمين معلوف.

اقرأ أيضاً: “كيوبوست” يحاور القائم على مكتبة الموصل بعد نجاتها من براثن الإرهابيين

كما ترجمت دار الساقي أعمالًا أدبية عربية حديثة وكلاسيكية لنخبة من الكتاب والشعراء العرب إلى الإنجليزية بجودة عالية، بما في ذلك أعمال نجيب محفوظ ومحمود درويش وأدونيس ونوال السعداوي وآخرين… وفي عام 1991م افتتح فرع لدار الساقي في بيروت، في حين تأسس الساقي للأطفال والشبان لتشجيعهم على القراءة بالعربية عام 2012م.

نجاح وتحديات

وعلى مدار 44 عاماً حققت دار الساقي نجاحاً يتماشى مع هدفها؛ “تشجيع التدفق الحر للأفكار والمساعي الفكرية والمعرفة” بحسب سلوى كسبار، التي فسرت سبب ذلك النجاح قائلة: “… نجاحنا يرجع إلى حقيقة أننا بقينا مستقلين تماماً، ومتسامحين ومنفتحين”.

وفازت دار الساقي على جائزة الثقافة والمجتمع العربي البريطاني في عام 2008م، وجائزة صناعة الكتاب البريطانية للتنوع في الأدب في عام 2009م، وجائزة “نقابة الناشرين المستقلين” IPG عام 2013م.

اقرأ أيضاً: قصة مكتبةُ الأحقافِ بتريم

وترافق مع ذلك النجاح تحديات ومخاطر تعرّضت لها دار الساقي والقائمون عليها، فقد جرى تحطيم نوافذها بعد نشر كتاب سلمان رشدي المثير للجدل “آيات شيطانية”، كما تعرضت مخازنها في لبنان للقصف الإسرائيلي خلال الحرب عام 2006م. وتعرض قبو المكتبة لأضرار بالغة إثر فيضانات عام 2021م، ما أدى إلى إتلاف مئات الكتب المخزنة.

فيما تسببت جائحة كوفيد-19 على مدى السنوات الثلاث الماضية، بتأثير سلبي كبير على المكتبة، فقد أغلقت المكتبة أبوابها خلال فترات الإغلاق، وتكبدت خسائر مالية لازمتها لغاية اليوم.

وكانت نهاية الأزمات الاقتصادية المتراكمة أن أعلنت مكتبة دار الساقي في لندن، إغلاق أبوابها إلى الأبد، مشيرة إلى أنها ستلتزم ببيع نهائي لمخزونها حتى نهاية العام، فيما سيستمر إرثها مع داري النشر المستقلتين في بيروت ولندن، واللتين ستستمران في العمل، ونشر الكتب كالمعتاد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات