الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

خليج عدن.. خط التهريب المزدهر منذ عقود

أوليفيا هيدون المتحدثة الرسمية لمنظمة الهجرة الدولية لـ"كيوبوست": نحتاج إلى مزيد من الدعم لمساعدة المهاجرين وحمايتهم بشكل أفضل في بلدانهم الأصلية وأثناء هجرتهم عبر بلدان مثل اليمن

كيوبوست – منير بن وبر

لقي خمسة مهاجرين إفريقيين حتفهم بعد تعرض ما لا يقل عن عشرين مهاجراً إلى الغرق في ساعةٍ مبكرة من صباح يوم الأربعاء، الثالث من مارس الجاري، وذلك بعد أن أجبر المهربون نحو 80 مهاجراً على النزول إلى البحر ومغادرة سفينتهم المكتظة التي تتجه من جيبوتي إلى اليمن. ويعد هذا الحادث الثالث من نوعه في خليج عدن خلال ستة أشهر.

وفي تعليقٍ لها على الحادث، نُشر على موقع المنظمة الدولية للهجرة، قالت ستيفاني ديفيوت؛ رئيسة بعثة المنظمة الدولية للهجرة في جيبوتي: “يجب محاكمة المهربين والمتاجرين بالبشر على جرائمهم، وإنشاء مسارات جديدة للهجرة للسماح للناس بالسعي وراء فرص العمل في الخارج بطريقة آمنة وقانونية وكريمة”.

اقرأ أيضاً: اليمن.. المهاجرون الأفارقة والإجرام الحوثي

كان خمسون مهاجراً قد لقوا حتفهم خلال حادثين مشابهين آخرين في أكتوبر 2020، والحوادث الثلاثة هي جزء يسير مما يظهر من الحوادث المأساوية التي يتعرض إليها المهاجرون الإفريقيون منذ سنوات طوال؛ حيث تُعد الهجرة بشكل غير نظامي شائعة بين القرن الإفريقي واليمن، وهي رحلة طويلة شاقة ومميتة يبدأها المهاجرون من قراهم في الصومال أو جيبوتي أو إثيوبيا؛ بدافع الحصول على فرص حياة أفضل في دول الخليج العربي.

وبطبيعة الحال، لا تقتصر المخاطر على الصحراء الإفريقية الحارة أو خليج عدن فحسب؛ بل يواجه المهاجرون المزيد من الصعاب أثناء تنقلهم ومكوثهم داخل الأراضي اليمنية. ففي الثامن من مارس الجاري مثلاً، لقي أكثر من 60 شخصاً مصرعهم بسبب حريقٍ في مركز احتجاز مكتظ بمئات المهاجرين الأفارقة في العاصمة اليمنية صنعاء.

وقالت أوليفيا هيدون؛ المتحدثة الرسمية لمنظمة الهجرة الدولية، في مقابلةٍ سابقة مع “كيوبوست”: “هناك احتياج إلى المزيد من الدعم لمساعدة المهاجرين وحمايتهم بشكل أفضل في بلدانهم الأصلية، وأثناء هجرتهم عبر بلدان مثل اليمن”، وأضافت أن “كلاً من البلدان المضيفة ودول المصدر مسؤولة عن سلامة أو أمن البشر داخل أراضيها”.

اقرأ أيضاً: هل ينهي بايدن الصراع في اليمن؟

يعتبر خليج عدن أحد مسارات الملاحة التجارية العالمية المزدحمة، وخطاً مزدهراً للمهربين الذين يصعب مراقبة وملاحقة سفنهم بين ما يقدر بـ21 ألف سفينة تمر سنوياً من خلاله. يقوم المهربون بنشاط بتهريب كل شيء تقريباً بين اليمن والقرن الإفريقي، من البشر والوقود وغاز الطبخ، وحتى الأسلاك الكهربائية المنهوبة من الشبكة العامة اليمنية.

مهاجرون إفريقيون أثناء مغادرتهم المركب- AP

وحسب ما أفادت أوليفيا هيدون، لـ”كيوبوست”، فإن المهاجرين الواصلين إلى اليمن يعانون ازدياد الاعتقالات والقيود المفروضة على التنقل، بالإضافة إلى النقل القسري إلى مناطق بعيدة عن المراكز أو الخدمات الحضرية الرئيسية. ناهيك بالانتهاكات التي يعانيها الكثير منهم على أيدي المهربين والمتاجرين بالبشر؛ ومن بينها الاستغلال والتعذيب.

سبق أن أفادت عدة تقارير صحفية وتصريحات مسؤولين يمنيين، تعرُّض المهاجرين الإفريقيين في اليمن إلى مختلف أنواع الانتهاك والاستغلال؛ ومنها التجنيد الإجباري، إلا أن المنظمة الدولية للهجرة أفادت لـ”كيوبوست” أنها لا تستطيع التحقق أو تأكيد أن المهاجرين يشاركون في الصراع أو أنه تم تجنيدهم، وأن المنظمة “قيد النظر في الأمر”.

اقرأ أيضاً: اليمن.. عشر سنوات على حلم التغيير الذي استحال كابوساً!

ويعتبر اليمن وجهة لآلاف المهاجرين الإفريقيين سنوياً، والذين يعتزم غالبيتهم السفر إلى المملكة العربية السعودية كوجهة نهائية؛ لكنهم لا يدركون مدى المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا إليها، كما لا يعلمون حقيقة أنهم سيدخلون اليمن والسعودية بشكل غير نظامي.

تسببت القيود المفروضة على التنقل منذ العام الماضي، بسبب جائحة “كوفيد-19″، في تجمع الآلاف من المهاجرين في أماكن مختلفة داخل اليمن، وعدم القدرة على اجتياز الحدود السعودية؛ وهو ما يعرضهم إلى مخاطر النوم في العراء والمباني المهجورة لفترات طويلة. كما يعانون محدودية الحصول على الطعام والمياه النظيفة، والظروف المناخية والتضاريس القاسية.

وبالإضافة إلى مخاطر الرحلة براً وبحراً، يصبح المهاجرون عرضة إلى الأمراض، ولا يحصلون على ما يكفي من الرعاية الصحية في اليمن؛ البلد الذي يعاني تفشي أوبئة خطيرة، منها الكوليرا والدفتيريا، ناهيك بجائحة “كوفيد-19” العالمية. وعلى الرغم من أن النظام الصحي المدمر والضعيف في اليمن بالكاد يستطيع تقديم الخدمات الأساسية للسكان؛ فإن المجتمعات والسلطات المحلية في اليمن تقدم الدعم للمهاجرين، حسب ما تؤكده المتحدثة الرسمية لمنظمة الهجرة الدولية.

ممر مزدوج للتهريب

يُعد خليج عدن ممراً مزدوجاً للتهريب بين القرن الإفريقي واليمن. لا يكتفي المهربون بتهريب البشر فقط؛ بل أيضاً الأسلحة بمختلف أنواعها، من بنادق الكلاشينكوف إلى المدافع المضادة للطائرات؛ حيث يقع الصومال في قلب شبكات تهريب الأسلحة الإقليمية، والتي تضم حكوماتٍ وتجاراً من القطاع الخاص في شرق إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وهي شبكة تم تطويرها على مدى عقود من الزمن، ونشأت في الأساس كنتيجة ثانوية للحرب الباردة.

أثناء ضبط مركب يهرب أسلحة قبالة الصومال في فبراير الماضي- البحرية الأمريكية

ومن بين أحدث الأمثلة على نشاط تهريب الأسلحة المزدهر في خليج عدن، والمستمر إلى اليوم، ضبط البحرية الأمريكية كمية كبيرة من الأسلحة كان يتم تهريبها على متن قاربَين قبالة السواحل الصومالية، في فبراير الماضي. وحسب البحرية الأمريكية، كان من بين الأسلحة المضبوطة آلاف البنادق من طراز كلاشينكوف، والمدافع الرشاشة الخفيفة، وبنادق القنص الثقيلة، وقاذفات القنابل الصاروخية. وحسب مسؤول دفاع أمريكي تحدث إلى وكالة “أسوشييتد برس”، فإن هناك “بعض المؤشرات” على أن الأسلحة كانت متجهة إلى اليمن.

تسبب الصراع الدائر في اليمن منذ انطلاق ثورة الشباب في إضعاف البنية التحتية للبلاد، وضعف وانقسام قدراتها الأمنية والعسكرية؛ بما في ذلك الأمن البحري. ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فقد انخفضت القوة البشرية لقوات خفر السواحل اليمنية من 1200 رجل إلى 220 فقط، كما أن أسطول القوة يعمل بـ20% من قوته التشغيلية فحسب؛ وهو ما يؤثر سلباً على قدرة اليمن على مكافحة الجريمة في خليج عدن.

اقرأ أيضاً: بسبب الفساد وغياب الرقابة.. إيران تنهب الثروة السمكية في اليمن

وفي حين أن تهريب الأسلحة إلى اليمن يؤدي دوراً بارزاً في استمرار الصراع في البلاد، فإن تهريب الوقود من اليمن يسهم هو الآخر في ازدياد معاناة اليمنيين؛ فوفقاً لمصادر خاصة لـ”كيوبوست” يتم تهريب كميات كبيرة من الديزل والبترول وغاز الطبخ المنزلي إلى الصومال من اليمن.

يشتكي اليمنيون بشكل دائم من أزمة الوقود؛ وهي أزمة تعود إلى عدة أسباب؛ منها تأخر إصدار التصاريح الخاصة لرسو السفن المحملة بالوقود في الموانئ، والسوق السوداء داخل الأراض اليمنية، والتهريب إلى الصومال. ويؤدي انعدام الوقود في السوق إلى ارتفاع أسعاره؛ وهو ما يؤدي بالتالي إلى ارتفاع أسعار النقل والغذاء. سبق أن حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، مؤخراً، من أن النقص الحاد في الوقود في اليمن يجعل حالة الأمن الغذائي الكارثية أسوأ بكثير، ويدعو إلى إيجاد حل عاجل لهذه الأزمة.

وبالنظر إلى حالة الصراع الحالي في اليمن، فإن نشاط التهريب في خليج عدن يبدو أنه آخذ في الازدهار مع استمرار الصراع؛ وهو ما يشكل مصدر قلق كبيراً على أمن المهاجرين، وحتى المواطنين العادين المستقرين في بلدان المنطقة المطلة على خليج عدن، والذين أنهكتهم الحروب. وعلى ما يبدو، يصبح المجتمع الدولي أقل قدرة على مساعدتهم بمرور الزمن.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج