الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

خلافات داخلية وتظاهرات شعبية.. هل تعيش حكومة الوفاق الليبية أيامها الأخيرة؟!

كيوبوست

كشفت الدعوات التي شهدتها ليبيا للتظاهر، يوم الجمعة الماضي، عن حجم التصدع والانقسام داخل حكومة طرابلس؛ إذ وجَّه أحمد معتيق؛ نائب رئيس الحكومة، انتقادات حادة إلى حكومة السراج، ووصفها بسلطة الفرد المطلقة، وأنها اتخذت قرارات تسببت في الفساد وتدنِّي الخدمات الأساسية، داعياً الليبيين إلى التظاهر؛ للتعبير عن غضبهم من مستوى أدائها[1].

صراع السيطرة على طرابلس:

يعد الصراع الأخير؛ بين معتيق والسراج، امتداداً للصراع على الصلاحيات داخل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في ليبيا ما بين رئيس الحكومة فايز السراج، ووزير الداخلية فتحي باشاغا، والتي اندلعت في أواخر يونيو 2020؛ حيث طالب السراج حينها “الوزراء ورؤساء الأجهزة والمؤسسات والهيئات والمصالح والشركات العامة، وما في حكمها”، بعدم تنفيذ قرار وزير الداخلية، بخصوص الحصول على إذن هبوط وإقلاع وعبور الطيران الخاص منه، والذي كان باشاغا يهدف من خلاله إلى فرض سيطرته على وزراء حكومة الوفاق، وقادة ميليشيات طرابلس التي بدأت تبدي امتعاضاً متزايداً من تغوُّل ميليشيات مصراتة على حسابها[2]. وشدد السراج على أن دور وزارة الداخلية يقتصر فقط على طلب أسماء الركاب، أما منح أوامر الهبوط والإقلاع فهو من اختصاص رئيس الحكومة فقط، وليس من اختصاص وزارة الداخلية[3].

وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا – وكالات

ويلاحظ أن باشاغا يحظى بدعم كبير من قِبل تركيا وقطر؛ خصوصاً أنه سَرَت أنباء في 13 يونيو عن اعتزام إجراء تعديلات في حكومة الوفاق، تتضمن تعيين باشاغا وزيراً للدفاع بدلاً من الداخلية؛ وذلك في محاولة لتسريع جهود الأخير سيطرته على المشهد العسكري في طرابلس، ولعل ما يُضفي مصداقية على هذه التسريبات هو اجتماع وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري خالد العطية، ونظيره التركي خلوصي أكار، مع وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا، في أنقرة في 20 يونيو، والذي تمت خلاله مناقشة موضوعات دفاعية[4]، والدعم العسكري لميليشيات الوفاق، وذلك على الرغم من أنه كان من المفترض أن تتم مناقشة هذه المسائل مع فايز السراج نفسه باعتباره القائم بأعمال وزير الدفاع، وبالتالي فإن هذا اللقاء كان كاشفاً عن حجم الدعم التركي- القطري لشغل باشاغا هذا المنصب بدلاً من السراج نفسه.

اقرأ أيضًا: فايز السراج.. وقيادة ليبيا نحو المجهول

ولعل عدم تعيين باشاغا لمنصب وزير الدفاع يعود في جانب منه إلى رفض السراج هذه الخطوة؛ نظراً لما تنطوي عليها من تهميش كبير لدوره، لصالح تيار الإخوان المسلمين في ليبيا، والذي يعد باشاغا أحد رموزه، والذي يبدو مدفوعاً بدعم تركي- قطري لاستغلال ضعف حكومة الوفاق، وافتقادها الشرعية الداخلية، واعتمادها على الدعم التركي، وذلك من أجل تسريع استيلاء الإخوان المسلمين على مفاصل الدولة الليبية؛ خصوصاً أجهزتها الأمنية والعسكرية.

ولعل هذه التحركات التركية- القطرية بالتعاون مع باشاغا قد أثارت مخاوف ميليشيات طرابلس، وهو ما دفع “كتيبة ثوار طرابلس” باستعراض قوة لأفرادها وآلياتها وسط العاصمة طرابلس، في رسالة واضحة موجهة إلى باشاغا، تكشف عن رفضها مشروع إعادة دمج الميليشيات في جهاز “الحرس الوطني” الذي تعتزم حكومة الوفاق تشكيله، في مسعى لإعادة السيطرة على المشهد الأمني في طرابلس تحت راية الإخوان المسلمين.

ونظراً لإصرار أنقرة على تمكين الإخوان المسلمين من السيطرة على المشهد الأمني والعسكري في طرابلس، فقد شرعت في توظيف المرتزقة كقوات شرطية في طرابلس، وكشف مسؤول عسكري في الجيش الوطني الليبي عن أن دفعة أولى من المرتزقة السوريين نزلت إلى شوارع العاصمة طرابلس بزي الشرطة، واستلمت أماكنها وبدأت في الإشراف ومتابعة الأوضاع الأمنية فيها، وذلك بعد تلقيها تدريبات ودمجها من قِبل وزارة داخلية حكومة الوفاق باشاغا.

عناصر تابعة لميليشيات طرابلس – أرشيف

مصادرة صلاحيات السراج:

في إطار الصراع السابق، انقسم المجلس الرئاسي إلى جبهتَين؛ إحداهما يمثلها رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، المدعوم من العضوَين محمد العماري وأحمد حمزة، وأخرى يقودها نائبه أحمد معتيق المدعوم من العضو بالمجلس عبدالسلام كاجمان.

ولجأ معتيق إلى أسلوب جديد في تصعيد الضغط على السراج من خلال اللعب على ورقة المظاهرات الشعبية، في محاولة للضغط على السراج لإجباره على تقديم تنازلات، فضلاً عن المطالبة بفتح تحقيق في الأموال التي صرفت، وأوجه صرفها، في تلميح واضح إلى وجود عمليات فساد وهدر للأموال داخل حكومة الوفاق منتهية الصلاحية؛ في محاولة من جانب الإخوان للانتقاص من شرعية السراج، الذي ينتمي إلى حكومة لا تتمتع بأي سند شعبي من الأساس.

اقرأ أيضاً: خلافات السراج ومعتيق تكشف عن تعمق الفساد في ليبيا

ويهدف التحرك الأخير من جانب معتيق ضد السراج إلى غلّ قدرة الأخير على اتخاذ القرارات من خلال التأكيد في رسالة له أن اتفاق الصخيرات 2015، ينص على أن “رئاسة الوزراء تتمثل في مجلس رئاسة الوزراء، والذي يتكون من رئيس مجلس الرئاسة ونوابه ووزيرَي دولة”، مؤكداً أنه لا يملك صفة أو صلاحيات رئيس الوزراء، وإنما فقط رئيس لمجلس الرئاسة[5]، في إشارة إلى أن أي قرار يصدره السراج لابد أن يحظى بموافقة كامل الأعضاء الخمسة؛ بما يمثله ذلك من محاولة لعرقلة قدرة السراج على اتخاذ أي قرارات منفردة.

ويلاحظ أن معتيق سعى لاستدعاء باشاغا إلى المشهد، وذلك من خلال توجيهه خطاباً إليه، مؤكداً خلاله أن “خروج المواطن للتعبير عن غضبه على حكومته من أدائها في بعض الملفات أمر منطقي”[6]. وعلى الرغم من عدم إصدار باشاغا أي تصريحات علنية؛ فإن اللواء عبدالباسط مروان، آمر منطقة طرابلس العسكرية، دخل على خط الأزمة عبر إصدار بيان رسمي، أكد خلاله انحيازه للسراج واتهامه في المقابل معتيق وغيره من أعضاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بخدمة أطراف محلية ودولية تسعى لإسقاطه، في إشارة إلى الإخوان، وداعميهم الإقليميين: تركيا وقطر.

اقرأ أيضًا: بتمويل ودعم وتدريب قطري.. مقاتلون صوماليون قريباً إلى ليبيا

ومن أجل منع الإخوان المسلمين من توظيف ميليشياتهم ضد السراج، أصدرت قوة حماية طرابلس، إحدى ميليشيات الوفاق، في 8 أغسطس، بياناً هاجمت فيه جماعة الإخوان بقوة، واصفةً إياها بالورم الذي ينخر في جسد ليبيا. وأنها شاركت في “إنهاك الدولة والفساد فيها وتخريبها”. واتهمت الجماعة بأنها “ما زالت مستمرة في نهجها المخرب من افتعال للأزمات”[7]، في إشارة إلى تورطها في محاولات معتيق للانقلاب على السراج.

وتتحسب ميليشيات الوفاق المناوئة للإخوان المسلمين من توظيف أنقرة المرتزقة السوريين من أجل فرض سيطرة الإخوان على طرابلس، وطرد الميليشيات المناوئة لهم، ولذلك قامت ميليشيا “الردع” بتضييق الخناق على المرتزقة السوريين المواليين لتركيا؛ حيث وصل الأمر إلى عمليات التصفية والخطف.

مرتزقة سوريون في ليبيا- أرشيف

كما أعربت إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة لحكومة الوفاق، عن خشيتها استغلال الحراك من جهات معادية وأجهزة استخباراتية أجنبية، في إشارة إلى الجيش الوطني الليبي؛ وذلك في محاولة لتهدئة الصراع الداخلي عبر محاولة دفع كل الأطراف المتصارعة للتركيز على ما يعتبرونه تهديداً من قِبل الجيش الوطني.

وفي المقابل، دخل الصادق الغرياني، مفتي الإرهابيين في ليبيا، على خط هذا الصراع على المشهد العسكري والأمني في طرابلس، عبر مطالبته بضرورة ضرب الميليشيات التي لا تحمل توجهاً عقائدياً، في ضوء أخضر صريح للسيطرة على العاصمة طرابلس وضمها تحت جناح جماعة الإخوان المسلمين، والتنظيمات الإرهابية المتحالفة معها.

اقرأ أيضًا: ليبيا.. فتاوى الصادق الغرياني تؤجج الصراع وتخدم الإخوان

وشدد الغرياني على ضرورة تشكيل حكومة أزمة تحت سيطرتهم للانقلاب على فايز السراج رئيس حكومة الوفاق غير الدستورية. وقال الغرياني إن كل وزارات حكومة الوفاق إما مبنية على جهوية وقبلية وغير مؤهلة، وإما فاسدة، واصفاً الحكومة بـ”الفاشلة”، مشدداً على أن المسؤولية في ليبيا تقع الآن على أعناق ميليشيات مصراتة وزليتن المتطرفة، في أوضح إشارة، حتى الآن، إلى المخططات القطرية- التركية الداعمة لسيطرة الإخوان المسلمين على طرابلس سياسياً وعسكرياً[8].

رفض شعبي كامل:

يدرك الإخوان المسلمون في ليبيا جيداً محدودية شعبيتهم، وتأثيرهم في الشارع الليبي، ولعل هذا وضح في الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها طرابلس. فعلى الرغم من محاولة معتيق توظيف الشارع الليبي ضد السراج، عبر محاولة تحميله مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية في طرابلس؛ فإن المتظاهرين في ميدان الجزائر الواقع وسط العاصمة طرابلس نددوا في الجمعة، الموافقة 7 أغسطس، بتوقف الخدمات العامة للناس؛ خصوصاً الكهرباء، وتأخُّر الرواتب إلى جانب الانفلات الأمني بسبب انتشار المرتزقة.

كما هتف المتظاهرون بشعارات هاجموا فيها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وانتقدوا من خلالها لا مبالاة المسؤولين بأوضاعهم وتأخرهم في إيجاد الحلول، وأخرى تطالبهم بالرحيل؛ مثل “لا نواب ولا رئاسي.. الشعب الليبي ولَّى يساسي (أصبح يتسوَّل)”، و”الشعب يبّي (يريد) دولة”، في إشارة إلى رفض استمرار الصراع على السلطة بين ميليشيات فاقدة الشرعية والشعبية، والتي تسعى لتوظيف الأتراك في صراعها الدائر على النفوذ[9].

اقرأ أيضًا: وكلاء الخراب.. العلاقات والمصالح بين إخوان ليبيا وأردوغان

وتبدو الخيارات المتاحة أمام السراج، إما الإذعان للإخوان المسلمين والميليشيات الموالية لهم من مصراتة، وإما المحافظة على توازن الردع القائم حالياً، عبر الاستناد إلى حلفائه من ميليشيات طرابلس في مواجهة ميليشيات مصراتة الداعمة للإخوان. غير أن مواصلة أنقرة إرسالها السلاح والعتاد إلى ليبيا يكشف عن إمكانية اتجاهها للتأثير بصورة مباشرة على التوازن القائم بين الميليشيات لصالح تلك الموالية للإخوان المسلمين، بما قد يزيد من حجم الصراع والاقتتال الداخلي، وينذر بتهميش السراج تماماً لصالح قوى الإخوان المسلمين، والتي أثبتت الانتخابات المتتالية في ليبيا بعد عام 2011 محدودية شعبيتهم، ورفض الشعب الليبي توليهم الحكم.

المراجع:

[1] https://bit.ly/3gKLgkW

[2] https://bit.ly/3a9PXlx

[3] https://bit.ly/30HVBs9

[4] https://cnn.it/30EuMVC

[5] https://www.alraeesnews.com/66267

[6] https://bit.ly/3koIML8

[7] https://www.alraeesnews.com/66267

[8] https://al-ain.com/article/mufti-terrorism-libya-turns-sarraj

[9] https://bit.ly/2DNe5OS

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة