شؤون خليجيةفلسطينياتمقالات

خطوات الاحتواء الأمريكي-القطري لحماس

هل احتوت أمريكا وقطر حماس؟ وكيف ذلك؟

بقلم: عنان العجاوي

قبل عامين ونصف من الآن، وعلى خلفية الموقف من الحرب في اليمن، وقع خلاف حمساوي بين جناحي الداخل والخارج حول موقف الحركة من “عاصفة الحزم”، إذ تفاجأ الجناح المقيم في فلسطين من البيان الذي أصدره السيد خالد مشعل من الدوحة، وأكد فيه بمفردات واضحة تأييده لشرعية حكومة منصور هادي. وبمصطلحات مبهمة أيّد البيان الحرب التي يشنها تحالف عربي تقوده دول الخليج بما فيها دولة قطر. أما الجناح الداخلي فإنه تفاجأ بالبيان، حيث حاول حينها القيادي محمود الزهار تلطيف الموقف ومسك العصا من المنتصف: “نحن لم نؤيد ولم نعارض عاصفة الحزم..”. وأكد على ذلك الخلاف المتحدث الرسمي سامي زهري، وحاول إرجاعه لأسس ديموقراطية تتبناها الحركة وسرعان ما تم حسم الخلافات لصالح البيان.

 

قرأ المتابعون موقف حماس على أنه تبديل للتحالفات، بانتقالها رسمياً للصف السعودي، وإشهار ابتعادها عن المحور الإيراني. وبما يتماشى مع موقفها السياسي، تجاهلت إعلامياً جميع يوميات الحرب على اليمن بما فيها وقوع ضحايا مدنيين، وبما يتوافق تماماً مع الموقف السعودي. إلا أن الأمور اختلفت بعد الأزمة الخليجية الأخيرة وطرد قطر من التحالف، حيث صارت حماس (كما الإعلام القطري) على غير عادتها تؤنسن أخبار الحرب الآتية من هناك، وتبرز في إعلامها وقوع الضحايا من المدنيين والأطفال، وهو موقف طبيعي تبنته منذ البداية معظم الكيانات السياسية والإعلامية المحايدة، ولكن غير الطبيعي هو التصريح الأخير لوزير الدفاع القطري خالد العطيّة لقناة TRT: “أُجبرنا على الانضمام للتحالف العربي في اليمن”. ما يعني أن قطر خضعت لإملاءات وضغوطات للدخول في تحالف تعتبره غير مقدس، وهي ضغوط سياسية قد تتعرض لها الدول، ولكن ما الذي يجير حركة عقائدية كحماس للانحياز ولو سياسياً لحرب غير مؤمنة بها؟

ظلّت حماس طول فترة نشاطها مختلفة كليّاً مع النظام السعودي، وتنقلّت العلاقة بينهما على كفتي؛ العداء الصريح أو المجاملة الباردة، وكانت هي الفصيل الفلسطيني الأكثر تشهيراً بالنظام السعودي أيام كانت تصنفه ضمن “محور الاعتدال” المعادي للمقاومة، إلّا أنه في السنوات الأخيرة سايرت أعداءها السابقين، بل وحسمت أمرها في التناغم معهم، عندما استعارت هواجسهم الطائفية، وبالغت في التشديد على ضرورة حرب اليمن لخدمة مصالح (أهل السنّة) كما جاء على لسان القيادي أحمد يوسف. حدث هذا التناغم في ظل نفي قادة حماس لأي دعم مالي تقدمه السعودية. فإذا كانت حماس خارج دائرة الضغوطات السعودية، لأنهما تمرسّتا على العداوة، وإذا كانت لم تأخذ المقابل المطلوب جراء تخليها عن الحلف الإيراني، فما الذي يجعل حماس تُقدِم على هكذا موقف مصيري يدخلها في صراعات عربية-عربية دائماً ما كانت تتبرأ منها، وتفتخر بحيادها. بحسب التصريح الأخير لخالد العطيّة، وبربط توقيت دخول حماس لذلك التحالف وخروجها منه وبالتزامن مع الأزمة الخليجية وانسحاب قطر بالذات، يدل على أن حماس اتخذت موقفها والذي تحاول الآن أن تتجرد منه- بأوامر قطرية. ومن دون أن يكون هناك حاجة لصراحة زائدة من وزير الدفاع القطري، يبدو واضحًا مدى الاحتواء الذي تمارسه دولة قطر على الحركة، حتى استطاعت استخدامها في حرب خاضتها قطر ذاتها رغماً عنها، وبالتالي أرغمت قطر من يسيرون وراءها (إخوان مسلمين وحركات جهادية) أرغمتهم على مساندة مواقفها حتى وإن كانت (باطلة) وإجباريّة حسب اعترافات خالد العطيّة!.

“-أنا لا أحكم شعب مصر، ولكني أحكم حكام مصر” وردت هذه الجملة في إحدى رسائل اللورد “كرومر” مندوب الاحتلال الانجليزي على مصر، يلخّص اللورد بغرور مُكثّف اسلوب امبروطوريته الاستعمارية في السيطرة، وأمريكا اليوم التي تنص أقوى قوانينها على عدم التحاور مع إرهابيين (بحسب التصنيف الأمريكي)، كان لا بد لها أن تحكم وتحتوي الحركات المتمردّة على طريقة اللورد كرومر المختصرة، بأن يحكموا حكام تلك الحركات، دون التوصل معهم مباشرة وتعريض المؤسسات الأمريكية لمساءلة القانون، وكان بداية ذلك الاحتواء وعنوانه؛ ما تفاخرت به قطر في خضم الأزمة الأخيرة، عندما كررت قناة الجزيرة ليومين متتاليين وفي جميع نشراتها، تصريح المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.أي) الجنرال ديفد بترايوس، الذي دعا شركاء الولايات المتحدة أن يتذكروا أن استضافة قطر لوفود من حركة حماس وحركة طالبان الأفغانية كانت بطلب أميركي.

بناءً عليه، لا أحد يستطيع اتهام حماس بأنها تتلقى الأوامر من أمريكا مباشرة، ومن دون الوسيط القطري الذي يخوض حروباً لا يؤمن بها؛ فقط لأنه تعرّض لضغوطات!، ومن ثم تقوم حماس بتليين مبادئها بما يتماشى مع مصالح الوسيط، ورفع الحرج عنه.

ربما يكون الشّرك الذي وقعت فيه حماس بدأ منذ استضافة قطر لقياداتها، ولكن استراتيجية الاحتواء التي تمارسها أمريكا قديمة قدم الحرب الباردة، وقد حدّت من توسع الاتحاد السوفيتي جغرافياً وأيدلوجياً، عبر خطوات سياسية وعسكرية تبنتها أمريكا بتوجيهات الدبلوماسي الخبير “جورج كينان”، أولها: هجمات معاكسة تُشن ضد السوفييت في أماكن عدة، والنتيجة هي إشغاله عن أهدافه، وهذا ما حدث مع حماس بالسنوات الأخيرة عبر إشغالها في بقع تطمح قطر للتأثير فيها، وهو ما سيحقق تلقائياً البند الثاني من نظرية “كينان” عن الاحتواء؛ الشيطنة، أي جعل عدو أمريكا (حماس مثلاً) يتخبط في حروب تتناقض مع مبادئه المعلنة، مثل المواقف الطائفية التي تتعارض مع وحدة “الأمة” في عقيدة حماس، ومبدأ عدم التدخل بشؤون الآخرين.

ثالثاً وهو الأهم، لقد عارض “كينان” منحى الرئيس ترومان ومشروع مارشال بالمبادرة لتقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية لأية بقعة في العالم يُخشى نجاح الايدلوجية المعادية فيها. وهو ما يجعلنا نتساءل عن الدافع الأمريكي للطلب من قطر استضافة حماس، ومن ثم دعمها ماديّاً وإعلاميًا، على الرغم من أن الحركة تُصنّف بأنها معادية لأمريكا وحلفائها!، إلّا إذا كان الهدف هو قطع أية مصادر لدعم الحركة باستثناء الحاوي القطري، وتخطيتها المسبق -بأمر أمريكي- لتكون الراعي والداعم الوحيد للحركة حتى يسهل ترويضها وتوجيهها، ولنتذكّر الخطوة الأولى للاحتواء؛ استطاعت قطر بذكاء شديد شيطنة حماس وتشويه علاقاتها، عبر زجها في صراعات داخلية وخارجية أفقدت حماس كل حلفائها السابقين وثقتهم، وصارت قطر هي الملاذ الوحيد والأخير لحماس، إما أن ترى بعيونها وإما العماء.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.