شؤون عربية

خطة غسان سلامة: تطبيق للنموذج العراقي الفاشل للحل في ليبيا

الدروس المستفادة من العراق لم تكفِ ليبيا

كيو بوست – 

تتشابه التجربة الليبية مع التجربة العراقية بعد الاحتلال في الكثير من الملفات، أبرزها التدخل الخارجي المتمثل بالغزو، وثانيها حل الجيش في كلا البلدين، وما ترتب عليه من انتشار للجماعات الإرهابية المتطرفة، إضافة للتدخل الإقليمي.

فبعد الغزو العراقي، أصدر بريمر قرارًا بحل الجيش العراقي، واجتثاث حزب البعث، مما أوجد فراغًا ملأته التنظيمات الإرهابية والطائفية بما أدى إلى حرب أهلية طويلة المدى، لم تحقن فيها دماء العراقيين.

اقرأ أيضًا: هل انحسر الدور التركي في ليبيا؟

وبعد انتشار الإرهاب وإنشاء تنظيمات مسلحة طائفية، مدعومة من دول إقليمية مثل إيران، تم دمج تلك التنظيمات -أبرزها “الحشد الشعبي”- بالجيش، بعدما كانت بمثابة جيش مواز على الأرض، من خلال قرار إعادة هيكلة الجيش، الذي أقره رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي. إلّا أن ذلك القرار لم يقو الجيش العراقي بقدر ما جعله مخترقًا، وقائمًا على التكتلات الطائفية والولاءات الأجنبية، ففي شهر أغسطس/آب 2018، قال الأمين العام لكتائب سيد الشهداء -إحدى أهم فصائل الحشد الشعبي- أبو آلاء الولائي، في تصريح صحفي له، إن “كتائب سيد الشهداء تشكيل عقائدي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بولاية الفقيه، ولا يتبع الساسة العراقيين”.

تصريحات قيادات سيد الشهداء بعد انضمامهم للجيش، رافقها تصريحات أخرى من قيادات في منظمة بدر، أكدت على الولاء ذاته، متجاوزة عقيدة الجيش الوطنية، وقدّمت ولاءاتها العقائدية والطائفية والإقليمية على عقيدة الجيش العراقي الوطنية.

ولعل قرار حل الجيش العراقي بقرار أمريكي، هو الذي أوجد الفراغ الذي ملأته فيما بعد جميع التنظيمات الطائفية والدينية، مما جعل العراق يقف أمام خيارين: إما الوقوف في وجه تلك التنظيمات وحلها وإعادة إدماجها في المجتمع، أو دمجها لتكون جيشًا داخل الجيش، تُدين بالولاء للدول التي ساهمت في تأسيسها وأمدتها بالسلاح.

اقرأ أيضًا: وثائقي “شجرة الظلام” يفضح دعم قطر وتركيا للإرهاب في ليبيا

اختار الساسة العراقيون الخيار الثاني، بما ترتب عليه من إضعاف للمؤسسة العسكرية وهيبتها واستقلالها، إذ وبحسب مراقبين، لا يستطيع رئيس الوزراء أو زير الدفاع محاسبة عنصر واحد من تلك الميليشيات أمام القانون، بسبب قوتها ونفوذها وتآلفها حتى وهي داخل الجيش، برغم اتهام تلك الميليشيات بارتكاب جرائم حرب وقتل على الهوية.

 

التطبيق في ليبيا

بعد تدخل الناتو في ليبيا، وحل الجيش الوطني الليبي -الذي قامت على أنقاضه ميليشيات دينية مسلحة- أخذ اللواء خليفة حفتر زمام المبادرة وقام بإعادة تشكيل الجيش ولملمة صفوفه، لاستعادة الوحدة الليبية. ومع انقسام الدولة الليبية، أخذت حكومة الوفاق باحتواء الميليشيات الدينية في الشرق. وبصورة معكوسة وأكثر واقعية؛ فإن الميليشيات هي التي رفعت حكومة الوفاق في الشرق، وصارت حكومة طرابلس واجهة لعشرات الميليشيات التي تدين بالولاء لدول إقليمية، مثل تركيا وقطر، اللتين دعمتا جماعة الإخوان المسلمين وأقوى الميليشيات المتطرفة المرتبطة بتنظيم القاعدة (الجماعة الليبية المقاتلة)، وجميع تلك الميليشيات وقفت أمام الجيش الوطني الليبي، وحدّت من تقدمه بعد انطلاق عملية “الكرامة”.

لتأخذ بعدها الأزمة الليبية منحى سياسيًا، يقوم على اجترار التجربة الليبية، من خلال دمج تلك الميليشيات في الأجهزة الأمنية، برغم تورطها بعمليات اغتيالات وتفجيرات إرهابية ونهب للمال العام.

والأهم، أن تلك الميليشيات تدين بالولاء بسبب عقيدتها الإخوانية لكلٍ من تركيا وقطر، اللتين تستضيفان أبرز قيادات الإرهاب الديني على أراضيهما، وتمولان عشرات الفضائيات لضخ الأفكار المتطرفة. وتورطت الدولتان بتهريب الأسلحة الثقيلة والخفيفة إلى ليبيا، آخر تلك المحاولات كانت الشهر الفائت، عندما تم إيقاف سفينة أسلحة في ميناء “الخمس” قادمة من تركيا.

اقرأ أيضًا: الصراع الإيطالي الفرنسي يصل أوجه في محاولة كسب النفوذ داخل ليبيا

وعوضًا عن إيجاد توافق قائم على نبذ الميليشيات، قامت الخطة الأممية، التي يقودها غسان سلامة، على دمج تلك الميليشيات في الأجهزة الأمنية، من أجل استرضائها بالمناصب والأموال، وإعطائها دورًا سياسيًا موازيًا لحجم الدور التخريبي الذي مارسته منذ 2011.

تقوم خطة المبعوث الأممي، غسان سلامة، على تنظيم “الملتقى الوطني الجامع” الشهر المقبل، وهو مؤتمر استرضائي مرحلي، لا يحمل أي رؤى بعيدة المدى، بجعل أسباب المشكلة جزءًا من الحل، إذ إن الدعوات للمؤتمر تبين غلبة وانحياز البعثة الأممية لتيار الإسلام السياسي المتورط بالإرهاب، مع إقصاء متعمد للتيارات العلمانية والوطنية والليبرالية، معتمدًا في الوقت ذاته نظرية المحاصصة بين الميليشيات، مع إضعاف للدولة المركزية، بسبب الصلاحيات التي يمنحها برنامج سلامة للبلديات التي تسيطر عليه الميليشيات.

دمج المجموعات الإرهابية بالأجهزة الأمنية والعسكرية، بدلًا من حلها وتأهيلها، سيُعيد بحسب مراقبين تدوير النموذج العراقي، الذي تُمارس فيه ديمقراطية شكلية تقتصر على صندوق الانتخابات، ويبتعد العراق مع كل هزة داخلية تُصيبه عن دولة القانون.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة