شؤون عربية

خطاب حركة “النهضة” الإقصائي يُدخل تونس إلى مرحلة التوتر

هل كان الغنوشي يدرك وجود الفساد وتكتم عليه؟

كيو بوست –

بعد التحوير الوزاري الجديد للحكومة التونسية، ظهر يوم السبت رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، في خطاب يتحدث فيه عن دور حركته في التشكيلة الجديدة. استفز خطاب الغنوشي مشاعر التونسيين، بما أفضاه من عقلية “الاستحواذ” الذي تمارسه الحركة المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى اعتراف الغنوشي بوضوح بأن النهضة هي التي وضعت التشكيلة الجديدة، وفرضت الوزراء الجدد، وتلقائيًا فرضت سيطرتها على الحكومة الجديدة.

وارتفع عدد الوزراء النهضاويين في الحكومة إلى 5 وزراء و4 كتاب دولة، واعتبر الغنوشي في خطابه أن النهضة هي “العمود الفقري الذي يُمسك البلاد، ولذلك لم يخطئ القائل بأن أي اهتزاز في النهضة سيمس البلاد كلها”. واعتبر مراقبون ذلك خلطًا بين مفاهيم الدولة والحزب، والأمة والوطن، ترسيخًا لعقيدة جماعات الإسلام السياسي في التعاطي مع السياسة على أنها كليّة التوجّه، ونابعة من الإيمان المُطلق، بما يحمله ذلك الإيمان من ثقافة الإقصاء، بدلًا من ممارسة فن الممكن.

اقرأ أيضًا: التحوير الوزاري الجديد في تونس: خطوة للاستقرار أم انقلاب ناعم؟

ويضاف ذلك التعالي إلى الخلط الذي عبّر عنه الغنوشي في السنوات السابقة، حين ذكر أن من يمسّ بالحركة كأنما “يمس بالأمن القومي لتونس”، وهو ما كشف عن مدى الاستلاب الذي يعانيه يوسف الشاهد، ودوره الوظيفي كرئيس لحكومة مُستَلبة كليًا من طرف الحركة، وتمهيد الأخيرة لاستحواذها التام على الحكومة، بما سيكون له من تبعات على مشهد الانتخابات الرئاسية المقررة في 2019.

نبرة الاستعلاء في خطاب الغنوشي دفعته للوقوع في تناقضات قانونية، عندما تفاخر بدوره في إقصاء عدد من الوزراء، قائلاً: “لقد وضعنا خلال التحوير الوزاري فيتو على عدد من الوزراء الذين نعتقد أنهم لا يصلحون في أماكنهم… العناصر الفاسدة في الحكومة اعترضنا عليها، وأزيل أغلبها”!

لم يحمل تصريح الغنوشي الأخير، بما يشمله من أحكام ومس بالوزراء المستبعدين، أي دليل قانوني، بل جاء بمثابة اتهامات قائمة على مجرد “اعتقادات” فقط.

اقرأ أيضًا: صفقة يوسف الشاهد والنهضة: قصر قرطاج مقابل “أخونة” تونس!

ويضع ذلك حركته تحديدًا في زاوية الإدانة الأخلاقية؛ ففرضًا لو كان هؤلاء الوزراء فاسدين فعلًا، فقد دعمتهم النهضة منذ 2017 إلى الآن، وبذلك يمكن اعتبار ذلك الدور بأنه تغطية على ذلك الفساد، إن وجد أصلاً!

فاللعبة الحكومية التي مارستها النهضة قدّمت الولاءات على نظافة اليد، إذ لم تفتح أي من ملفات الفساد بحق الوزراء المتهمين، وهو ما دفع الوزراء الذين اتهمهم الغنوشي بالفساد إلى تقديم شكاوى قضائية ضد زعيم النهضة، مثل وزيرة الشباب والرياضة السابقة، مجدولين الشارني، التي صرّحت بأنها استبعدت من التحوير الوزاري الجديد نتيجة للإكراه السياسي”، كما أخبرها رئيس الحكومة.

وتقدم أيضًا وزير أملاك الدولة السابق، مبروك كورشيد، بشكوى قضائية ضد الغنوشي، إضافة إلى وزير العدل السابق، غازي الجريبي، الذي وعد بملاحقة زعيم النهضة قضائيًا بسبب ذلك التصريح.

أما وزير التشغيل السابق، فوزي عبد الرحمن، فقد تساءل إن كان وزراء النهضة داخل الحكومة يعلمون بوجود وزراء فاسدين، ورغم ذلك عملوا معهم. وأضاف عبد الرحمن: “أما من يَعلم ولا يُعلِم فقد يدخل في التستّر على المنكر”.

اقرأ أيضًا: بعد فقدانها أهم داعميها السياسيين، هل ستصمد حكومة الشاهد طويلًا؟

ووصف مراقبون تلك الاتهامات التي تعرّض لها الوزراء السابقون بعد الاستغناء عنهم، بأنها شبيهة بألاعيب النهضة، التي تحالفت مع حزب نداء تونس ثم أقصته، وتشاركت مع رئيس الدولة، ثم حيّدته نهائيًا عن مشهد تشكيل الحكومة، وانقلبت عليه دستوريًا.

وهو ما أدخل تونس إلى مرحلة انسداد سياسي، تعتبره النهضة انتصارًا لها، بينما تتزايد حالات الفُرقة بينها وبين باقي أطياف الكيانات السياسية، ويدخل الشارع التونسي إلى مرحلة من التوتر غير المضمون، بعدما ابتعد عنها اتحاد الشغل بسبب الظروف الاقتصادية السيئة. ويأتي ذلك في ظل ملاحقة القوميين واليساريين للحركة الإخوانية قضائيًا بتهم تتعلق بالجهاز السري والاغتيالات السياسية، إذ عادتْ النهضة مؤخرًا حلفاءها القدامى من الليبراليين بعدما انقلبت عليهم سياسيًا.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة