الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

خريجو التعليم العالي في تونس.. بلا وظائف

ما أسباب تفاقم المشكلة؟

خاص كيو بوست – جيهان غديرة

تعتبر البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا معضلة في الدول العربية، وتونس مثال على ذلك؛ إذ تشهد فيها ظاهرة البطالة ارتفاعًا ملحوظًا، خصوصًا لدى حاملي شهادات التعليم العالي، وهو ما يحيلنا إلى عجز سوق العمل عن استيعاب هذه الفئة.

كما يؤكد ذلك أن خطط التعليم في تونس تكاد تكون معزولة عن مخططات التنمية في البلاد؛ إذ تستوعب الجامعات أعدادًا هامة من الطلبة سنويًا دون وجود آفاق لتوظيفهم. فمنذ لحظة تسلم الشهادة، تبدأ رحلة الشقاء لهذه الفئة من الشباب الذي يجد نفسه في مفترق طرق، ويصعب عليه التروي واختيار الطريق السليمة في البحث عن عمل، فإما أن يستسلم للبطالة، أو أن يلجأ إلى حلول وقتية في أغلب الأحيان، كأن يرضى بوظيفة لا تتلاءم ومستواه التعليمي.

وفي الكثير من الأحيان تصبح هذه الفئة من الشباب فريسة لآفة اجتماعية رباعية الأبعاد؛ فالفقر والانتحار والهجرة والتطرف، أضلاع لمربع واحد.

 

ارتفاع نسبة بطالة خريجي التعليم العالي بعد الثورة

يعتبر التعليم الحل الأمثل لتطوير الذات واكتساب مؤهلات علمية للحصول على عمل يؤمن العيش الكريم، غير أن الواقع في تونس يكشف العكس، حيث أصبح النجاح في المسيرة الدراسية، والحصول على شهادة تخرج من مؤسسات التعليم العالي بمثابة العائق أمام الحصول على عمل في المؤسسات الحكومية أو الخاصة، وهو ما أفقد الشباب التونسي الأمل في قدرة التعليم على ضمان حظوظ أوفر للحصول على عمل.

وتتراكم سنويًا أعداد الذين أصبحوا عبئًا على الدولة، في ظل عجزها عن توفير ما يكفل حل مشاكل تشغيلهم. وتطلعنا آخر أرقام “المعهد الوطني للإحصاء”، التي  تخص الثلاثي الثالث من سنة 2017  على أنه يوجد في تونس 612 ألف عاطل عن العمل، من بينهم أكثر من 250 ألف من أصحاب  الشهادات العليا.

كما تؤكد تحاليل الإحصائيات الأخيرة أن نسبة البطالة في صفوف خريجي التعليم العالي تبلغ 32%، في حين أن معدلات البطالة بالنسبة إلى الشباب الذين لم يحصلوا على شهادات تعليم عال دون المعدل الوطني للبطالة، الأمر الذى يضعنا أمام مفارقة مفادها أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي كلما ازدادت صعوبة الحصول على عمل.  

كما أنجز كل من مكتب الدراسات “سيغما كونساي”، والمنظمة الألمانية “كونراد أدينوار”، دراسة بعنوان “التعليم العالي بين تلقين المعرفة والمتطلبات التشغيلية”، بينوا خلالها عدم الملاءمة في الوضع الحالي بين الزيادة الكبيرة في عدد المرسمين بالجامعات وتشغيل الخريجين منهم، وهو ما تسبب بتضاعف نسبة البطالة بعد ثورة 2011 في صفوف حاملي الشهائد العليا.

وأثبتت هذه الدراسة، التي تشخص مواطن الخلل في منظومة التعليم العالي وجودة التكوين العمومي، أن احتمال بطالة خريجي التعليم العالي في تونس يتضاعف مقارنة باحتمال البطالة بالنسبة لليد العاملة النشيطة ككل. من جهة أخرى تفيد الإحصائيات الأخيرة -عكس الاعتقاد السائد في تونس- بأن طبيعة الاختصاص هي من تقف وراء البطالة التي تهدد اختصاصات جامعية أكثر من غيرها.

ووفق ما أفاد به مدير عام “سيغما كونساي” حسن الزقوني لدى تقديمه لنتائج هذه الدراسة، بحضور وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم خلبوس، وثلة من الجامعيين والباحثين الشبان، فإنه على عكس ما يعتقده التونسيون أن اختصاص العلوم الإنسانية مثل الأدب وعلم الاجتماع… يحتوى أكثر نسب في البطالة؛ فحين يبلغ عدد العاطلين من أصحاب الإجازات في العلوم مثل الفيزياء، والرياضيات… 73 ألف عاطل، ويحتلون طليعة ترتيب العاطلين عن العمل من الخريجين الجامعين، يليهم حاملو شهادة التقني السامي بعدد 61 ألف عاطل، ثم 38 ألف عاطل من دارسي العلوم الإنسانية.

وتكون اختصاصات الاقتصاد والتصرف في المرتبة قبل الأخيرة بعدد 36 ألف عاطل، ونجد في المرتبة الأخيرة أصحاب الاختصاصات الطبية والهندسية، ويمثلون أقل من 34 ألف عاطل.

ويؤكد هذا بشكل واضح أن أزمة البطالة تفاقمت في السنوات الأخيرة في تونس، لتكشف أن خطط التعليم لا تأخذ بعين الاعتبار حاجيات سوق العمل.

وتفاعلًا مع نتائج الدراسة، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي سليم خلبوس: “إن أغلب الإحصائيات المقدمة تعكس حجم الإشكاليات والبرامج والأعمال التي تقبل عليها وزارة التعليم العالي في الفترة الحالية”، معتبرًا أن “الـ7 سنوات الماضية لم تسجل مشاريع وأعمال ملموسة للتغيير والاصلاح”.

وأقر خلبوس بأن “الجامعة التونسية ظلت لسنوات تنتج فقط حاملي شهادات، وتفتقد لعديد المهارات”، مضيفًا أن النظام القديم أنتج عملية تكوين فنية بحتة على حساب الخبرة والقيمة المضافة والمعرفة والانفتاح على المحيط الاقتصادي والاجتماعي، لذلك لم تلعب المدرسة في مختلف مستوياتها دورها التربوي”، حسب تعبيره.

كما اعتبر الوزير أن “فشل الجامعة في العشرين سنة الماضية يعود كذلك إلى انغلاق هذه المؤسسة الجامعية على نفسها وغياب الثقافة والإبداع عنها، فضلًا عن محدودية التفاعل الإيجابي مع المؤسسة الاقتصادية، ومع المحيط الدولي”، مشددًا على ضرورة إيجاد صيغ عملية وموارد مالية لمشكلة العلاقة بين المؤسسة الجامعية والمؤسسة الاقتصادية.

 

المناهج ومتطلبات سوق الشغل

يؤكد رئيس الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية، محمد بن فاطمة، أن تفاقم ظاهرة البطالة في صفوف خريجي التعليم العالي يعود بالأساس إلى “عدم توافق المناهج التعليمية في تونس مع متطلبات سوق الشغل الحالية”.

ويوضح بن فاطمة، أن البطالة “تتفاقم في صفوف الخريجين التونسيين بسبب افتقار المناهج التعليمية للجوانب الميدانية، إذ تكتفي معظم المؤسسات التعليمية بتقديم الجوانب النظرية العامة”. ويرى المصدر ذاته أن “الطالب التونسي المتخرج حديثًا يجد نفسه في مواجهة تحديات غير معهودة في سوق الشغل، خصوصًا إذا تعلق الأمر بالصناعات أو التكنولوجيا الحديثة”.

من جهة أخرى، يطالب رئيس الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية بـ”إعادة تقسيم أوقات الطلاب بين الجامعات من جهة، والمصانع والإدارات والمختبرات من جهة أخرى، لكي يجد المتخرج حديثًا نفسه في مواجهة مهام مألوفة”.

 

إدارة ملف التشغيل

أما المحلل السياسي الجمعي القاسمي فقد علق على الأرقام التي كشف عنها معهد الإحصاء بالقول إنها “أرقام مرعبة تعكس فشل الحكومات المتعاقبة منذ سقوط نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي في إدارة ملف التشغيل، خصوصًا الجانب الذي يخص أصحاب الشهادات الجامعية، على الرغم من أن ملف التشغيل يتصدر أولويات التونسيين”.

هذا ويظل الاختلال بين أعداد حاملي الشهادات الجامعية وعروض العمل راجعًا إلى غياب الشراكة بين قطاعي التعليم والتشغيل، وهي شراكة لم تتخذها الدولة ركيزة أثناء وضع مخططات، إلى جانب إصلاح التعليم والتركيز على الجانب التطبيقي لإكساب الخريجين خبرات تمكنهم من الحصول على عمل.  

ويبقى انعدام أفق التشغيل هذا أكبر هاجس يشغل ملايين الشباب والشابات وحكوماتهم، التي كثيرًا ما تلجأ إلى حلول ترقيعية سريعة لمواجهة هذه الآفة، لا تزيد الطين إلا بلة والأزمة إلا تعمقًا!

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة