الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

خداع أردوغان

كيوبوست – ترجمات

سامي مبيض♦

في 20 مارس 2021، ظهر إبراهيم منير؛ المرشد العام بالنيابة لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، على قناة الجزيرة الفضائية التي تتخذ من الدوحة مقرًا لها ليتحدث عن التقارب بين القاهرة وأنقرة، الذي أثار استغرابًا وعاصفة من التكهنات، في جميع أنحاء المنطقة. وبدا واثقًا ومطلعًا جدًا، وقال لأتباعه إنه لم يتم التوصل إلى اتفاق على حسابهم بين الحكومتين التركية والمصرية. وأضاف أن تركيا لن تطرد أبدًا أعضاء جماعة الإخوان المصرية من أراضيها. وكان منير محقًا في ذلك.

اقرأ أيضًا: سياسة أردوغان الخارجية الإسلامية على مفترق طرق!

كان القيادي الإسلاموي المصري يعبّر عن سياسة روّجت لها السلطات التركية خلف أبواب مغلقة لضيوفها المصريين من جماعة “الإخوان المسلمون”. وأضاف أنه لا يزال يثق بتركيا، داعيًا أتباعه إلى أن يفعلوا الشيء نفسه1. حقيقة أنه حصل بالفعل على فرصة الظهور على قناة الجزيرة، وهي من المؤيدين منذ فترة طويلة لجماعة “الإخوان المسلمون”، هي في حد ذاتها شهادة على أن الدعم التركي-القطري للجماعة الإسلاموية المحظورة لم يتغير كثيرًا. لكنه شعر بأنه مضطر للخروج والتحدث في ضوء سيل من التقارير الإعلامية حول التخلي التركي القادم عن جماعة الإخوان، ما بثّ الرعب في قلوب العديد من أعضائها من المصريين المقيمين في تركيا. فقد أشاعت مصادر إن تركيا قد كممت أفواه ثلاثين عضوًا من جماعة “الإخوان المسلمون”، وأمرتهم بالتوقف عن التحدث إلى الصحافة. وأضاف آخر أن الإسلامويين المصريين في تركيا وُضعوا قيد الإقامة الجبرية تمهيدًا لترحيلهم، في حين ادّعى ثالث أن هناك عمليات تدقيق جارية في الحسابات المصرفية لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين المصرية المقيمين في تركيا2.

إبراهيم منير؛ المرشد العام بالنيابة لجماعة الإخوان

حقيقة أم خيال؟

العديد من هذه التقارير بشأن انقلاب تركيا على جماعة “الإخوان المسلمون” أكثر خيالًا من الواقع، هي إما من وحي خيال بعض الصحفيين أو من آمال أشخاص مناهضين للإخوان، وكلتا الفئتين موجودة بكثرة في العالم العربي. ويبدو أن كل هذه التقارير استندت إلى تعليماتٍ صدرت مؤخرًا من السلطات التركية إلى ثلاث قنوات معارضة مصرية تبث من تركيا، تأمرها بتخفيف حدة انتقاداتها للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. والقنوات الثلاث -الشرق والوطن ومكملين- كلها تابعة لجماعة “الإخوان المسلمون”، وقد تم تهديدها بعقوباتٍ إذا لم تنصَعْ للأمر3. وعلى الفور خرجت قناة الشرق ببيانٍ، اعتذرت فيه للمشاهدين عن عدم بث حلقة مسائية من برنامج بعنوان “الشارع المصري”، الذي كان يُخصص عادة لانتقاد حكومة السيسي.

ياسين أقطاي

غير أن ياسين أقطاي؛ مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وضع الأمور في نصابها الصحيح، حيث ظهر على قناة الجزيرة لينفي أن يكون لدى رئيسه أي نية لإغلاق القنوات التلفزيونية الثلاث أو تسليم أعضاء جماعة الإخوان المصرية. ووصف أقطاي رد الفعل بأنه “نباح”، مضيفًا: “من المستحيل على تركيا تسليم أي شخص، لا إلى مصر ولا إلى أي بلد يطبق عقوبة الإعدام”4. وأضاف عضو المعارضة المصرية البارز أيمن نور، الذي يدير قناة الشرق، أن السلطات التركية طلبت منهم بشكل مهذب تعديل سياستهم التحريرية تجاه مصر، نافيًا صدور أمر بإغلاق قناته5.

غير أن هذه البيانات لم يكن لها تأثير كبير؛ فلقد استمرت تكهنات وسائل الإعلام حول الطلاق بين أردوغان و”الإخوان المسلمون” في الازدياد. قال أحد التقارير إنه تم تشكيل وفد كبير لإعادة النظر في تصاريح إقامة أعضاء الإخوان المصريين المقيمين في أنقرة واسطنبول منذ عام 2013. وأضاف المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي لديه باعتراف الجميع سجلًا غير متسق للغاية عندما يتعلق الأمر بالدقة، إلى موجة التكهنات، قائلًا إن المقاتلين المدعومين من تركيا في ليبيا قد صدرت لهم الأوامر بحزم أمتعتهم والمغادرة في بادرة حسن نيّة تجاه مصر. وأضاف التقرير أن 9,000 منهم غادروا بالفعل ساحة المعركة في ليبيا، ونقلوا جوًا من قبل المخابرات التركية6. وتجدر الإشارة هنا إلى أن واحدة على الأقل من هذه الجماعات العسكرية، فيلق الشام، تتبع علنًا للفرع السوري لجماعة الإخوان المسلمين7.

اقرأ أيضًا: “التايم” تحذر من نتائج سياسات أردوغان العدوانية على العالم

أردوغان لن يتخلى عن الإخوان

الذي يتوقع من أردوغان أن يخون الإخوان هو أقرب إلى مطالبة إيران بالتخلي عن حزب الله أو الحاكم الروسي فلاديمير بوتين بسحب قواته من سوريا. إنها محض تمنياتٍ لن تحدث. لقد بنى الزعيم التركي سياسته الخارجية برمتها تجاه العالم العربي على دعم اللاعبين من غير الدول مثل جماعة “الإخوان المسلمون”، واستخدامها كأوراق ضغط لزعزعة استقرار الحكومات، وتحقيق طموحاته السياسية. فبدون جماعة “الإخوان المسلمون”، سيفقد نفوذه في الشؤون المصرية والفلسطينية والسورية، ما يؤدي إلى تآكل انتصاراته الأخيرة في ليبيا، حيث تمكن من إحباط الهجوم العسكري لخليفة حفتر العام الماضي، من خلال مرتزقة تابعين للإخوان. فهو بحاجة إلى أن تحافظ حركة حماس على حصتها في الانتخابات الفلسطينية المقبلة، وأن يحتفظ رفاقهم السوريين بالأراضي التي استحوذوا عليها في سوريا خلال السنوات 2016-2018.

مسيرة لأنصار جماعة الإخوان في تركيا – أرشيف

إن التخلي عن هؤلاء الوكلاء سيلحق أردوغان الضرر بنفسه، ويحرمه من أداة موثوقة لسياسة الدولة التي استخدمها، مرارًا وتكرارًا، للتأثير على الأحداث في العالم العربي. وعلينا أن نسأل ما الذي سيحصل عليه أردوغان مقابل مثل هذه السياسة الانتحارية؟ العلاقات الاقتصادية التركية-المصرية في تنامٍ، ولم تتوقف أبدًا رغم التوترات السياسية.

وفقًا للأرقام الرسمية، ارتفعت الصادرات المصرية إلى تركيا إلى ملياري دولار في عام 2018، بزيادة طفيفة عن 1.9 مليار دولار في عام 2017، في حين بلغت الواردات التركية 2.3 مليار دولار8. سواء حدث تحول ضد جماعة “الإخوان المسلمون” أم لا، من المرجح أن تستمر تلك العلاقات الاقتصادية. هذا بالطبع بالإضافة إلى حقيقة أنه ملتزم أيديولوجيًا بجماعة الإخوان التي بدأ معها حياته المهنية كسياسي شاب. ولا بد من التذكير بأنه حتى المقاطعة المتعددة الدول لقطر، لم تنجح في تعديل السياسات التحريرية لقناة الجزيرة المؤيدة للإسلامويين، مع العلم بأن قطر أكثر قابلية للتأثر عن تركيا.

اقرأ أيضًا: تركيا أردوغان.. والإخوان المسلمون في إفريقيا

ومع ذلك، يبدو أن هناك تقاربًا مصريًا-تركيا جاريًا، بدافع المصالح المتبادلة والديناميات الإقليمية المتغيرة المتعلقة بإدارة بايدن. العلاقات التركية-الأمريكية في أدنى مستوياتها على الإطلاق، بعد قرار اتخذه البيت الأبيض مؤخرًا بالاعتراف بالإبادة الجماعية الأرمنية التي وقعت خلال الحرب العالمية الأولى9. وتواجه تركيا بالفعل تهديد العقوبات من كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، على التوالي، بسبب عمليات الحفر في المياه التي تطالب بها قبرص وشراء صواريخ إس-400 المضادة للطائرات من روسيا. ويشعر أردوغان بأنه أكثر ضعفًا وعزلة، ومن ثم فهو يبحث عن حلفاء إقليميين ودوليين. لقد رحل العديد من أولئك الذين اعتمد عليهم لسنوات، بمن فيهم محمد مرسي، وعمر البشير في السودان، ومؤخرًا فايز السراج في ليبيا.

التوقعات المستقبلية

جاء الاعتراف الرسمي من أنقرة في 12 مارس عندما أعلن وزير خارجية أردوغان مولود جاويش أوغلو أن المحادثات قد استؤنفت مع مصر، على المستوى الاستخباراتي والسياسي على حد سواء، وهو ما يشكل انفراجة كبيرة، لا شك، بعد سنواتٍ من التوتر والعداء الناجمين عن الإطاحة بالرئيس مرسي في عام 2013، الذي كان مدعومًا بالكامل من أردوغان10.

تواجه القنوات الإخوانية شبح الإغلاق

وفي 14 مارس، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري أن المحادثات قد استؤنفت بالفعل، قائلًا إن تصريحات تركيا عن حسن نيّة يجب أن تتبع باتخاذ إجراءاتٍ ملموسة للمضي قدمًا في التطبيع، موضحًا الأسباب التي دفعت تركيا لطرح “بالون اختبار” قصقصة أجنحة القنوات الثلاث التابعة للإخوان المسلمين، كإجراء لبناء الثقة مع القاهرة. ولكن لكي تمضي تلك المحادثات قدمًا وتؤتي ثمارها، سيتعين على أردوغان أن يفعل ما هو أفضل من ذلك، باتخاذ إجراءات جادة ضد جماعة الإخوان المسلمين التي -ما لم يقع حدث جذري لا يمكن التنبؤ به- لن يفعلها.

اقرأ أيضًا: لماذا اختارت تركيا تقليم أظافر القنوات الإخوانية؟

وفي هذا الصدد، قال الصحفي التركي عبد الله بوزكورت، التابع لحركة جولن التركية المعارضة، في حديثه مع موقع عين أوروبية على التطرف: “إن فك ارتباط الرئيس أردوغان بجماعة (الإخوان المسلمون) مجرد هراء”. وأضاف: “قد يقدم تضحيات [و] تنازلات، لكن استراتيجيته العامة لن تتغير”، وخلص إلى أن: “هذه المواقف الأخيرة ليست تحولًا استراتيجيًا بالنسبة له وللإسلامويين السياسيين التابعين لجماعة (الإخوان المسلمون) في تركيا. وسوف يعود إلى سياساته القديمة علنًا بمجرد أن تسمح الظروف بذلك. وفي غضون ذلك، سيواصل تقديم دعم حكومته لجماعة الإخوان المسلمين في سرية”.

♦باحث وأستاذ جامعي سوري، متخصص في الدراسات التاريخية، عمل باحثا في مركز كارنيجي، مؤلف كتاب: تحت الراية السوداء- على مشارف الجهاد الجديد”، صدر في 2015.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

المراجع:

[1] “Cairo sees little place for Brotherhood in rapprochement with Ankara” Arab Weekly (March 22, 2021): https://thearabweekly.com/cairo-sees-little-place-brotherhood-rapprochement-ankara

[2] Abdul-Razeq, Said. “Turkiya tuqayid harakat al-Ikhwan” Alsharq Alawsat (March 20, 2021): shorturl.at/gDRTZ

[3] “Turkey orders Muslim Brotherhood TV channels to stop airing anti-Egypt rhetoric” Al-Arabiya English (March 18, 2021): https://english.alarabiya.net/News/middle-east/2021/03/19/Turkey-orders-Muslim-Brotherhood-TV-channels-to-stop-airing-anti-Egypt-rhetoric

[4] “Mustashar Erdogan: Lam natlob iglak qanawat muarida li Masr, wa tasleem muarideen lam yutrah” CNN Arabic (March 19, 2021): https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2021/03/19/turkey-yasin-aktay-tv-stations-egypt

[5] “Mustashar Erdogan: Lam natlob iglak qanawat muarida li Masr, wa tasleem muarideen lam yutrah” CNN Arabic (March 19, 2021): https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2021/03/19/turkey-yasin-aktay-tv-stations-egypt

[6] “Bad Awdet Erdogan ila al-Hudn al-Arabi, tarakub li awdat al-murtazaka al-Souriyeen min Libya ila Souria bi awamer Turkiya” Syrian Observatory for Human Rights (March 19, 2021): shorturl.at/oHUZ6

[7] Lefevre, Raphael & El Yassir, Ali. “Sham Legion: Syria’s Moderate Islamists,” Carnegie Middle East Center (April 15, 2014): https://carnegie-mec.org/diwan/55344

[8] Cengiz, Sinem. “Can Egypt and Turkey break the ice after years of chilly relations?” Arab News (March 5, 2021): https://www.arabnews.com/node/1820551

[9] Ghazanchyan, Siranush. “Biden Administration will officially acknowledge Armenian genocide,” Public Radio of Armenia (March 23, 2021): https://en.armradio.am/2021/03/23/biden-administration-will-officially-acknowledge-armenian-genocide-political-analyst-ian-bremmer-says/

[10] Burc Eruygur. “The Turkish-Egyptian Rapprochement: Prospects for the Future” The Center for Middle East Studies, (March 20, 2021): https://www.orsam.org.tr/en/the-turkish-egyptian-rapprochement-prospects-for-the-future/

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة