الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

خبير في التنظيمات الإرهابية المسلحة لـ”كيوبوست”: السجون مصانع التكفيريين، والفكر لا يواجه إلا بالفكر

كثير من شباب الإخوان في السجون المصرية تحولوا إلى فكر داعش.. وسجناء حذروا من الأمر بكتب شرعية

خاص كيو بوست – 

عبد المنعم لكيو بوست:

مراجعات الجماعة الإسلامية في السجون المصرية عام 1997 تاريخية،

وتتكرر الآن بين شباب الإخوان

التعذيب يقود الشباب إلى الفكر التكفيري،

والسجون الأوروبية نموذج يجب الاحتذاء به في العالم العربي

 

 

انتشرت أفكار تنظيم داعش الإرهابي في السجون العربية، فالتحق العديد من السجناء السابقين -وعلى رأسها السجن المصري- بصفوف التنظيم الإرهابي بعد خروجهم من السجن، الأمر الذي طرح سؤالًا: كيف تأثر هؤلاء بأفكار التنظيم الإرهابي رغم بعدهم عن المنصات الإعلامية للتنظيم الإرهابي المسؤولة عن التجنيد.

الخبير في شؤون التنظيمات الإرهابية المسلحة الدكتور عمرو عبد المنعم، تحدث لـ”كيوبوست” ليفسر تلك الظاهرة، ويشرح بالتفصيل كيف ينتشر الفكر التكفيري في السجون، وكيف يتم القضاء عليه، وهذا نص الحوار الذي دار بين كيو بوست ود. عمرو عبد المنعم.

 

أولًا، نريد أن نعرف كيف يتم تجنيد بعض العناصر لصالح تنظيم داعش الإرهابي داخل السجون المصرية تحديدًا؟

 هناك أكثر من شكل للتجنيد، فمثلًا هناك بعض الأشخاص الذين دخلوا السجون وهم غير منتمين لأي تنظيم فعلي، فهؤلاء يسهل تجنيدهم من خلال عمل حاضنة داعشية لهم داخل السجن. وتبدأ تلك الحاضنة بملأ رؤوس هؤلاء بأفكار التنظيم، أما الشباب المنتمي بالفعل للتنظيم مثل أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، فتحولّهم من داعش لا يكون من خلال الحاضنة فحسب؛ بل يكون بسبب ضغوط تعرض لها هؤلاء الشباب في السجن مثل التعذيب، الأمر الذي يتسبب في تحول كينونته الفكرية إلى انتماء أكثر تشددًا وغلوًا مما سبق، وفي هذه الحالة، يكون الخيار الخاص به هو الانضمام للتنظيمات التكفيرية وعلى رأسها تنظيم داعش الإرهابي.

 

إذًا الضغوط في السجون تكون أحيانًا سببًا في تحول بعض السجناء إلى الفكر التكفيري؟

بالطبع، ولنا في التاريخ خير دليل، شكري أحمد مصطفى، على سبيل المثال لا الحصر، أسس بعد سجنه جماعة إسلامية عرفت إعلاميًا بـ”التكفير والهجرة”. وكان مصطفى قبل سجنه عضوًا في الإخوان المسلمين لا يعرف الفكر التكفيري. وكذلك عبد الله السماوي الذي أسس جماعة السماوي التكفيرية بعد خروجه من السجن رغم أنه لم يكن تكفيريًا قبل دخوله السجن، وهذا ما يحدث الآن مع الشباب الذي يخرج من السجن داعشيًا بعد أن كان لا يؤمن بالفكر التكفيري قبل سجنه إطلاقًا؛ وقد رصدت هذا الأمر وحذرت منه، وحذر منه من بعدي سجناء الجبهة السلفية الذين أصدروا كتابًا من سجنهم للتحذير من الأمر عرف باسم “حوارات ساخنة خلف قضبان باردة”، وقد وضح هذا الكتاب الذي ألفه السجين أشرف عبد المنعم الكثير من الأسرار التي تحدث في السجون والمعتقلات؛ ومنها وجود تحول كبير في أفكار الشباب الإسلامي وخصوصًا الإخواني وانضمامهم إلى داعش.

 

لماذا يتحول شباب الإخوان تحديدًا إلى فكر داعش دون غيرهم؟

لأسباب عدة؛ أهمها أن المكنون الفكري للإخوان المسلمين جاهز لأفكار العنف، والتنظيمات السرية، والمقاومة المسلحة كضرورة لعملية التغيير، وهو ما يقترب من فكر داعش ويتلاقى معه في بعض النقاط، الأمر الذي يجعل الشباب الإخواني يتحول بسهولة إلى داعش. إلى جانب ذلك، ليس للإخوان تعريفات واضحة لبعض المفاهيم الإسلامية التي تشغل أذهان شبابهم مثل الطائفة الممتنعة، ودفع الصائل، وأحكام الكفر، الأمر الذي يجعل الشباب يبحث في أفكار داعش عن تلك المفاهيم وتكون النتيجة النهائية هي انجذابهم لمثل تلك الأفكار.

 

ولكن كثيرًا ما يهاجم الإخوان وداعش بعضهم، بل وكثيرًا ما تصل الأمور حد التكفير، أليس كذلك؟

نعم صحيح، وبالمناسبة، حدثت مناقشات فكرية حادة ما بين قيادات الإخوان وبين عناصر تنظيم داعش، نتج عنها بعض الإصابات في سجن مثل سجن العقرب، وكذلك في سجن استقبال طرة. واتهم أعضاء الإخوان في السجون الأمن المصري بإطلاق عناصر داعش عليهم، فيما اتهم داعش أعضاء الإخوان بتقديم تقارير ضدهم لدى الأمن، وللعلم؛ فإن تنظيم داعش يكفر الإخوان تكفيرًا عينيًا لانتهاجهم نهجًا ديمقراطيًا مثل تأسيس الأحزاب، والمشاركة في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي، في حين يعتبر الإخوان الدواعش خوارج يقتلون المسلمين بعد أن يكفرونهم.

 

دعني أعود معك نقطة إلى الوراء؛ قلت إن الإخوان لديهم أفكار تميل إلى العنف، ولكن هذا على عكس المعلن من الجماعة بشأن سلميتهم المزعومة؟

الإخوان يعلنون أمام الرأي العام أنهم يملكون نهجًا سلميًا، ولكن في الحقيقة الإخوان يمتلكون تنظيمًا سريًا يعرف باسم “النظام الخاص”، ولهذا التنظيم رؤية تعتمد في أساسها على العنف واستخدام القوة، وهذا الأمر متداول على نطاق واسع بين أعضاء الإخوان.

 

كيف يتم تجفيف منابع التكفير في السجون وخارجها؟

مبدأيًا؛ السجون المصرية ليست علاجًا لمواجهة انتشار الفكر التكفيري، وقد ثبت أنها قد تكون مصنعًا للأفكار الإرهابية والمتطرفة؛ وهنا أنا لا أتحدث عن الإفراج عن إرهابيين أو محكوم عليهم في جرائم بحجة مواجهة الفكر التكفيري، ولكني أقول إن من الواجب العمل على إيجاد معالجة حقيقية للفكر التكفيري من داخل السجن، حتى لا يتحول السجين إلى تكفيري، وهذه حقيقة يجب أن يفهمها القائم على السجن حتى لا يتسبب دون قصد في تحويل سجناء إلى دواعش، يدفع المجتمع ثمنًا باهظًا لأفكارهم بعد خروجهم.

 

وما المطلوب من إدارة السجون المصرية في هذا الصدد؟

أتمنى أن تكون السجون المصرية كالسجون الأوروبية في التعامل مع المجرمين والإرهابيين، إذ يوضع الإرهابي في سجن معين لفترة ما بامتيازات وصلاحيات معينة، وفي حال تغييره لأفكاره وتعامله بلطف، يُوضع في مكان ذي امتيازات أكثر وأفضل، وهكذا حتى يتخلص الشخص الذي يدخل السجن من إجرامه أو أفكاره التي كانت سببًا في دخوله إليه، وهذه التجربة لو تمت في مصر سيكون لها أثرًا كبيرًا في عودة الكثيرين من أصحاب الفكر المتطرف إلى الفكر المعتدل بعد أن نساعدهم بكل الوسائل الفكرية والثقافية؛ بل والفنية والرياضية أيضًا، في التخلص من كل فكر دموي يحملونه. كما أدعو أن تقوم السجون المصرية بتعليم السجناء حرفًا تدر دخلًا عليهم وعلى أسرهم في الخارج، فهذا الأمر سيساعد كثيرًا في تحويل أفكار الإرهابيين الذين يعانون داخل سجنهم بسبب أسرهم وكيفية عيشهم. وللعلم فأنا أرى أن السجن لا يكون لفرد واحد من الأسرة بل يكون لأسرة بأكملها مكونة من 15 فردًا على أقل تقدير، أب وأم وإخوة وزوجة وأبناء يعانون من نظرة المجتمع لهم وضيق أحوال المعيشة، ومن الممكن أن تكون النتيجة تحويل الأسرة كلها إلى التشدد.

 

من وجهة نظرك، كيف تتم المراجعات الفكرية داخل السجون؟

أتمنى أن تقوم الحكومة بإرسال علماء للسجون للحديث مع السجناء بشرط ألا يكونوا من العلماء المعروفين والتقليديين، ولك أن تعلم أن جماعة التكفير والهجرة انتهت تمامًا داخل السجون من خلال أحد هؤلاء العلماء وهو غير معروف للإعلام كان اسمه موسى شاهين لاشين، ذلك الرجل الذي أخذ على عاتقه، بعد استشهاد صديقه الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري السابق الذي قتلته تلك الجماعة، مراجعة أفكار أعضائها، وقام بالفعل بالذهاب إلى السجن وجلس أيامًا طويلة في سجن طرة العمومي مع قادة وأعضاء تلك الجماعة؛ أمثال صفوت الزيني، وطلال الأنصاري ليخلصهم من الفكر التكفيري، ونجح بالفعل بعد 3 سنوات من العمل المتواصل من إنهاء جماعة التكفير والهجرة بالفكر لا بالعنف. وقد أعلن ذلك الشيخ نفسه في مقال له بجريدة اللواء الإسلامي، ولهذا أقول وأردد: نحتاج إلى تكاتل مجتمعي ثقافي ديني رياضي فني للقضاء على الفكر التكفيري من السجون بعيدًا عن أي عنف أو تعذيب يمارس ضد السجناء.

 

تحدثت عن المراجعات، فكيف ترى المراجعات التي خاضتها الجماعة الإسلامية المصرية في السجون عام 1997؟

المراجعات الفكرية التي قادتها  الجماعة الإسلامية عام 1997 برعاية الدولة المصرية كانت رائعة كونها وصلت إلى مختلف السجون، وتسببت في مناقشات داخلية عديدة كانت نتيجتها تخلي الجماعة الإسلامية عن العنف والعمل المسلح مما جنّب مصر الكثير من الدماء. ولن أنسى ما قاله أحد ضباط أمن الدولة وقتها: “من قام بإدخال هؤلاء الأفراد لهذه الجماعة هو المنوط به إخراجهم مرة أخرى”، وبالفعل اعتكف قادة الجماعة الإسلامية الـ10 وعلى رأسهم الدكتور كرم زهدي رئيس مجلس شورى الجماعة، وناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة، وعصام دربالة عضو مجلس شورى الجماعة الآخر، للقيام بكتابة الكتب الخاصة بهذه المراجعات التي أرى أنها تحتاج إلى دراسة وبحث علمي مكثف كي نخرج منها بأساسيات نواجه بها الفكر التكفيري الآن.

 

يرفض بعض السياسيين والشخصيات العامة المصرية فكرة المراجعات ويرون أن السجن والإعدام هو الحل الوحيد لمواجهة هذا الفكر التكفيري وأصحابه؛ فكيف ترى هذا الطرح؟

أرفض الأصوات التي تقول “لا مصالحة ولا مراجعات”، فهذا أمر في منتهى الخطورة يزيد من الفكر التكفيري بدلًا من مقاومته. ولعلمك؛ فإن هناك الكثير من الشباب بدأ يراجع نفسه ويترك الأفكار التكفيرية القديمة، سواء داخل السجون أو خارجها، وهذا مؤشر جيد بأن الأمل موجود لإنقاذ هؤلاء الشباب وتجفيف منابع الإرهاب، وأتمنى في المستقبل القريب أن يكون لمصر إنتاج فكري حضاري لمواجهة الفكر المتطرف في الفترة المقبلة.

 

برأيك، كيف يمكن القضاء على الأفكار المتطرفة داخل السجون؟ شاركنا الإجابة عبر التعليقات أدناه.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة