الواجهة الرئيسيةصحةمقالات

خبراء يناقشون “عن بُعد” أزمة كورونا

مفاهيم جيوسياسية مستقرة باتت على المحك

 د. أمل صقر ♦

ناقش عدد من الباحثين والخبراء في فعاليتَين مختلفتَين مكانًا، متفقتَين موضوعًا، أبرز انعكاسات انتشار فيروس كورونا على عدد من المفاهيم والمصطلحات الجيوسياسية التي باتت الآن أكثر من أي وقت مضى تخضع لإعادة النظر والنقاش، بدءًا من مفهوم العولمة والديمقراطية والشمولية، مرورًا بالشعبوية، وصولًا إلى مفاهيم المسؤولية المجتمعية وصيغها الجديدة.

فقد عقد مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية، ومركز تريندز للاستشارات في أبوظبي، في 31 مارس 2020، حلقتَي نقاش عن بُعد، التزامًا بسياسات التباعد الاجتماعي والإجراءات الاحترازية التي تبناها العديد من الدول والجهات للتعامل مع انتشار الفيروس. واستضاف كل فعالية فريقًا من الخبراء من خلفيات جغرافية متنوعة: الصين والولايات المتحدة والهند والإمارات ومصر، ومن خلفيات علمية مختلفة: سياسية واقتصادية واجتماعية. وكان الموضوع الأساسي للحلقتَين هو الحديث عن المشهد العالمي الجديد على خلفية انتشار وباء كورونا. وقد أتاح التنوع المكاني والمهني للمشاركين ثراءً في وجهات النظر والآراء والأفكار. وفي ما يلي مجمل للأفكار والقضايا والآراء التي طُرحت في كلٍّ منهما.

اقرأ أيضًا: أزمة “كورونا” العالمية في عصر ما بعد الحقيقة!

العولمة في مقابل العزلة

يبدو أن مفهوم العولمة من أكثر المفاهيم التي تخضع للنقاش والتقييم، وتتفاوت وجهات النظر حوله بصورة واضحة. وفي مقابل العولمة -وفي القلب منها الاعتماد المتبادل- يظهر مفهوم العزلة والانكفاء على الداخل. وتفيد الآراء المطروحة أن العديد من الدول سوف يُعيد التفكير جديًّا بعد الأزمة في سياسات الاعتماد المتبادل.

والسؤال المطروح هو: هل تعني أزمة كورونا نهاية العولمة؟

هنا يمكن الحديث عن وجهات نظر مختلفة؛ فهناك اتجاه يرى أن العولمة تخضع لإعادة النظر، وإعادة تقييم بعض المفاهيم المتضمنة فيها، فالعولمة تركز على الاعتماد المتبادل وعولمة الإنتاج؛ بمعني إشراك دول ومناطق عدة من العالم في تصنيع منتج واحد، وهذه العملية اعتبرت آلية جديدة للهيمنة، قادتها الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال محاولتها فرض منظومتها القيمية الليبرالية. ورغم هيمنة هذا النموذج والنجاحات التي حققها؛ فإنه فلم يتمكن من تجاوز ضغوط الأزمة الاقتصادية الكبرى التي يمر بها حاليًّا.

جانب من الحلقة النقاشية في مكتبة الإسكندرية

والحديث الآن بات يدور حول محدِّدات وقيود على العولمة؛ لأن هناك تيارًا متناميًا يرى أن الانغلاق يضمن سلامة الشعب، ما يعني أن قضايا عالمية مثل الهجرة غير الشرعية والإرهاب والمناخ تراجعت كأولوية، لتنمو نزعات الانكفاء على الذات والاهتمام بالتأثيرات التي سبَّبها الوباء ومحاولة علاجها. وسيجد التطرف اليميني تربة خصبة في ظل الرغبة المتنامية في الانكفاء على الداخل والرغبة في طرد المهاجرين لتوفير فرص العمل التي ستكون قليلة جدًّا. وقد أشار أحد المشاركين إلى أنه من أجل مواجهة “كورونا”، اضطرت الدول الليبرالية التي تتحدث عادةً عن ضرورات وأهمية التعاون العابر للحدود في مواجهة التهديدات المشتركة، إلى فرض قيود صارمة وحادة على حرية السفر والتنقل لا تقل عمَّا فرضته الصين مع ظهور الوباء.

في المقابل، يوجد تيار فكري يتبنَّى توجهًا مختلفًا، وهو أن الأزمة ليست في العولمة في حد ذاتها، وأنه لا يمكن لعقارب الساعة أن تعود إلى الوراء، وأن مصدر الأزمات والمشكلات في العولمة يعود إلى السياسات الداخلية في كل دولة، والتي تحتاج إلى إعادة مراجعة لها؛ حيث إن هذه السياسات فشلت في تحقيق توزيع عادل ومتكافئ لثمار العولمة، فالفكرة أن مكاسب العولمة لم توزع بالتساوي نتيجة فشل الدولة في القيام بدورها.

اقرأ أيضًا: حتى لا نصل إلى السيناريو الكارثي بسبب “كورونا”

وفي الإطار نفسه، فإن كارثة مثل “كورونا” قد تقود على العكس إلى تطوير وعي عالمي مشترك؛ فهذه الأزمة بات يعانيها الجميع في كل مكان من العالم، ما يجعلهم على اتصال أعمق بعضهم مع بعض. ففي النهاية، فإن النظام المعقد الذي أوجدته العولمة من الاعتماد المتبادل، ووجود ما يشبه الشبكات المتداخلة من الشركات التي أدت إلى أن إنتاج منتج واحد يكون نتيجة عمل متكامل في دول عديدة؛ لأنه يتكون من أجزاء يُصنَّع كل منها في دولة، وتُجمع هذه الأجزاء إلى بعضها في النهاية. ومن ثَمَّ فإن هذا النمط من التخصص الذي أوجدته العولمة من الصعب استبداله، ومن الصعب على كل دولة أن تنتج كامل ما تحتاج إليه من سلع وخدمات.

الديمقراطية في مقابل السلطوية

تبدو الصين من منظور عدد من المختصين الرابح الأكبر من هذه الأزمة، فقد دأبت، وهي التي تتبنَّى نظامًا سلطويًّا شموليًّا، على انتقاد النظام الليبرالي، ورفض القولبة، ودافعت عن فكرة أن لكل مجتمع خصوصيته، ورفضت أن تكون الديمقراطية على الطريقة الغربية هي النموذج الوحيد لطبيعة الحكم في العالم. وقاد نجاح الصين في السيطرة على انتشار الفيروس في مقابل فشل الولايات المتحدة إلى فقدان الأخيرة سمعتها بوصفها النموذج الذي يتطلع إليه العالم.

اقرأ أيضًا: “كورونا” يخلِّف آثارًا عميقة على الاقتصاد وخطوط الطيران

ووضع انتشار الفيروس وتباين قدرة تعامل الحكومات معه النظم الديمقراطية في موقع مساءلة، فالقرارات القمعية غير الديمقراطية التي طبقتها الصين تبدو ماثلة في الأذهان، في مقابل إجراءات أقل حدة اتخذتها الدول التي ترددت في اتخاذ قرارات ضد الحرية، وأدت في النهاية إلى تفاقم انتشار الوباء بها. فقد تبنَّت الصين سياسات شديدة الصرامة، كان من ضمنها فرض غرامات مالية وعقوبات بالسجن على المخالفين، واتضح أنه يجب اتخاذ قرارات فوقية من جانب الدولة في وقت الأزمات، لابد أن تعلو على حريات الأفراد.

لكن بصفة عامة، لا يبدو الأمر مجرد مواجهة بين الديمقراطية والشمولية، بل يتعلق الأمر بقدرة كل حكومة على التعامل مع الشعب، وهذا هو المحك الرئيسي؛ فالاستراتيجيات في النهاية هي مربط الفرص وليس الأيديولوجيات.

محاولات لعلاج فيروس كورونا – وكالات

الصراعات الكبرى.. هل تنحسر؟

وذهب مشاركون إلى أن تأثيرات “كورونا” ستدفع في اتجاه تأجيج الصراعات الدولية وحدة الاستقطاب؛ فهناك حرب باردة مستمرة بين الولايات المتحدة والصين، واتهامات متبادلة بينهما، وكل منهما يلوم الآخر على انتشار الوباء. وتتبادل روسيا وأوروبا اللوم أيضًا؛ ولذا فإن الواقع يعزز فكرة إذكاء الوباء للعديد من الصراعات العالمية، وليس التقليل منها. وأفكار مثل التعاون العالمي والتكاتف الدولي ليست أكثر من تصورات مثالية، لا يمكن تحقيقها واقعيًّا.

من جانب آخر، فإن من غير الوارد التفكير في أن التحالفات الجيوسياسة ستتغير، ولن يؤدي الوباء -على سبيل المثال- إلى حل مشكلات مثل أزمة اليمن، أو إلى توقف الحوثيين عن إطلاق الصواريخ الباليستية على المملكة العربية السعودية، أو امتناع إيران عن دعم الحوثيين، أو إيقاف “حزب الله” عبثه بسوريا.

اقرأ أيضًا: العالم بعد “كورونا”

وفي هذا الصدد يبدو أن ممارسات الدول الخارجية المختلفة في سياستها لن تتغير كثيرًا على الأرجح؛ فدول مثل إيران وكوريا الشمالية وتركيا، على سبيل المثال، لم تغيِّر أزمة كورونا من سياساتها؛ بل إن هذه الدول تسعى إلى التصعيد وإذكاء الصراعات التي تنخرط فيها.

انتشار التكنولوجيا

أظهرت الأزمة أن التفوق العلمي والتكنولوجي وامتلاك المعرفة هما أهم القدرات التي سوف تُقاس بها قوة الدول. وهناك قطاعات ستشهد انتعاشًا كبيرًا في الطلب عليها وعلى خدماتها في الأيام القادمة؛ ومنها قطاعات الخدمات الإلكترونية والتعليم عن بُعد، وكذلك آليات الإنتاج التي تضمن تدخل العامل البشري في الحد الأدنى. من جانب آخر، ظهرت أهمية قواعد البيانات الضخمة؛ حيث يبدو أن إحدى أهم الأدوات التي أتاحت للصين وتايوان وكوريا الجنوبية حصر انتشار الفيروس هي قواعد البيانات الضخمة المتاحة، ونُظم المراقبة التكنولوجية القوية.  

اقرأ أيضًا: 20 شخصية تقود ثورة التكنولوجيا في الألفية الثانية (1)

 المسؤولية المجتمعية للفرد

إن هذه الأزمة تعتبر جديدة تمامًا، ومن ثَمَّ فإن السلوكيات والممارسات غير المنطقية التي تظهر أحيانًا هي أمور يمكن تفهمها؛ لأن هذه الأزمة ترتبط بكل فرد بصورة متساوية تمامًا، فالجميع مهددون، والتهديد هنا تهديد بقاء، ومن ثَمَّ يواجه كل فرد في العالم خطورة هذا التهديد بصورة متساوية، ودون فرق يُذكر بين قادة الدول وأي فرد عادي من الشعب. وبات شعار منظمة الصحة العالمية أساسًا مهمًّا للانطلاق؛ وهو “لن يكون أي شخص آمنًا إذا لم نكن جميعًا آمنين.. No one is safe tell everyone is safe”.

ويبدو أن هناك حالة من التعاون الحقيقي بين الحكومات وشعوبها؛ وهو أمر جدير بالملاحظة، قد يكون مرد ذلك اختيار الحكومات في أغلبها التعامل بشفافية ووضوح، وإصدار معلومات دورية بشكل رسمي؛ وهو ما عزز مصداقية الحكومات لدى الشعوب.

♦ باحثة في العلوم السياسية 

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة