الواجهة الرئيسيةصحة

خبراء يناقشون انعكاسات “كورونا” على منطقة الشرق الأوسط

 د. أمل صقر ♦

سيطرتِ الانعكاساتُ المتوقعةُ لجائحة كورونا على منطقة الشرق الأوسط، على اهتمامِ عددٍ من المراكز البحثية العالمية، وظهر ذلك جلياً في ندوتَين عُقدتا عن بُعدٍ، ضمت كلٍّ منهما عددًا من الخبراء والمختصين في منطقة الشرق الأوسط متنوعي التخصصات؛ لبحثِ سؤالٍ رئيسي: ما التأثيراتُ المتوقعة لجائحة كورونا على المنطقة؟ وما الدول التي يمكن أن تكون أكثرَ تأثرًا؟ وما التبعات والسيناريوهات الممكنة في هذه الظروف؟

عُقدتِ الندوةُ الأولى يوم الخميس؛ 9 أبريل الجاري، ونظَّمها مركز جنيف الدولي لسياساتِ الأمن، بعنوان: “تأثيرات أزمة كورونا على منطقة الشرق الأوسط”، وعُقدتِ النَّدوة الثانيةُ في اليوم ذاته، ونظَّمها معهد الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بعنوان: “تأثيرات انتشار كورونا في إيران على الشرق الأوسط”.

اقرأ أيضًا: خبراء يناقشون “عن بُعد” أزمة كورونا

– التأثيرات الاقتصادية الضخمة للأزمة

يبدو أن الاقتصاد يلقي بظلاله القاتمة على منطقة الشرق الأوسط، في ظل جائحة كورونا، فمن جانبها ذكرت الدكتورة كارين يونج؛ الباحثةُ بمركز معهد أميريكان إنتربرايز، أن “الأزمات لا تأتي فرادى”، فلم تُطلِلْ جائحةُ كورونا وحدها على المنطقة؛ بل تزامن معها انخفاضٌ في أسعار النفط التي وصلت إلى 33 دولارًا للبرميل. فمع توقفِ الطلب وتراجعه بصورة كبيرة، تأثرتِ الأسعارُ بشدة. ولنا أن نتخيَّل كيف يمكن أن يؤثِّر وقفُ حركة الطيران العالمية في أسعار النفط، وفي الطلب عليه، فإذا كان نحو 30% من الطلب على الطاقة مصدره حركة الطيران والنقل العالمية، فإن ذلك يُقدِّم صورة واضحة للأوضاع التي تعانيها سوق النفط حاليًّا. من جانبٍ آخر، تزامن مع هذه الأزمات، أن جائحة كورونا تركت بصماتها بوضوحٍ على قطاعِ السياحة في عددٍ من دول منطقة الشرق الأوسط؛ خصوصًا في تركيا ولبنان. وتشير التقديراتُ إلى أنه من المتوقع أن تواجه تركيا عامًا شديدَ الصعوبة؛ من الناحية الاقتصادية جرَّاء توقف السياحة. وفي الوقتِ الذي ستتمكن فيه الاقتصاداتُ القوية في منطقة الخليج في دولٍ مثل السعودية، والإمارات من التعامل بمرونة مع مثل هذه الاضطرابات نتيجة وجود الصناديق السيادية التي تستغل في مثلِ هذه الأزمات؛ فإن دولًا أخرى في الشرق الأوسط ستكون أكثر انكشافًا، على رأسها إيران.

عدد من المشاركين في النقاشات

– إيران وأزمة “كورونا”

اهتم عددٌ من المشاركين في الندوتَين بالإشارة إلى إيران، على أكثر من مستوى؛ وأوَّلها يتعلق بحقيقةِ الأوضاع داخل إيران، وعدد الإصابات الفعلي فيها، وتأثيرات هذه الأوضاع على المنطقة. وفي هذا الصدد، قال مارك فينود، الباحث بمركز جنيف لسياسات الأمن، إنه يمكن الحديث عن إيران من عدة زوايا؛ الأولى أن إيران لديها أكبر عدد من الإصابات والوفيات في منطقة الشرق الأوسط، ومن ثَمَّ فإنه من المتوقع أن تمر بأوضاع اقتصادية شديدة السوء تزيد من حدتها العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. ويكون السؤال إذن حول التأثيرات المتوقعة على النظام الإيراني، والضغوط الداخلية التي يمكن أن يتعرَّض لها في ظلِّ هذه الأوضاع الاقتصادية من الداخل. وتوقع فينود أن الأزمة يمكن أن تترك أيضًا انعكاساتها على السياسة الإيرانية الخارجية؛ حيث يمكن أن تعملَ إيران على تقليصِ تدخُّلِها في صراعاتِ المنطقة، خصوصًا اليمن وسوريا.

اقرأ أيضًا: بسبب أزمة “كورونا”.. إيران تطلب قرضًا من صندوق النقد.. ومساعٍ بريطانية سرية لتخفيف العقوبات

من جانبه، أشار الدكتور هزير رحمانداد؛ الأستاذُ بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، إلى أن الأرقام التي تعلنها الحكومة الإيرانية عن أعداد الإصابات تبدو بعيدة بصورةٍ كبيرة عن الصحة، وأن الأرقام الحقيقية على الأرجح تبلغ 5 أضعاف الأرقام المعلنة؛ لأن هذه الأخيرة لا تتماشى مع التحليلاتِ العملية لمنحنيات انتشار الأوبئة. وقد يكون من أسباب ذلك رغبة الحكومة في إخفاءِ الأرقام الصحيحة لخداعِ الشعب الإيراني، ولو افترضنا حُسنَ النية، فإن مردَّ ذلك إلى نقصِ اختبارات الكشف عن الوباء الذي يحول دون اكتشافِ العدد الحقيقي للمصابين، وفي بعض الأحيانِ نتيجة أن كثيرًا من الإيرانيين قد يتعاملون مع الإصابة؛ باعتبارها نزلة برد عادية لا تتطلب العلاجَ.

اقرأ أيضًا: “كورونا” يخلِّف آثارًا عميقة على الاقتصاد وخطوط الطيران

وقد عبَّرت نافباهور إماموف؛ الصحفيةُ في “صوت أمريكا”، عن قلقِها من تفاقمِ الأوضاع في إيران؛ خصوصًا أنها تشترك في حدودها مع عددٍ ليس بالقليلِ من دولِ آسيا الوسطى الفقيرة التي يمكن أن ينتشر فيها الوباءُ بسرعةٍ فائقة، نتيجة الحركة المستمرة عبر الحدود، معتبرةً أن المساعدات الدولية ربما تكون الحلَّ الوحيدَ لتتمكنَ إيرانُ من السيطرة على الأوضاع. من جانبٍ آخر، فإنَّ على الحكومةِ الإيرانية تقييمَ الأوضاع بشكلٍ حقيقي.

تجهيز المساعدات الطبية لإيران على متن طائرة حربية إماراتية

– الدور الأمريكي في المنطقة

تبدو الولاياتُ المتحدة دومًا طرفًا أساسيًّا في تفاعلات المنطقة، ولكونها من أعلى دول العالم حاليًّا في إصابات “كورونا”، فإن السؤالَ الجوهري هو: ما التأثيراتُ المتوقعة لهذا الوضع؟ في هذا الصدد، عبَّر البروفيسور ديفيد دي روش، من جامعةِ الدفاع الوطني الأمريكية، عن أن الولايات المتحدة تتعرَّض حاليًّا لضغوطٍ اقتصادية جرَّاء جائحة كورونا؛ ما يترك انعكاساتٍ متوقعة على السياسة الخارجية الأمريكية، واستمرار فاعليتها في أزمات المنطقة. ومن المتوقع أن تنسحبَ الولاياتُ المتحدة ويتقلَّصَ دورُها بصورةٍ كبيرة؛ خصوصًا في العراق وسوريا. ومن ثَمَّ فإن المساعدات الأمريكية لدولِ الشرق الأوسط ستتقلصُ، وستبدأ الولاياتُ المتحدة في سياسةِ العودة إلى الداخل مجددًا؛ لمحاولة معالجةِ المشكلات الاقتصادية التي تواجهها من جراء “كورونا”.

اقرأ أيضًا: لماذا لا تثق الولايات المتحدة في الأرقام الصادرة عن الصين بخصوص “كورونا”؟

هذا التحوُّل في الدورِ الأمريكي، رغم أنه ليس بجديد، قد يُصبح أكثرَ وضوحًا، وهو ما أكَّده دي روش (ويونج أيضًا)، مشيرًا إلى أن العزلةَ التي قد تلجأ إليها الولايات المتحدة، بعد “كورونا”، يمكن أن تفسح المجالَ للاعبين آخرين للدخولِ بقوة إلى المنطقة؛ وعلى رأسهم الصين. وقد تكونُ دولُ الخليج العربي -كما عبَّرت يونج- تشعر بأنها وحدها أكثرَ مما كان عليه الأمرُ قبل أربعة أشهر، وأنَّ الولاياتِ المتحدة باتت أقلَّ مصداقية مما كانت عليه، في الوقت الذي يمكن أن تظهرَ فيه الصين وروسيا؛ بوصفهما الفاعلَين اللذين يمكنُ الاعتمادُ عليهما بصورةٍ أكبر.

عينات اختبار فيروس كورونا في المعمل – أ ف ب

– قضايا مختلفة أخرى

تناولتِ النقاشاتُ أيضًا أوضاعَ سوريا واليمن وليبيا، على اعتبارِ أن هذه الدولَ تمثِّل بؤرةً للصراعات في المنطقة، وأن الأرقام المتعلقة بالإصابات في هذه الدول تكاد تكون غائبة. ومن جانبه، عبَّر الباحثُ عبد الله عرفان، من موقعِ “الحوار الدبلوماسي”، عن قلقِه من الأرقام التي تعلنها الحكومةُ السورية، والتي تنفي وجود “كورونا” في سوريا. وضرورة التعامل بحرصٍ مع هذه التصريحاتِ؛ لأن ما نراه قد يكون قمةَ جبلِ الجليد التي تخفي أسفلها أعدادًا ضخمة لم تُكتشف بعد.

اقرأ أيضًا: “كورونا” يخلِّف آثارًا عميقة على الاقتصاد وخطوط الطيران

من جانبٍ آخر، اتَّفق أغلبُ المشاركين في الندوتَين على أن جزءًا كبيرًا من أزمة انتشار “كورونا” حاليًّا يعودُ إلى عدم التوصل إلى تطعيمٍ ضد المرض، وعدم التحقق من توفر دواءٍ فعَّال في مواجهته، وأن هذه الأزمةَ ستلقي بظلالها بقوة على اقتصاديات دول المنطقة، وأن إجراءاتِ الإغلاق الاقتصادي، وحظر التجوُّل، وسياسات التباعد الاجتماعي التي تتبناها العديدُ من حكومات المنطقة، سيتفاوت تأثيرُها نتيجة القدرة على تطبيقها بالكامل من جانب، والقدرة على استمرار تبنيها لفترةٍ طويلة من جانب آخر؛ لأن القدرات الاقتصادية لعدد ليس بالقليل من دول المنطقة لن تمكِّنها من مواصلةِ الإغلاق الاقتصادي لفترةٍ طويلة.

♦ باحثة في العلوم السياسية 

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة