الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

خبراء ودبلوماسيون يؤكدون عدم الحسم العسكري للأزمة الليبية

في ندوة افتراضية نظمها مركز الإمارات للسياسات حذر المشاركون من تطور الصراع إلى حرب إقليمية.. منتقدين غياب الرؤية الأمريكية والأوروبية الموحدة في التعامل مع الأزمة

كيوبوست

أجمع خبراء دوليون ودبلوماسيون على أن حل الأزمة الليبية لن يكون عسكرياً؛ حتى لو نجح بعض التطورات العسكرية على الأرض في إحداث تغيرات جذرية لفترات مؤقتة، مؤكدين أن تضارب المصالح بين الأطراف الفاعلة وغياب رؤية أوروبية موحدة تجاه الأزمة الليبية، بجانب سعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى “عسكرة” السياسة الخارجية لبلاده، والغياب الأمريكي عن الملف؛ جميعها عوامل ساعدت في تعقيد الموقف.

وخلال الندوة التي نظَّمها مركز الإمارات للسياسات عبر تطبيق “زوم”، بعنوان “الصراع في ليبيا”، أكدت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات وأستاذة العلوم السياسية بجامعة الإمارات، أن حكومة الوفاق نجحت في قلب الموازين العسكرية بعدما تمكنت من إخراج قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، من مدن الساحل الغربي، وطرابلس وضواحيها، بالإضافة إلى قاعدة الوطية الجوية؛ وهو نصر عسكري لم يكن ليتحقق لولا الدعم العسكري الكبير الذي قدمته تركيا على إثر توقيع الاتفاقيتَين الأمنية والبحرية مع حكومة طرابلس في نوفمبر الماضي.

 

تحذيرات من حرب إقليمية

من جانبٍ آخر، أكدت الكتبي أن تركيا سعت لجني ثمار تدخلها العسكري سريعاً؛ بمحاولة إقامة قواعد عسكرية على الأراضي الليبية، مشيرةً إلى أن الدعم التركي لحكومة الوفاق يقابله دعم للمشير خليفة حفتر من عدة أطراف دولية تخشى جميعاً تمدد النفوذ التركي في ليبيا باعتباره تهديداً لنفوذها الجيوسياسي.

وحذَّرت رئيسة مركز الإمارات للسياسات من تطور الصراع في ليبيا من حرب ليبية- ليبية إلى حرب إقليمية بين مصر وتركيا؛ خصوصاً مع تزايد الدور الذي تقوم به قوى دولية وإقليمية عديدة، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، مؤكدة أن الصراع لا يندرج تحت صيغة المباراة الصفرية؛ سواء من زاوية ما يمكن أن يحققه الفرقاء الليبيون أو الخارجيون. ولا يبدو قرار السلم أو الحرب بيد الليبيين أنفسهم فقط؛ بل إن للأطراف الخارجية دوراً مهماً أيضاً.

جانب من الندوة

الحسم العسكري غير وارد

من جهته، أكد د.مايكل أوهالون، مدير الأبحاث وباحث أقدم في الشؤون الأمنية والاستراتيجية في معهد بروكنجز بواشنطن، أن الحسم العسكري الكامل لأي من طرفي الصراع أمر غير ممكن؛ وهو ما أصبح الجميع يتقبله اليوم، موضحاً أن أي نوع من المشاركة في السلطة لا بد أن يكون له ترتيبات مسبقة، وسيكون من خلال تكوين حكومات في الأقاليم تحت قيادة الحكومة المركزية، في ظل سيطرة حفتر على جزء كبير من شرق ليبيا.

اقرأ أيضاً: التقارب بين حفتر والجزائر يُربك أردوغان.. وتغيير مرتقب في المشهد الليبي

وأكد أوهالون ضرورة وجود قوات مراقبة دولية من الأمم المتحدة في منطقة الهلال النفطي؛ لضمان عدم تأثر الدولة الليبية في المستقبل، مع ضمان توزيع الأرباح الناتجة عن بيع النفط بشكل عادل، مشدداً على ضرورة وجود مبادرة دولية ناجحة توقف الحرب التي يمكن أن تندلع في ليبيا من خلال تدخل الأطراف الدولية؛ وهو الدور الذي لا يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة في القريب العاجل في ظل عدم وجود اهتمام أمريكي بالأزمة الليبية، ونظرة ترامب بأن الصراعات في الشرق الأوسط ثانوية.

يعترف السفير البريطاني السابق لدي ليبيا والمفوض السامي البريطاني في قبرص بيتر ميليت، بفشل اتفاق الصخيرات لعدة أسباب؛ في مقدمتها أن الاتفاق لم يشمل جميع القبائل، وهو ما يجعل هناك ضرورة بأن تكون أية اتفاقية في المستقبل ذات أفق أوسع بكثير من حيث الأطراف المشاركة، وتتضمن ترتيبات أمنية واقتصادية عبر برنامج كامل يحظى بموافقة ودعم المجتمع الدولي.

صورة من توقيع اتفاق الصخيرات بين الأطراف الليبية- أرشيف

 وأكد ميليت أن وقف إطلاق النار أمر لا غنى عنه، ولا بد من وجود اتفاقية سياسية على الأقل بصورة مرحلية، مشيراً إلى أن هناك أطرافاً مستفيدة من الوضع الحالي؛ في مقدمتها الميليشيات، ومن ثم فإن إنهاء هذا الوضع سيكون تحدياً كبيراً. وأكد أيضاً الحاجة إلى وجود قوة دولية مراقبة من قِبل الأمم المتحدة لتنفيذ أي اتفاق سياسي.

اقرأ أيضاً: الاختراق التركي المقلق في ليبيا

موقف الاتحاد الأوروبي وروسيا

انتقد السفير البريطاني السابق غياب الموقف الأوروبي الموحد، رغم أن أوروبا بحاجة إلى ليبيا مستقرة وآمنة؛ لكنها لا تلعب دوراً كبيراً في هذا الأمر، وإن تدخلت فتدخلها فردي ومتناقض؛ فالألمان كانت لديهم رؤية مختلفة، سعوا إلى تحقيقها، وفرنسا تدعم حفتر، وإيطاليا أقرب إلى السراج؛ ومن ثم لا توجد رؤية موحدة في التعامل مع الأزمة، مشيرًا إلى أنه رغم الاختلاف الكبير بين إدارتي أوباما وترامب؛ فإن كليهما أخطأ في التعامل مع الملف الليبي، فالأول تركه لأوروبا باعتبارها الأقرب جغرافياً، والثاني لم يضع استراتيجية للتعامل مع ليبيا.

أردوغان وترامب- أرشيف

من جهته، يقول د.أندريه كورتونوف، مدير عام مجلس الشؤون الدولية الروسي والخبير في شؤون السياسة الخارجية الروسية والعلاقات الدولية المعاصرة، إن ثمة فارقاً بين استراتيجية موسكو تجاه ليبيا وسوريا؛ فالتدخل في ليبيا أقل حجماً بكثير، فضلاً عن محاولة موسكو الحفاظ على علاقاتها الجيدة مع مختلف الأطراف وعدم الانحياز إلى أي خيارات؛ بما يضمن لها موقعاً فاعلاً مستمراً في ليبيا مستقبلاً، وهو عكس ما حدث في سوريا.

وأضاف كورتونوف أن التدخل الروسي في ليبيا مرتبط بالجوانب الاقتصادية في قطاعات الطاقة والدفاع والبنية التحتية على العكس من التدخل في سوريا الذي يصنف في خانة التدخلات لأهداف جيوسياسية. فسوريا لا توجد فيها فرص استثمارية أو اقتصادية، على عكس المجال الواسع والمفتوح لمثل هذه الاستثمارات في ليبيا.

الرئيس المصري متوسطاً قادة عسكريين بالمنطقة الغربية على الحدود – أرشيف

من جانب آخر، أكد مدير عام مجلس الشؤون الدولية الروسي أن محاولة أحد الأطراف الحصول على نصر عسكري ستفتح باباً كبيراً للتصعيد على الأرض في ليبيا، وأن الحل في وجهة نظره هو التغاضي عن اتفاقية الصخيرات والبدء في مساعٍ لتسوية سلمية واتفاقية جديدة.

اقرأ أيضاً: هل توصل أردوغان إلى صفقة مع ترامب حول ليبيا؟

الدور التركي في الصراع

أكد د.عمر طاش بينار؛ باحث أقدم في معهد بروكنجز وأستاذ استراتيجيات الأمن الوطني في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية بواشنطن، عمق العلاقات التركية- الليبية منذ عهد القذافي، مشيراً إلى أن التدخل التركي في الأزمة الليبية هو جزء من الصراع الجيوسياسي في المنطقة؛ خصوصاً في ظل دعم أردوغان جماعة الإخوان المسلمين.

وأشار بينار إلى رغبة الرئيس التركي في تعزيز وضعه الصعب داخلياً بالانتصارات التي يحققها في ليبيا؛ خصوصاً مع شعوره بأن هذه الانتصارات يمكن استثمارها بصورة أكبر على طاولة المفاوضات في المستقبل، مؤكداً أن أردوغان ينظر إلى ليبيا باعتبار أن تدخله فيها سيدعم مصالحه مع روسيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: وكلاء الخراب.. العلاقات والمصالح بين إخوان ليبيا وأردوغان

وأضاف أستاذ استراتيجيات الأمن الوطني في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية بواشنطن أن تركيا قامت بشلّ الحركة في اكتشافات الغاز بالمتوسط، وتعيق أي استثمار جديد في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن سبب ذلك مرده إقصاء مصر وقبرص لتركيا من المفاوضات؛ ما دفع أنقرة إلى محاولة فرض وجودها في المنطقة عبر الاتفاقية البحرية الموقعة مع حكومة السراج.

استمرار التنقيب عن الغاز في المتوسط – وكالات

وأكد بينار أن تركيا تسعى إلى “عسكرة” السياسة الخارجية، وهو ما شاهدناه عبر التوسع في إقامة قواعد عسكرية تركية في قطر والصومال وغيرهما، مشيراً إلى أنه في ظل غياب لاعب كبير قادر على فرض بعض المنطق على الأطراف المختلفة ستسوء الأمور قبل أن تعود إلى التحسن مستقبلاً.

أطماع أردوغان في ليبيا

وأشار أستاذ استراتيجيات الأمن الوطني في جامعة الدفاع الوطني الأمريكية بواشنطن إلى أن تركيا ترغب في الحصول على نحو 80% من الفرص المتاحة على الساحة في ليبيا؛ بسبب دعمها حكومة السراج، لافتاً إلى أن هناك شعوراً بأن أنقرة يمكن أن تكون أقوى بكثير في جولات المفاوضات اللاحقة.

مستقبل ليبيا

وبشأن مستقبل ليبيا ونظام الحكم فيها خلال المستقبل القريب، قال الدكتور عمر طاش بينار إن مساحة الدولة الليبية وطبيعتها تجعل من الصعب حكمها عبر حكومة مركزية قوية، مشيراً إلى أن غياب وجود رؤية موحدة للتعامل مع الأزمة، وتزايد المستفيدين من استمرار الأزمة مع تدخل الأطراف الدولية، تزيد من تعقيد المشهد؛ خصوصاً أن الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب لا ترغب سوى في تجنب أي نوع من السيطرة الروسية على الموقف في ليبيا، بالإضافة إلى تجنب التصعيد بين حليفَين أساسيَّين في المنطقة؛ هما تركيا ومصر.

ولم يبدِ المشاركون تفاؤلهم بالوصول إلى حل في القريب العاجل، مع طرح سيناريوهات مختلفة مرتبطة بالمستقبل ارتكزت بشكل رئيسي على وجود قوات أممية في منطقة الهلال النفطي، ولو بشكل رمزي، مع تأكيد ضرورة التوافق الليبي- الليبي على مسار العملية السياسية.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة