أهل النغمالواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمصطفى سعيدمقالات

خامس الخلفاء الراشدين

حكايات أهل النغم ودلالاتها من كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني

كيوبوست- مصطفى سعيد

“ألمّا صاحبي نزر سعادا   لوشك فراقها وذرا البعادا

لعمرك إنَّ نفع سعاد عنّي       لمصروفٌ ونفعي عن سعادا

إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى  ومروان الّذي رفع العمادا

الشعر لجرير يمدح عمر بن عبد العزيز بن مروان. والغناء لعمر بن عبد العزيز ثقيلٌ أول مطلق في مجرى البنصر. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد.”

الأغاني، طبعة المطبعة الحجريّة، المجلّد الثاني ص759.

حين كنتُ صغيراً، استوقفني تعليقٌ من أحد المتطرّفين الذين ملأوا الأحياء الفقيرة في القاهرة، في تسعينيات القرن المنصرم، لم يكن يجيد الفصحى، لكنَّه كان يتحدَّث بلهجةٍ متفاصحةٍ؛ مثل هذه الأشرطة التي يتفاصح فيها بعض المتكسِّبين بالدعوة بأحاديث أغلبها أقلُّ من أن تكون ضعيفة.

حاصله: كنتُ قد أنهيتُ أوَّل قراءةٍ لي في كتاب الأغاني، وكان ثَمَّ مسلسلٌ تليفزيونيٌّ عن عمر بن عبد العزيز، لم يُذكر فيه أنَّه كان راعياً للنغم بل له بعض تلاحين بقيت تغنَّى بعده أكثر من ثلاثة قرون.

قال لي: هذا كلام العلمانيين والكفرة، يحاولون تشويه خامس الخلفاء الراشدين. قلتُ ولماذا يشوّهون خامسهم دون رابعهم وثالثهم؟ أطرق ثُمَّ قال: هؤلاء الشيعة يريدون تشويه مَنْ يحبّ السنّة. قلتُ: لماذا نسبوا هذه الألحان لعمر بن عبد العزيز، وهو المحبُّ المتقرّب المتبرّك بآل البيت، ولم ينسبوها لمعاوية أو ابنه يزيد؟ استغرب وصمت، فقطعت الصمت بأنْ نصحته بقراءة الجزء الثامن من إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، وآثرتُ إنهاء النقاش.

يبدو أنَّ عمر بن عبد العزيز تمتَّع بحسٍّ عالٍ بالجمال وبالناس، لذا منع العطايا على المديح، لكنّه لم يمنع إنساناً من الغناء، أبعد بعض الشعراء من مثيري الفتن، لكنه أوصى بإكرامهم حيث هم. ولنرجع لأبي الفرج وبعض ما أورد عنه اختصاراً؛ ليس لإبعاد شبهة التشويه عنه، فأبو الفرج لم يشوّه حتى خصومه، إنَّما ترسيخاً لمنطق أنَّ العدل والقوّة والتمسّك بهما يكاد يرادف إعلاء الحسّ وفهم مكنون الجمال:

المجلّد الثاني، ص761:

“ذكر عمر بن عبد العزيز وشيء من أخباره

هو أشجّ بني مروان:

عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.

ويكنى أبا حفص. وأمّه ليلى أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. وكان يقال له أشجّ قريش؛ لأنَّه كان في جبهته أثرٌ يقال إنه ضربة حافرٍ.

ذكر يحيى بن سعيد الأمويّ عن أبيه أن عبد الملك بن مروان كان يؤثر عمر بن عبد العزيز، ويرقّ عليه ويدنيه، وإذا دخل عليه رفعه فوق ولده جميعاً إلّا الوليد. فعاتبه بعض بنيه على ذلك، فقال له: أوَ ما تعلم لمَ فعلت ذلك؟ قال لا! قال: إنَّ هذا سيلي الخلافة يوماً وهو أشجّ بني مروان الذي يملأ الأرض عدلاً.”

فإن قيل إنَّه توقَّف عن الغناء، فهذا رأي خليفة الوقت، عمّه، فيه شهادة لدينه وخلقه وعمر في صباه وشبابه. لماذا لم يمنع الغناء حين تولَّى المدينة؟ بل لماذا قرّب أهل النغم وطارحهم ألحانه، ولم يجد في هذا أيَّ حرجٍ وهو أمير المدينة؟

عودةٌ للاقتباس الأوَّل: المجلّد الثاني ص759:

ينتهي السند عند كردم بن معبد عن أبيه معبد أشهر أهل النغم في زمانه يقول:

“طارحني عمر بن عبد العزيز لحنه في:

ألمّا صاحبي نزر سعادا” الّذي افتُتِح به هذا المقال، وفي نفس الموضع يقول معبد بنفس السند:

“طرح عليَّ عمر بن عبد العزيز لحنه:

كلّما عوتب فيها     أو نهي عنها تمادى

وهو مشغوفٌ بسعدي    قد عصى فيها وزادا

قال كردم: وكان عمر أحسن خلق الله صوتاً، وكان حسن القراءة للقرآن”.

ما الّذي يدعو معبد لنسبة ألحانه لغيره؟

غلاف كتاب «الأغاني»

الحاصل أنَّ عمر بن عبد العزيز لم يحظر الغناء لا في إمارته على المدينة، ولا في خلافته، إنّما كانت قضيّته، خصوصاً مع الشعراء، الإفراط في المدح روم العطاء، وفي هذه قصصٌ مشهورةٌ تُحكى عنه مع الشعراء.

أغلب الظنِّ أنَّ علم عمر بن عبد العزيز بالغناء كان علم الدارس، فقد كان مجتهداً في تحصيل العلم، فهو الفقيه المحدِّث، وهو العالم في الحساب والفلك والرياضيّات، له مشاركاتٌ في إصلاح الدواوين وحساب الخراج وإصلاح التربة للزراعة، بل له علمٌ بالفيزياء فساهم في إصلاح المسطّحات المائيّة والسدود لحفظ الماء وسقي التربة.

في خناصرة: كان أرباب الدير يخرجون من الدير حين يؤمّ الناس للصلاة ليسمعوا تلاوته خشوعاً وحبّاً للجمال.

كان مُهاباً حتّى في موته، فهذا مسلمة بن عبد الملك، ابن عمّه وقائد جيوشه، يروي كيف كان مُهاباً حتّى في هذه اللحظة، لحظة الانتقال من دارٍ إلى دار:

المجلّد الثاني، ص768:

ينتهي السند عند محمّد بن مسلمة بن عبد الملك قال:

“حدثني أبو مسلمة قال:

كنّا عند عمر في اليوم الذي تُوفي فيه، أنا وفاطمة بنت عبد الملك؛ فقلنا له: يا أمير المؤمنين، إنّا نرى أنّا قد منعناك النوم فلو تأخّرنا عنك شيئاً عسى أن تنام! قال: ما أبالي لو فعلتما. قال:

فتنحيت أنا وهي وبيننا وبينه ستر. قال: فما نشبنا أن سمعناه يقول: حيّ الوجوه حيّ الوجوه.

فابتدرناه -أنا وهي- فجئناه وقد أغمض ميتاً، فإذا هاتفٌ يهتف في البيت لا نراه: “تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين”.

أين هذا مِنْ مَنْ أشاعوا في المجتمع أنّ الغناء والنغم يُسقطان المهابة عن صاحبهما؟

بل صدق أبو حامد الغزالي في قوله:

“من لم يحرّكه العود وأوتاره، والربيع وأزهاره، فاسد المزاج، ليس له علاج”.

كما ذكرنا سابقاً، يبدو أنَّ عمر بن عبد العزيز كان عالماً في الموسيقى، فألحانه، على قلّتها، بها تعدّدٌ في الأنغام، وضروبٌ تنمّ عن تفنّنٍ في قسمة الكلام زمناً على اللحن، ولنختم مع أبي الفرج من نفس صفحة الاقتباس السابق:

“ومن أصوات عمر في سعاد

صوت:

ألا يا دين قلبك من سليمى    كما قد دين قلبك من سعادا

هما سبتا الفؤاد وأصبتاه    ولم يدرك بذلك ما أرادا

قفا نعرف منازل من سليمى    دوارس بين حومل أو عرادا

ذكرت بها الشباب وآل ليلى   فلم يرد الشباب بها مرادا

فإن تشب الذؤابة أمّ زيدٍ  فقد لاقيت أياماً شدادا

عروضه من الوافر. الشعر لأشهب بن رميلة فيما ذكر ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني. وحكى ابن الأعرابي أنه سمع بعض بني ضبة يذكر أنه لابن أبي رميلة الضبي. والغناء لعمر بن عبد العزيز

رملٌ بالوسطى عن الهشامي وحبشٍ وغيرهما. وفي نسخة عمرو بن بانة الثانية:

لخزرجٍ رملٌ بالبنصر.

 حدثني محمد بن أحمد ين يحيى المكي عن أبيه

قال: لعمر بن عبد العزيز في سعاد سبعة ألحان.

منها:

يا سعاد الّتي سبتني فؤادي      ورقادي هبي لعيني رقادي

ولحنه رملٌ مطلق.

ومنها:

حظّ عيني من سعاد      أبداً طول السهاد

ولحنه رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر.”

فهذه نماذج متمكّنٍ يستطيع تقطيع نفس الضرب العروضيّ على نظيره الإيقاعيّ نغماً كما في الرمل، ويستطيع قسمة بحرٍ آخر على نفس إيقاع الرمل، كالوافر. ليس هذا فحسب، بل يستوعب المؤثّر النفسيّ للنغم، فيعبّر عن معنى الشعر به، فإذا أراد البسط، استحضر المطلق، وهذا مؤثّره، وإذا أراد الشجن، استعمل الضغط، كالسبّابة؛ لتقليل الرنّة ولبعد السبّابة عن الوسطى الّذي يقلّ عن بُعد المطلق عن السبّابة.

ليت في زماننا من يرعى النغم والفنون ويمقت التملّق بالأدب والفنّ كما فعل عمر بن عبد العزيز الّذي ملأ الأرض عدلاً، وأعطى الإنسانيّة فيه درساً لن يسقط بالتقادم.

لقراءة الحلقة السابقة: سكينة بنت الحسين.. أم أهل النغم (2)

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة