الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

حُب بلدك يعني تعلُّم تاريخها بأمانة!

كيوبوست- ترجمات 

ديفيد فرينش♦

لماذا تحب الولايات المتحدة الأمريكية؟ ليس هناك وقت أفضل لطرح هذا السؤال من يوم الاستقلال. والإجابة عن هذا السؤال يمكن بل وينبغي أن تخبرنا بالكثير عما إذا كان حبنا لبلدنا نابعاً من وطنية صحية أم قومية مسمومة. كما يمكن للإجابة عن هذا السؤال أن تخبرنا أيضاً بالكثير عن موقفنا من واحدة من أكثر الحروب الثقافية حدة في أمريكا، وهي الحرب على التاريخ الأمريكي.

اقرأ أيضاً: أيها الطلاب الأمريكيون.. توجهوا إلى الخارج!

وحيث أعيش، في ولاية أغلبها من الحزب الجمهوري، غالباً ما يكون الصراع حول التاريخ نابعاً من الخوف؛ إذ يخشى الآباء من أن الأطفال لن يحبوا بلدهم ما لم يتعلموا أن بلدهم جيد. وبالتالي، فإن تعلُّم التاريخ الأمريكي يعني أن نتعلم كيف نكون وطنيين. وفي ظل هذه الخلفية، يصبح التثقيف بشأن الخطايا الأمريكية محفوفاً بالمخاطر؛ حيث يجب تقديم المفاهيم السلبية بلطف، وإلا ستهتز ثقة العقول الشابة ببلدهم.

ونحن نرى هذا القلق بوضوح تام في قوانين الدولة المصمَّمة لمنع تعليم النظرية العرقية النقدية. وينص أحد القوانين الإلزامية على أنه لا يمكن تدريس “العبودية” و”العنصرية” باعتبارهما “أيّ شيء آخر غير الانحراف أو الخيانة أو الفشل في الالتزام بالمبادئ التأسيسية الأصيلة للولايات المتحدة”؛ لكن تأصيل الوطنية من خلال وجهة نظر معينة عن الماضي ما هو إلا إساءة لفهم ما يجب أن تمثله الوطنية.

لوحة لجونيوس بروتوس ستيرنز تظهر العبيد يعملون في مزرعة جورج واشنطن في ماونت فيرنون- “راديو إن بي آر”

ولا ينبغي أن تكون الوطنية مشروطة بحس التفوق القومي، أو حتى العظمة الوطنية؛ بل بالأحرى بحس الوطن الأم والمجتمع الوطني، والالتزامات التي ندين بها لبعضنا البعض لخلق بلد أكثر عدلاً.

ويصف الكاتب واللاهوتي المسيحي “سي. إس. لويس”، في كتابه المهم «المحبات الأربع.. ثلاث طرق يميل من خلالها الناس إلى حب أوطانهم»؛ حيث يتمثل الحب الأول، والأكثر اعتدالاً، في ما يسميه “حب المنزل”، أي حب المكان الذي نعيش فيه. وقد كتب لويس: “وكما تقدم لنا العائلة الخطوة الأولى لتجاوز حب الذات، فإن حب الوطن يقدم لنا الخطوة الأولى لتجاوز الأنانية الأُسرية”.

اقرأ أيضاً: هل يمكن لبايدن إنقاذ الأمريكيين على غرار صديقي القديم مايك؟

وعلاوة على ذلك؛ فإن حب الوطن يولد أيضاً شعوراً بالزمالة مع مواطني البلاد الأخرى. كما يتساءل لويس: “كيف يمكنني أن أحب بيتي دون أن أدرك أن الرجال الآخرين، مثلي تماماً، يحبون بيوتهم؟”، ثم يحذر لويس من شكلَين آخرَين من العاطفة، أحدهما متجذر في “موقف معين تجاه ماضي بلدنا” والآخر متجذر في “الاعتقاد الراسخ؛ بل وحتى المبتذل، بأن أمتنا، على عكس الواقع كانت ولا تزال متفوقة بشكل ملحوظ على جميع الآخرين”.

ونظراً لأن الأمم، مليئة بأناس فاسدين، يرتكبون دوماً أعمالاً “سيئة بل وحتى مخزية”، فإن تجذير حب البلد في روايات معينة أو شعور خاص بالتفوق يخلق إغراءً لتبييض الحقيقة، والخداع ليس عن طريق الأكاذيب؛ ولكن من خلال إغفال قول الحقيقة الكاملة.  

لوحة احتفال الأمريكيين السود بالتصديق على التعديل الدستوري الخامس عشر- المتحف الوطني للتاريخ والثقافة الأمريكية الإفريقية

فعلى سبيل المثال، قبل عدة أيام شاركت في محادثة رائعة عبر الإنترنت تركزت حول السؤال: “متى تعلمت لأول مرة عن حقبة ما بعد إعادة الإعمار في الجنوب الأمريكي؟”؛ حيث كانت حقبة من العنف والقمع المرعبَين، وهي الحقبة التي طبقت فيها قوانين جيم كرو التي ساعدت في نهاية المطاف على إطلاق “الهجرة الكبرى”؛ حيث فرَّ ملايين الأمريكيين السود من منازلهم في الجنوب إلى مدن في الشمال والغرب.

اقرأ أيضاً: البابا فرنسيس زار العراق لطلب المغفرة عن خطايا الغزو الأمريكي

وأنا لم أتعلم عن هذه الأحداث خلال دراستي في مدرسة كنتاكي العامة. كما لم أتعلم، على سبيل المثال، عن مذبحة تولسا ريس عام 1921 أو عن تمرد ويلمنجتون عام 1898 حتى بلغت الأربعينيات من عمري. ولو كنت قد رسخت حبي لبلدي من خلال عظمة التاريخ الأمريكي، لكان تعلم المدى الهائل للقمع العنصري العنيف في فترة ما بعد الحرب الأهلية مربكاً للغاية. كما أن ذلك غالباً ما يكون مربكاً لأولئك الذين لم يتعلموا قراءة حقيقة التاريخ، ومواجهة الشر والخسة، حتى ونحن نحتفل بالفضيلة والشجاعة.

فالحقائق الرهيبة لعام 1619، عندما جلب المستعمرون العبيد إلى الشواطئ الأمريكية لأول مرة، لا تنفي المُثل العليا لإعلان الاستقلال؛ لكنهم كانوا في احتقان مباشر، وفي كثيرٍ من الأحيان عنيف مع بعضهم البعض. ونحن نعيش مع هذا الاحتقان اليوم بطرق عديدة؛ حيث إن إرث قرون من العبودية وقوانين جيم كرو لم تمحه عقودٌ من الإصلاح القانوني والثقافي منذ قانون الحقوق المدنية.

مشاة البحرية الأمريكية يحملون رفات أفراد خدمة فقدوا في معركة تاراوا خلال الحرب العالمية الثانية في قاعدة بيرل هاربور المشتركة في هاواي- “أسوشييتد برس”

لكننا نحب بلدنا على أية حال، لماذا؟ ليس لأنه دائماً عظيم؛ ولكن لأنه بيتنا، ولأن مواطنيه هم جيراننا.. إنه عائلتنا الوطنية. وكما هي الحال مع أية عائلة، فإن حب عائلتنا يعني معرفتها جيداً. وهذا يعني رواية قصتنا الكاملة، الجيد والسيئ والقبيح منها. كما يعني الاستماع إلى المعجبين والنقاد على حد سواء. وينبغي أن نتعامل مع التاريخ بشعور من الفضول والأمان؛ فأنت لن تجعلني أكره منزلي، لكن يمكنك تحفيزي للحفاظ على ما هو نقي وإصلاح ما هو معطوب؛ أي يمكنك أن تجعلني فخوراً بالجمال وآسفاً على الظلم.

اقرأ أيضاً: كيف تعلم هتلر العنصرية على يد الأمريكيين؟

ولعل قصة عائلتي تعكس أفضل وأسوأ ما في قصتنا الوطنية؛ فهناك بطولة، حيث خدم أجدادي في معسكر فالي فورج، وسافروا عبر المحيط للقتال في حربَين عالميتَين. وهناك خيانة؛ ففي الحرب الأهلية، كانت الغالبية العظمى من عائلتي تحارب في صفوف الكونفيدراليين، وأنا ممتن لفضائلهم، ومدان بخطاياهم. ومعاً، يساعدون على تحفيزي للسعي إلى العدالة، وأنا أؤدي دوري على هذه الأرض.

لذا علِّموا أولادكم كل شيء؛ الجيد والسيئ، الجميل والقبيح، علِّموهم كل شيء، وافهموا أن أعظم شكل من أشكال الوطنية لا يعتمد على غرس سردية وطنية فحسب، بل على تقدير التزاماتنا تجاه وطننا الأم؛ فدروس التاريخ لا ينبغي أن تكون مصممة لخلق الوطنيين، بل ينبغي أن تصمَّم لتثقيف المواطنين، ونحن مطمئنون لمعرفة أن المواطنين المتعلمين جيداً هم الأكثر استعداداً لتعلم محبة وطنهم بشكل جيد.

♦كاتب عمود في مجلة “تايم”، وله كتاب جديد بعنوان «انقسمنا وسقطنا.. تهديد انشقاق أمريكا وكيفية استعادة أمتنا»، وهو رائد سابق في جيش الاحتياط الأمريكي.

المصدر: مجلة تايم

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة