الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

حيوانات تستشعر الكوارث!

كيوبوست – ترجمات

نورمان ميلر

لاحظ البشر منذ آلاف السنين أن الحيوانات كثيراً ما تتصرف بشكلٍ غريب، قبل وقوع الكوارث الطبيعية. فهل يمكننا الاستفادة من هذه الإشارات كإنذارٍ بكوارث وشيكة؟

يحاول نورمان ميلر الإجابة عن هذا السؤال في مقالٍ نشره موقع “بي بي سي” يشير في مستهله إلى فشل جميع أجهزة الإنذار المبكر من مستشعرات حركة المد والجزر والزلازل في التحذير من وقوع التسونامي المدمر الذي ضرب العديد من المناطق الساحلية          حول المحيط الهادي، وأدى إلى مقتل ما لا يقل عن 225 ألف شخص في 12 دولة. ويذكر أنه في الدقائق والساعات التي سبقت الكارثة، بدا للكثيرين وكأن الحيوانات كانت تشعر بالخطر الوشيك، وتحاول الفرار. ويقول شهودُ عيان إن الفيلة هرعت إلى المناطق المرتفعة، وطيور النحام هجرت أعشاشها في المناطق المنخفضة، وإن قطيعاً من الجواميس شنَّف آذانه فجأة، ونظر إلى البحر قبل أن يندفع إلى قمة تلٍّ قريب قبل دقائق من وقوع الكارثة.

اقرأ أيضاً: هل تُصاب الحيوانات بالنوبات القلبية؟

وقد دفعت مثلُ هذه الروايات، عن سلوك الحيوانات قبل الكوارث، العديدَ من العلماء إلى الاهتمام الجاد بالبحث في النظرية القائلة بأن الحيوانات لديها أنظمة داخلية تنبهها إلى قرب وقوع الكوارث الطبيعية، والتساؤل فيما إذا كان من الممكن الاستفادة من هذه الأنظمة كأجهزةِ إنذارٍ مبكر.

وفقاً لشهود عيان، هرعت الفيلة إلى المناطق المرتفعة قبل وقوع كارثة التسونامي- بي بي سي

ويشير كاتب المقال إلى أن أقدم إشارة تاريخية لهذا الأمر ترجع إلى عام 373 قبل الميلاد، عندما ذكر المؤرخ اليوناني ثوسيديديس أن الجرذان والكلاب والثعابين هجرت مدينة هيليس قبل أيام من وقوع زلزالٍ كارثي. وفي عام 1805 ذكر المؤرخون أن الحيوانات أطلقت صرخات ذعر قبل دقائق من وقوع زلزال نابولي المدمر. وفي عام 1905 قيل إن الخيول هربت مذعورة من حظائرها قبل زلزال سان فرانسيسكو الكبير.

حتى في وجود التقنيات الحديثة المتطورة، فلا يزال من الصعب اكتشاف الكوارث الطبيعية قبل وقوعها، وحتى أحدث المستشعرات الزلزالية تبدأ عملها بعد أن تحدث الاهتزازات العميقة في الأرض، ولم يتمكن العلماء إلى اليوم من العثور على أي إشارات تدل على قرب وقوع الزلازل.

اقرأ أيضاً: 10 سنوات مرت على أخطر تسونامي ضرب اليابان وأحدث كارثة “فوكوشيما” النووية

بدأت إحدى أهم الدراسات حول هذه القدرة عند الحيوانات، قبل خمس سنوات، في معهد ماكس بلانك لسلوك الحيوان في ألمانيا، وتضمنت تسجيل أنماط حركة الحيوانات المختلفة؛ كالأبقار والأغنام والكلاب في منطقة مارشيس المعرضة للزلازل في وسط إيطاليا، حيث تم تزويد الحيوانات برقائق إلكترونية ترسل إشاراتٍ إلى كمبيوتر مركزي كل بضع دقائق.

وعلى مدى عامين، تم تسجيل أكثر من 18,000 زلزال في المنطقة تراوحت بين هزات بسيطة إلى زلازل بشدة أربع درجات، أو أكثر، بما في ذلك زلزال نورسيا المدمر الذي بلغت شدته 6.6 درجات. ولاحظ الباحثون تغيراً في سلوك حيوانات المزرعة قبل نحو 20 ساعة من وقوع الزلازل. وربط العلماء بين وجود نشاط جماعي زائد بأكثر من 50% لمدة تزيد على 45 دقيقة عند الحيوانات مع توقع حدوث زلزال بقوة أربع درجات أو أكثر. ونجحوا في توقع سبعة من أصل كل ثمانية زلازل حدثت في تلك الفترة.

قيل إن الخيول جرَت مذعورة قبل وقوع زلزال سان فرانسيسكو المدمر عام 1906- بي بي سي

وفي أمريكا الجنوبية، توصلت عالمة البيئة السلوكية راشيل غرانت إلى نتائج مماثلة، حيث سجلت الكاميرات التي وزعتها في محمية ياناكاجا الوطنية في بيرو انخفاضاً في أعداد الحيوانات قبل 23 يوماً من وقوع زلزال كونتامانا الذي بلغت قوته سبع درجات عام 2011. وزاد انخفاض أعداد الحيوانات قبل ثمانية أيام، وفي الأيام 6 و5 و3 و2 لم تسجل الكاميرات حركة أي حيوانات، وهذا أمرٌ غير معتاد البتة.

وتقول غرانت إن السبب في تغير سلوك الحيوانات ربما يرتبط بسلسلة من الاضطرابات القوية في الشحنات الكهربائية في الغلاف الجوي، تتكرر كل بضع دقائق قبل وقوع الزلازل. تنشأ هذه الاضطرابات بسبب الضغوط الهائلة في الصخور العميقة التي تخلق شحنات إلكترونية، يمكن أن تتدفق إلى سطح الأرض لتولد موجات كهرومغناطيسية منخفضة التردد للغاية لتشكل إشارة ربما تكون بعض الحيوانات قادرة عل التقاطها.

اقرأ أيضاً: هل تعانق الحيوانات بعضها بعضاً؟

ويشير ميلر إلى أن الأقمار الاصطناعية تمكنت من رصد ارتفاع كبير في مستويات أول أكسيد الكربون على مساحة 100 كيلو متر مربع في المنطقة التي ضربها زلزال جوجارات في الهند عام 2001. ويعتقد العلماء أن أول أكسيد الكربون يمكن أن يتدفق من الأرض بسبب تراكم الإجهاد في الصخور مع تزايد ضغط الزلزال. ومن الممكن أن تكون بعض الحيوانات قادرة على تحسس المواد الكيميائية الضارة، والتقاط الموجات المنخفضة التردد.

وبالنظر إلى صعوبة توقع الزلازل فقد توجهت العديد من المؤسسات البحثية والدول إلى العمل على تطويرِ أنظمة انذار مبكر تعتمد على الحيوانات. وهذا الأمر يتطلب مراقبة سلوك أعدادٍ كبيرة منها في مناطق معرضة للزلازل في مختلف أنحاء العالم، على فترات زمنية مطولة. ولذلك يلجأ الباحثون إلى نظام مراقبة الحيوانات العالمي (إيكاروس) الذي يوفر مراقبة عالمية دقيقة لمجموعة من الحيوانات التي تحمل أجهزة تتبع.

جينغ وي سونغ، مدير مكتب الزلازل في إقليم نانينغ في الصين- بي بي سي

أنشأت الصين مركز تحذير من الزلازل في مكتب الزلازل في نانينع لمراقبة سلوك الأفاعي -وهي أقرب الحيوانات إلى الأرض- في المزارع المنشرة في منطقة واسعة معرضة للزلازل. وكانت التغيرات المفاجئة في سلوك الثعابين هي التي دفعت السلطات إلى إخلاء مدينة هايتشينغ في عام 1975 قبل فترة وجيزة من وقوع زلزالٍ مدمر، مما ساهم في إنقاذ أعداد لا تُحصى من الأرواح.

وليست الزلازل هي الكوارث الوحيدة التي يبدو أن الحيوانات تستشعرها، ففي عام 2014 سجل علماء كانوا يتتبعون أسراب طائر النقاد الذهبي الجناح هجرةً مفاجئة في غير موعدها لأسرابٍ من هذه الطيور من أرض تكاثرها في ولاية تينيسي إلى مسافة تزيد على 700 كيلومتر، وبعد مغادرة الطيور بوقتٍ قصير ،ضربت مجموعة مرعبة من الأعاصير المنطقة قتلت 35 شخصاً وتسببت بأضرارٍ فاقت قيمتها مليار دولار. وقد بدا واضحاً أن الطيور استشعرت بالإعصار عندما كان على بعد أكثر من 400 كيلومتر. ويرجح العلماء أن تفسير ذلك يعود إلى وجود موجات فوق صوتية منخفضة التردد تلتقطها الطيور، ولا يمكن للبشر سماعها.

يثبت الباحثون أجهزة تتبع على الطيور المهاجرة لمراقبة حركتها- بي بي سي

ويعتقد العلماء أن هذه الأمواج فوق الصوتية هي ما يساعد الطيور المهاجرة عبر المحيطات على تجنب العواصف العاتية أثناء رحلتها. وقد قام فريقٌ من المتحف الوطني الفرنسي للتاريخ الطبيعي بتركيب أجهزة تتبع على 56 طائراً من خمسة أنواعٍ مختلفة من الطيور المهاجرة، عبر المحيط، وتقوم محطة الفضاء الدولية بالتقاط إشارة تلك الأجهزة لمراقبة حركة الطيور أثناء هجرتها، ومراقبة كيفية استجابتها للمخاطر الطبيعية في طريقها.

المصدر: بي بي سي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة