الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربيةملفات مميزة

حين ارتدى الرئيس بوتفليقة الشماغ في بريدة

خاص، كيوبوست.

“كان لطيفاً ودوداً ينبض بالحياة، كارهاً للقيود الأمنية الصارمة التي تكاد تخنقه. كنا أحياناً نغافل حراسه، لنفاجئ أمه وأخته بزيارة على حين غرة، كنت أجاريه وأسايره، كنا نحدث الفوضى بغيابه، وكنت  عاجزاًعن إدراك مشاعر الغضب والنفرة من ظلي الثقيل في عيون حراسه. غفلت عن كونه هو الرئيس وأنا إنسان عادي قادم من صحراء الجزيرة العربية، حللت ضيفاً غير مرغوب، و كنت أبدو لهم غامضاً ومثيراً للشك والريبة وربما جاسوساً. الحقيقة أنني لم أكن محل ترحيب بين حراسه وحاشيته وربما من عائلته”.

  هكذا يروي رجل أعمال من مدينة بريدة عاصمة القصيم شمال غرب العاصمة السعودية الرياض قصته ضيفاً على الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في العام 2001. كان قد عرفه أوائل الثمانينيات واستضافه في بريدة لأيام. كان بوتفليقة وقتها قد ناهز الثالثة والأربعين من عمره، فاكتشف في مجالس أهلها وليالي سمرهم سر هذه المدينة الفريدة المتحفظة الثرية وومفتاح شخصية أهلها. تذوق فيها التمر السكري و الكليجا، و لبس الثوب والشماغ الأحمر، وتجول في “الجردة” السوق القديم لحاضرة منطقة القصيم، والتقط الصور فيها، وبعد فترة قصيرة من تولي بوتفليقة مقاليد الحكم أرسل لصديقه أن يلحق به ويحل ضيفاً عليه.

     ولد عبدالعزيز أحمد بوتفليقة في “وجدة” المغربية على الحدود الجزائرية المغربية،  وكان والده قد هرب إليها من الاحتلال الفرنسي الذي صادر أرضه وأملاكه. في وجدة ترعرع  عبدالعزيز مع أخوته الثمانية من بينهم أشقاؤه الأربعة، وفي السادسة عشرة اختار بتحريض من أمه أن يلتحق بالثوار الجزائريين. توفي أحمد وترك أبناءه الثمانية ولم يتجاوز عمرعبدالعزيز وقتها الواحدة والعشرين، عبدالعزيز هو بكر أمه  المنصورية الغزلاوية التي تتحدر من قبيلة غزلي خارج تلمسان. لهذه الأم التي رحلت عام 2009 عن مئة عام أثر هائل في تشكيل شخصية وحياة ابنها الاجتماعية والسياسية.

     تولى بوتفليقة وزارة الخارجية وهو في الخامسة والعشرين من عمره عقب الاستقلال العام 1964، وبقي رفيقاً وفياً لصاحبه هواري بومدين سنوات حكمه الأربع عشرة، حتى وفاة بومدين عام 1978.

      ” كان ذكياً وفطناً ولكنه كان أيضاً ماكراً”، كما يقول واحد ممن عرفه في شبابه الباكر في وجدة  من المغاربة الذين يكبرونه سناً. كان كتوماً ومتحفظاً، وفي شرة الشباب عشق وأحب حسناء طاغية الجمال كانت تعمل ممرضة في مستشفى، كان عبدالعزيز وقتها وهو في أوائل العشرين، إلا أنه حين عزم على فراقها واجهها وأفصح لها عن عزمه فراقها، واسترد منها كل ماله صلة به من صور تجمعهما وأتلفها وطوى صفحتها، ورحل في ليلة تركت حبيبته مكسورة دامعة العينين محطمة.  وكان بوتفليقة بوسامته وزرقة عينيه وسرعة بديهته محل الإعجاب بين حسناوات باريس وغيرها، وحديث الصحافة سنوات توليه شؤون الخارجية. كانت أمه قد انتقلت إلى الجزائر العاصمة ولكنها بقيت بعيدة عن ظلال وأجواء السياسة. اختارت أن تعيش بعيداً في بيتها. لاحقاً كان لها دور أكبر في مستقبل ابنها السياسي.

       في العام 1978 انتصر منافسه الشاذلي بن جديد في الصراع على السلطة بعد رحيل بومدين، وبدأ فصل من الملاحقة والتضييق وتهم الفساد التي عانى منها بوتفليقة تسع سنوات حتى 1987 ، غادر فيها الجزائر متنقلاً بين دول أوروبية وبين الخليج والإمارات تحديداً حيث عمل فيها مستشاراً.  خلال سنواته السبع التي كان فيها منفياً خارج بلاده، لم يقابل أمه.ذكر بوتفليقة في العديد من المرات لأصدقائه، أنه لم يكن ليتجاوز محنته تلك، لولا دعم أمه المنصورية في وقت شح عليه الأوفياء، حيث كان رفاق الأمس يتحاشون إلقاء السلام عليه حتى في العواصم البعيدة.

           كان عبدالعزيز بوتفليقة في صغره وسنوات مراهقته الأولى انطوائياً وانعزالياً في صغره، لكنه كان يتمتع بجاذبية وله أصدقاء أيضاً، في شبابه وهو قد ناهز العشرين كان يفاخر بإتقانه للغة العربية، وبقدرته على حفظ سور القرآن وتلاوتها مجودة على أصحابه. حين ضرب زلزال “مدينة الأصنام” في الجزائر تلا على أصحابه سورة ” إذا زلزلت الأرض زلزالها “. في تلك اللحظات المتخمة بالجلال والرهبة كان أصدقاؤه الأربعة المقربون منه يصغون مطأطئي الرؤوس.

       يحكي بعض أصحابه القدامى أن أمه المتصوفة التي كانت تعاقب أبناءها على ترك الصلاة، وضعت بصمتها على ابنها، وكانت المنصورية طوال قرن من عمرها المديد متبسطة بعيدة عن البذخ والتظاهر، متحاشية كثرة الخدم، اختارت أن تعيش في بيتها حتى بعد أن أصبح ابنها رئيساً للجزائر. ولهذا كان عبدالعزيز كل جمعة يزور أمه وأخته الأثيرة على قلبه ويتناول الكسكس والشاي المنعنع بحضور كل أولادها الذكور والإناث. اصطحب الرئيس ضيفه السعودي أكثر من مرة إلى هذه المناسبة العائلية الخاصة.

         في سنواته التي قضاها في الإمارات كان يزورمكة والمدينة للعمرة والزيارة، وفي واحدة من زياراته، تعرف عليه سعودي أمام مكتب الجوازات في مطار المدينة المنورة، لتبدأ قصة صداقة طويلة قاربت العشرين عاماً. وحين زار ابن وجدة بريدة، اكتشف مدينة تضاهي مسقط رأسه، بريدة هي مدينة المساجد والصلاة والتجارة والتحفظ من الغرباء، وجدةُ نفسها حيث ترعرع الرئيس عرفت عبر التاريخ بأنها مدينة المساجد.

           في آخر أيام إقامة الضيف السعودي في ضيافة الرئيس، كان الضيق بكسر البروتوكول قد بلغ أوجه. لهذا اقترح الضيفُ أن يودع صاحبه بعد رحلة صيد قصيرة في الصحراء،  لكنها لم تكن تجربة موفقة له. كانت هي آخر أيام الضيف في الجزائر.

استند هذا التقرير على وثائق وتقارير إخبارية وكتب ورواية شهود.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة