الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

حينما يكرّس خطاب ماكرون الازدواجية والانفصام

هل هناك مثالية أوروبية حقًا؟

خاص كيو بوست – 

لم يمر المراقبون مرور الكرام على العبارة التي نطقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “الحرية تتوقف عندما يبدأ العنف”، وذلك في تبريره للقوة الأمنية المفرطة التي استخدمت ضد متظاهري “السترات الصفراء” في بلد لطالما تفاخر بأنه كان مهد ثورة انطلقت ذات يوم قبل عقود، لتلد قيمًا كان لها الأثر العميق في صياغة النظم الديمقراطية في دول أوروبا قاطبة حتى يومنا هذا.

في الحقيقة، شكلت العبارة صدمة ومفاجأة في آن للقريب والبعيد، للشرق والغرب؛ فهي صدرت من فم رئيس دولة جرى اعتبارها “أم الديمقراطية”، فيما هو يكرس النظرية الميكافيلية بكل حذافيرها: “الغاية تبرر الوسيلة”، مما يثير التساؤل أكثر حول حقيقة الموقف الفرنسي من العنف: لماذا انتقدت فرنسا استخدام القوة ضد تظاهرات ما سُمي بـ”الربيع العربي”، فيما لم تتردد في استخدامها عندما وقعت في قلبها، بذريعة منع “التخريب” و”الاعتداء” على الممتلكات العامة؟ فهل هي حلال عليها، وحرام على دول العالم الثالث؟

اقرأ أيضًا: ما وراء مقولة الرئيس الفرنسي: “عندما ينطلق العنف تتوقف الحرية”

يتفق كل من الباحث الجزائري الدكتور خالد عمر بن ققه، والباحث في مؤسسة “فريدريش ناومان” في القدس د. سليمان أبو دية، على اعتبار أن مقولة ماكرون تأكيد على عدم مثالية الديمقراطية الفرنسية، ومعها الأوروبية، خصوصًا إذا ما نظرنا إلى ماهية التعاطي مع تظاهرات “السترات الصفراء”. لكن الباحثين يختلفان في نسبية التوصيف.

 

مقولة ماكرون: جزء من الحقيقة!

يقول ابن ققه إن مضمون مقولة ماكرون حول الحرية المشروطة، مقابل ما يسميه “القمع المبرر”، نابع من الفكرة القائلة إنه في التاريخ الإنساني كله، دائمًا كانت السلطة الحاكمة سواء عادلة أو ظالمة، ديمقراطية أو ديكتاتورية، تعطي نفسها حق استخدام العنف، وذلك من مُنطلق اتسامها بالفردانية التي تظهرها صاحبة الحق الوحيد باستخدامه وقتما رأت ذلك مناسبًا. وبالتالي يعتقد ابن ققه أنه لا ملائكية للديمقراطية التي تنادي بها فرنسا.

من ناحيته، قال الباحث في مؤسسة “فريدريش ناومان” للحرية سليمان أبو دية: “عندما يتكلم ماكرون عن عنف التظاهرات، يريد أن يفرغ هذه الحركات والممارسات الاحتجاجية من مضمونها وسياقها، أملًا بكسب المواطنين الفرنسيين لصالح سياسات وممارسات الحكومة”.

وفي تقدير ماكرون، فإنه بهذا الخطاب يريد أن يروض الحركة الاحتجاجية ويضعفها، وبالتالي يحرض الرأي العام الفرنسي ضدها عبر القول إن “خلفية هذه الحركات عنيفة وعدائية للدولة، وأنها بالدرجة الأولى بعيدة عن المطالبة بإعطاء الحقوق للمواطنين وتحقيق العدالة الاجتماعية”.

وحول ما إذا حمل تصريح ماكرون حول الحرية أي تناقض -خصوصًا أن فرنسا كانت قد انتقدت العنف الذي مورس في دول عربية ضد تظاهرات ما يسمى “الربيع العربي”- يقول ابن ققه: “إنه ليس تناقضًا، وإنما ينبع من أن الغرب يرى الديمقراطية لنفسه، والآن بات محل مساءلة واستفهام”. ويؤكد أن الذي يملك القوة سيستعملها لإخماد الآخر، ولكن تبقى المسألة نسبية.

 

الديمقراطية الغربية ليست كما يُروّج لها

“ولأن الديمقراطية الفرنسية ليست كما يُروّج لها، فمن الطبيعي أن ترد السلطة الفرنسية بهذا الخطاب والسلوك الأمني تجاه التظاهرات التي حملت حاجة إنسانية. ففي النهاية، لا تقبل السلطة تاريخيًا بنتائج ما يقوله الناس بكل حذافيره”، يقول الباحث خالد عمر بن ققه.

ويرى ابن ققه أن أي فكرة إصلاحية من عامة الناس، لا تتردد الحكومة في تنميط مَن ينادي بها في سياق “مجموعات مخربة تريد إفساد الدولة”، مُبينًا أن فرنسا تورطت هي الأخرى في هذا الانحراف المعياري للأشياء، ما أدى إلى حالة التشكيك ونوع من الجدال.

اقرأ أيضًا: الربيع العربي واحتجاجات فرنسا: أي مقاربة ممكنة؟

ويؤكد ابن ققه أن حقوق الإنسان تبقى محكومة للمنظومة القانونية للدولة وتفسيراتها. ورغم أن فرنسا تطرح نفسها كدولة علمانية، فباريس لا تعترف بحقوق الأطياف الأخرى، وهذا يعني أنه لا يوجد شكل ملائكي لفرنسا، بحسب الباحث ابن ققه.

ولهذا يشدد ابن ققه على أن “تقييم فرنسا يجب أن يكون على أساس نسبي، لا مُطلقيًا، وإلا من أين جاءت الأحياء الشعبية والفئات المظلومة في هذا البلد؟ ثم أين حقوق الفرنسيين المسحوقين؟”.

 

فرنسا لم تصّدر قيمًا لنا

وحول ما يقال عن فرنسا أنها صدّرت قيمًا ديمقراطية للعالم أجمع، يرى ابن ققه أنها لم تصدر قيمًا ديمقراطية على الإطلاق، بل هي أصلًا أحد أشكال الدكتاتورية في التاريخ العالمي، ولها تاريخ استعماري طال الجزائر.

ويصف ابن ققه الديمقراطية الفرنسية والغربية عمومًا بأنها “ديمقراطية بشكل رأسمالي، وبلا عدالة اجتماعية عُليا كما يُقال؛ أي على مقاس الوضع العالمي ككل”.

ويؤكد أن حركات الاحتجاج في فرنسا ليست جديدة، ولكن الجديد فيها هو أنها أثبتت أن الادعاءات الماكرونية والليبرالية الجديدة، بتحقيق مزيد من العدالة، غير صحيحة بل حصل العكس تمامًا.

اقرأ أيضًا: مترجم: السياسيون الصادقون لن يصلحوا الفساد

 

المهاجرون شاركواولكن ما المشكلة؟

وعن دلالات تصريح وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير، بخصوص توجه بلاده الجديد لاحتواء مسلمي فرنسا بما يمنع التمويل الخارجي وتأثيراته، قال ابن ققه: “لا يستطيع أحدٌ أن يحتوي الإسلام”، مُبينًا أنه حتى لو كانت العبارة سالفة الذكرة محاولة للربط الضمني بين أعمال التخريب التي حصلت في تظاهرات فرنسا وبين المهاجرين من أصل عربي وإسلامي، فإنه لا أحد يُنكر أن المهاجرين كانت لهم يد في الأمر، غير أنه من الطبيعي أن يفعلوا ذلك ما داموا جزءًا من النسيج الفرنسي، وأرادوا أن يعبروا عن تظلمهم عبر الخروج في تظاهرات السترات الصفراء”.

ويتساءل: “ما هو المنتظر من ربع مليون مغاربي فرنسي على وجه التحديد، يتعرضون للتهميش؟ هم بالنهاية جزء من الكيان الفرنسي، وتربوا في فرنسا ومحسوبون عليها. والعيب هو تمييزهم ووصفهم بالمهاجرين من قبل السلطات هناك”.

من جانبه، اعتبر الباحث سليمان أبو دية أن حديث وزير الداخلية اتسم بالمبالغة عندما حاول أن يكسب الشعبية بفرنسا من خلال الإشارة الضمنية إلى أن من يقف وراء الاحتجاجات قوى خارجية، بينها إسلامية، وبعض المتطرفين الذين يتم استغلالهم من جهات عابرة للحدود.

 

انفصام الخطاب الأوروبي

يرى أبو دية أن ما حصل في فرنسا يشابه، إلى حد ما، ما حصل في الدول العربية؛ فالفرنسيون بدأوا يشعرون أكثر بالنظريات الليبرالية وخصخصة الاقتصاد الفرنسي على حساب الأكثر فقرًا، بعد وصول إيمانويل ماكرون إلى سدة الرئاسة.

ولو قمنا بعمل مقاربة ومقارنة بين التصريحات الرسمية في فرنسا تجاه تظاهرات “السترات الصفراء”، وبين موقفها فيما يتعلق بثورات “الربيع العربي” عندما اندلعت، فإن سليمان أبو دية يشدد على وجود انفصام لدى كل من فرنسا، بل وكثير من الدول الأوروبية، إذ أن ما ينطبق على العرب لا ينطبق على أوروبا!

وبالمحصلة، يقر أبو دية أن هناك نوعًا من “التناقض في نظرة أوروبا والغرب تجاه القضايا العربية على مدى التاريخ”.

اقرأ أيضًا: القضاء على الاحتجاج في البداية أو السقوط: هكذا تصمد الأنظمة الاستبدادية!

 

المهاجرون كبش فداء

غير أن أبو دية يصف هذه المحاولة الدعائية بـ”المضللة” و”الانتهازية” وغير الصحيحة. ولعل ماكرون والطبقة التي جاءت معه إلى الحكم تريد أن تبرر كل ما تقوم به من إجراءات اقتصادية وقانونية في فرنسا من أجل فرض سياستها الجديدة، ويبدو أن الطريق إلى ذلك “هو استخدام المهاجرين ككبش فداء”، بحسب أبو دية.

ليس هذا فقط، بل ويبتغي حكام فرنسا أن يهدأ اليمين والشعبويون من خلال إخافتهم من “بعبع” المتطرفين الإسلاميين. لكن أبو دية يظن أن الفرنسيين بغالبيتهم لا يصدقون هذه الرواية الرسمية، فالشعب الفرنسي معروف عنه بأن لديه سمة ثورية ويؤمن بحرية الرأي والتعبير أكثر من غيره من شعوب أوروبا.

ويقر أبو دية في الوقت ذاته بأن هذه الدعاية الحكومية تؤثر على بعض الأطياف، لدرجة أنها بفعل الدعاية المذكورة تصب جام غصبها على المهاجرين ذوي الأصول الإسلامية والعربية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة