الواجهة الرئيسيةترجمات

حينما يصبح التثقيف الذاتي طريقًا لتبني أفكار اليمين المتطرف

 ترجمات – كيوبوست

جيمس سنيل

 في رواية «إنجلبي» للكاتب الإنجليزي سيباستيان فولكس، يبرز مشهدٌ محوري في بداية الرواية، تدور حول مقابلةٍ للالتحاق بالجامعة، بطل الرواية “إنجلبي” هو المرشح الذي تُجرى معه المقابلة، وفيها يُطلب منه إجراءُ مقارنة بين كتابات الشاعر الأمريكي تي إس إليوت، والكاتب والشاعر الإنجليزي دي إتش لورانس. ويبدو في المشهد أن إنجلبي، وهو شابٌ فظ خشن ومتعجرف، لا يعتقد أن هناك الكثير من السمات التي يمكن مقارنتها بين الاثنين. ويقول الكاتب على لسان إنجلبي: “ظننتُ أنه يمزح” مضيفًا: أيريدني أن “أقارن بين إليوت ذلك المصرفي الأمريكي الذي يهتم بإيقاعات طقوس الكنيسة الإنجليكانية ولورانس ابن عامل المناجم الذي يريد الهرب من نوتنجهام؟… قدَّمتُ جوابًا عن استخدامهما لصيغٍ مختلفة في نظم الأبيات الشعرية، محاولًا أن أجعل الأمر يبدو كما لو كان سؤالًا معقولًا”. اللافت أن إنجلبي نفسه يُشبه لورانس، بطريقة ما. كلاهما يمكن أن يُعتبر ذكيًا وقاسيًا أيضًا، وكلاهما لديه الرغبة في الهروب من الظروف المادية الصعبة، والخلفية الطبقية، التي صاحبت نشأتهما. “يمكنني التعامل مع الواقع كما هو”، هكذا قال إنجلبي في وقت لاحق، وأضاف “اعتقد إليوت أن البشر لا يستطيعون أن يتحملوا كثيرًا من ذلك. لكنني أستطيع أن أتحمل كثيرًا. بقدر ما تحمل لورانس على أي حال”.

شاهد.. فيديوغراف.. العصفور الأسود

في الرواية، رغبة إنجلبي لمواجهة الواقع تقوده إلى معاملة معاصريه بازدراء، ولاحقًا بعنف صادم. وقد شعر لورانس بنفس الازدراء للناس الذين نشأ بينهم. هذا الازدراء للآخرين ولّد لديه أفكارًا خاصة تلامس الفاشية، كان قد عبّر عنها في بعض الكتابات الخاصة. “أنا لا أؤمن بالحرية ولا بالديمقراطية. أنا أؤمن بالسلطة الفعلية والمقدسة والمستلهمة”، هكذا كتب لورانس إلى أحد المراسلين. وكتب لآخر “دعنا ننتهي من هذا الشكل الأحمق من أشكال الحكم، ومن فكرة السيطرة الديمقراطية هذه. دعنا نعترف بحقيقة أن هناك أشخاصًا أرستقراطيين، وهناك عوام، ولِدوا هكذا ولم يُصنعوا. بعض منا ولِدوا ليَحكموا، وبعض ولِدوا فقط ليُحكموا”.

اقرأ أيضًا: السعي للفت الأنظار: اليمين المتطرف قبل وبعد كرايست تشيرش

كل من إنجلبي ولورانس شخصيات نَزِقة قادها ذكاؤها إلى كراهية، ثم احتقار، أولئك الذين عاشوا بينهم. مشاعر من هذا النوع يمكن أن توفر موردًا قويًا للتطرف. وهو أمر يعرفه جيدًا أولئك الذين يروجون لوجهات نظر اليمين المتطرف. تكمن أحد أجزاء الصورة في الكيفية التي يخفي بها المتطرفون أفكارهم في الأسلوب البلاغي المفرط في مبالغته. وقد أشار دليل الأسلوب الصحفي، الذي أُعد للكتاب المساهمين في صحيفة «ديلي ستورمر»، وهي مطبوعة سيئة السمعة للنازيين الجدد، إلى أنه “لا يوجد شيء اسمه المبالغة المفرطة”. وفقًا لمؤلف الدليل “حتى عندما يمكن للشخص أن يقول لنفسه (هذا أمر سخيف) فإنه يظل يتأثر به على المستوى العاطفي”. ويقول إنه يجب على الكُتّاب أن “يشيروا إلى المراهقين الذين يُقبض عليهم بسبب مشاركات عنصرية على تويتر على أنهم: محاربون نبلاء خالدون يقاتلون بشجاعة من أجل حرب إلهية لحماية سلالة أسلافنا المقدسين”.

إحدى مسيرات الجماعة اليمينية المتطرفة “النازيون الجدد”

وحتى السخافة البديهية لهذه الصياغة، فإنها في الواقع تضفي بريقًا على النشاط المتطرف الذي، عندما يتكرر في كثير من الأحيان، يهدف إلى جذب أولئك الذين يتوقون إلى قضية نبيلة وارتداء عباءة البطولة. وفي المقابل، يمكن للخطاب والأفكار اليمينية المتطرفة أن تنتشر عبر ربطها بطموحات التطوير والتثقيف الذاتي.

شاهد.. فيديوغراف.. دموية لفت الأنظار

وقد قدّم تحقيق أجرته مجلة «نيويوركر» مؤخرًا مع جماعة “العمل الوطني” National Action اليمينية البريطانية المتطرفة دليلًا على الثقافة الفكرية الزائفة للمنظمة. يُوصف روبي مولين، وهو الشخص الذي يدور حوله موضوع التحقيق، بأنه صبي “واعد”، ويقول معد التحقيق أن مولين “لم يستكمل تعليمه… وفي محادثاتنا كان يفتقر أحيانًا إلى المفردات للتعبير عن الأفكار أو المشاعر المعقدة”. لقد كان التعليم الرسمي الذي حصل عليه مولين غير منتظم، ثم انضم إلى جماعةٍ اعتبرتها والدته غير مناسبة. ونظرًا لتعليمه الضعيف وافتقاره إلى المهارات، التحق بعملٍ بسيط، وأصبح منتميًا إلى فئة العمالة غير الماهرة. ويبدو أن افتقار مولين للتعليم الرسمي هو ما سيقوده إلى اللالتحاق بالجماعة المتطرفة التي انضم إليها في نهاية المطاف.

اقرأ أيضًا: أوروبا بين مطرقة اليمين المتطرف وسندان الإرهاب الجهادي

ما حدث أنه وسط مثل هذا المحيط غير المثير للاهتمام، والعلاقات التي لا تنطوي على تحديات، والتي كانت محيطة بمولين، فإنه وقتما يجد جماعة “هي في هذه الحالة جماعة العمل الوطني”، ينضم إليها وتقدم له نظرة عالمية عنصرية على أنها ثقافة مختلفة عن السائد، فإنه بالتأكيد سينضم إليها بكل قوة، ويقتنع بكل ما تقدمه من أفكار حول السخط العنصري والتطرف السياسي.

من بين الأدوات التي تستخدمها جماعة “العمل الوطني” لنشر أفكارها المجلة التي يمكن القول إنها زائفة فكريًا وتسمى “الهجوم” (Attack). يرى قادة الجماعة أن جوهر منظمتهم لا يكمن فقط في عضويتها، بل في “أفكارها” أيضًا. وهكذا، عبر “تثقيف” الأشخاص المضطربين اجتماعيًا وذوي التعليم المتدني مثل مولين، يمكن للجماعات المتطرفة ممارسة التلقين تحت ستار التعليم والثقيف.

إحدى مسيرات اليمين المتطرف

وفي حين أن سياساتها العلنية تعبر عن قضية مباشرة، والتزامها بالعمل على تحقيق القضية يوفر الدافع، فإن هناك ثمة عوامل أخرى أيضًا يمكن أن تجذب إلى الانضمام لهذه الجماعات منها أولئك الذين يشعرون بالملل أو ينجذبون إلى التيارات السياسية الفكرية الزائفة والعدوانية.

بدأ ماثيو كولينز، الذي أصبح الآن عضوًا في منظمة “الأمل لا الكراهية” المناهضة للتطرف، بدأ انخراطه في السياسة كشابٍ انجذب إلى اليمين المتطرف. “في المدرسة الثانوية، أصبح كولينز، على حد تعبير مُعلميه، عنصريًا ومتنمرًا”. وبدأ، في إحدى المكتبات، البحث عن “الجبهة الوطنية”، وغيرها من الجماعات الفاشية. قادت هذه البحوث إلى تحويل الصبي، الذي وصِف بأنه “بلا هدف” و “مَلُول”، إلى التطرف العلني.

اقرأ أيضًا: روابط خطرة: حلقة الوصل بين اليمين المتطرف والجهاديين من منظور فرنسي

الملل والرغبة في التحدي يتلاقيان مع موضوع مشترك آخر هو: الرغبة في تطوير الذات بمعناها العام. على المنتديات ومنصات تبادل الرسائل، مثل 4chan، التي توفر أماكن لتبادل الآراء المخالفة للتيار الرئيسي، من المرجح أن يناقش المشاركون فيها سبلَ تطوير أذواقهم أو أذواق الآخرين فيما يتعلق باختيار الكتب والأفلام، وتحسين اللياقة البدنية، عن المواد المتطرفة بشكل صريح. الغالبية العظمى من المواد المشتركة على هذه المواقع غير مؤذية تقريبًا، وإن كانت في كثير من الأحيان غريبة وشاذة. وبعبارةٍ أخرى، تهدف كلها إلى الهروب من الملل إلى أي هدف آخر. ولكن المواد التي يتم تداولها يمكن، بل من المرجح، أن تحمل مسحة غريبة تتسم بالإثارة والابتذال.

اقرأ أيضًا: هكذا تغوي “منظمات البوابة” الأفراد بالدخول إلى عالم اليمين المتطرف

لن تخلو مناقشات اللياقة البدنية، على سبيل المثال، تمامًا، من المواضيع الفرعية الغريبة. لن يتحدث بعض المشاركين عن الرغبة في تحسين جاذبيتهم فحسب، بل سيتحدث آخرون، سواء بشكل ساخر أو صادق، عن الرغبة في الحصول على اللياقة اللازمة استعدادًا للحرب العرقية التي يقولون إنها قادمة. حتى إن هذه المنصات تحتوي على بعض المواضيع الأكثر تطرفًا من الناحية السياسية، ومن ثم تكون امتدادًا للسعي الأوسع نطاقًا للسياسة المتطرفة.

شاهد.. فيديوغراف.. يوم نيوزيلندا الأسود

على المنصات المخصصة للأدب، من المرجح أن يوصي المشاركون بعضهم الآخر بالمراجع الأدبية الغربية عن كتابات المثقف الفاشي يوليوس إيفولا. ومع ذلك، ففي السعي لقراءة الكتب، من المحتمل أن يتم حث الزوار على قراءة السِّيَر الذاتية للفاشي البريطاني أوزوالد موسلي، أو حاكم لويزيانا الشعبوي هوي لونج، وهي أعمال تكمل أو تدعم الحديث الأكثر راديكالية عن العرق والأمة.

اقرأ أيضًا: كيف يؤثر صعود اليمين المتطرف في أوروبا على المسلمين؟

وهكذا، قد تقود الرغبةُ في التعلم والتطوير الذاتي الأشخاصَ غير المحنكين إلى مساراتٍ غريبة وغير مألوفة، وكلها تنشأ من رغبة، كما يشير إنجلبي، في رؤية الحياة كما هي عليه حقًا. هذه الرغبة لها نتائج غير سارة. ويمكن أن تدفع البعض إلى السعي إلى ثقافة منحرفة في أشياء بعيدة عن التيار الرئيسي، في التطرف السياسي أو الكراهية. ويمكن أن تقود البعض الآخر لازدراء معاصريهم واحتقارهم، كما فعل لورانس، وأن يقرروا، بعد سنوات من الجهد الفكري، أن معظم الناس يجب أن يُحكموا بدلًا من أن يَحكموا. ونظرًا لرغبته في الهروب من خلفيته الريفية في ظل معرفة متنوعة – فكرية وحسية- ليس من المستغرب أن يتطور التوجه السياسي للورانس بهذا الشكل.


كاتب بريطاني

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة