الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

حياة السير هارولد إيفانز (1928- 2020).. ملحمة في الكياسة والشجاعة والأخلاق الرفيعة

كيوبوست- ترجمات

سايمون شاما♦

يرى المحظوظون الذين قيِّض لهم أن يكونوا بين دائرة أصدقاء السير هارولد إيفانز -أو هاري كما يسميه الأصدقاء- أن حياته المديدة كانت ملحمةً في الكياسة والإقدام والتمسك بالأخلاق الرفيعة. استمر عطاؤه الذي لا ينضب حتى آخر عمره، وقد رحل أخيراً بعد أن ترك لنا هديةً قيمة للغاية. فبينما كانت الصحافة تقاوم الصخب الشعبوي الكاريكاتيري، كانت مسيرة إيفانز المهنية تمثل تذكيراً نبيلاً بضرورة وجود الصحافة الجريئة للديمقراطية التي ترتكز على الحقيقة. لقد عمد مناهضو الصحافة المطبوعة الجادة على تجاهلها ووصفوها بالعاجزة والمترهلة، ولكن السير إيفانز أثبت مراراً وتكراراً أن العمل الجاد والمثابرة في التحقيقات الاستقصائية يمكنهما أن يهزما التستر الجبان والفساد ومؤامرات الأكاذيب. لقد كتب إيفانز وحرَّر الحقائق كما هي.

لم يكن من السهل أن يطبع إيفانز كل ما فعله بطابع الثبات والنزاهة، فقد انحدر من عائلةٍ تنتمي إلى الطبقة العاملة الصناعية في مدينة لانكشاير، وكان والده عاملاً في السكك الحديدية، شقّ طريقه صعوداً من عامل نظافة إلى سائق قطار. وحولت والدته الجزء الأمامي من منزلها إلى محل بقالة. في سنوات طفولته استنشق هاري الهواء الملوث كل يوم وأُصيب بالتهاب رئوي في سن الثالثة. وعندما كان والده يقضي إجازة في مدينة ريل الساحلية في شمالي ويلـز، تحدث إليه الجنود، بلباسهم المدني، الناجون من معركة دونكيرك، (معركة حاصر فيها الألمان قوات الحلفاء على شواطئ دونكيرك الفرنسية في عام 1940، واضطر الحلفاء إلى إجلاء نحو 330.000 جندي في عملية إخلاء واسعة باستخدام ما توفر من السفن العسكرية والمدنية- المترجم)، بمرارة عن أسلحتهم عديمة الجدوى وعن الفشل المعنوي الكبير لإجلائهم من الشواطئ التي قصفها سلاح الجو النازي.

اقرأ أيضاً: ما العلاقة بين الصحافة والأيديولوجيا؟ ولماذا علينا أن نحذر في تعاملنا مع الإعلام؟

وفي الوقت نفسه، كان عنوان إحدى صحف التابلويد في غرفة فندقه تتحدث عن “الروح القتالية الرائعة”، وتصوِّر هؤلاء الجنود العائدين من عملية الإخلاء على أنهم يتحرَّقون شوقاً للعودة إلى القتال. وعلى الفور أدرك إيفان الشاب مدى خيانة هذا النوع من التشجيع الفارغ. وصف محرر صحيفة “دايلي إكسبرس” واسعة الانتشار مهمة صحيفته إبان الحرب بأنها كانت “أن ترفع معنويات المواطنين”؛ إلا أن إيفانز كان يؤمن بأن الحقيقة، وإن كانت مؤلمة، فهذا سبب إضافي لضرورة قولها.

الحياة الاستثنائية لهارولد إيفانز.. “ذا نيويوركر”

حظي إيفانز باحترام زملائه؛ لأنه شق طريقه صعوداً في الصحافة في عصر الطباعة المعدنية الساخنة. في سن السادسة عشرة ترك إيفانز المدرسة؛ ليلتحق بصحيفة “آشبورتون آند لاين ريبورتر” المحلية، مراسلاً متدرباً يتقاضى جنيهاً إسترلينياً في الأسبوع؛ لقاء تغطية أخبار الأعراس والجنازات وبعض المراجعات القصيرة للأفلام السينمائية. كان هاري قارئاً نهماً، واحتفظ بنسخة من كتاب «حرب ثيوسيديدس البيلوبونيزية» (حرب يونانية قديمة بين أثينا وإسبرطة- المترجم) الذي كان يراه مصدر إلهام لآرائه حول الحرب والسلطة والحرية التي سادت في حينه، وفي العصور القديمة. وعندما أدى خدمته العسكرية في سلاح الجو الملكي كان يُعرف بلقب “إيفانز المثقف”، وحصل على شهادة في الدراسات الاجتماعية من جامعة دورهام؛ وهو الاختصاص الوحيد الذي لا تتطلب دراسته إتقان اللغة اللاتينية. وعمل لاحقاً محرراً ثانوياً في صحيفة “مانشستر إيفنينغ نيوز”؛ حيث بدأ يتحسس فن الكتابة، وأهمية العلاقة بين النص والصورة وبين العنوان والقصة، وبقيت هذه الغريزة المكتسبة واحدة من أعظم نقاط قوته العمليـة.

اقرأ أيضاً: هل تحلم بدراسة الصحافة والإعلام؟.. “كيوبوست” صمم دليلاً من أجلك

وقد بدأت حملاته الاستقصائية التي اشتهر بها إبان عمله في صحيفة “ذا صنداي تايمز” قبل زمن طويل عند عمله محرراً لصحيفة “نورذرن إيكو” ومقرها في مدينة دارلينغتون، إحدى البلدات الصناعية في شمال شرق إنجلترا التي كانت قد بدأت تخسر أحواض بناء السفن والصناعات الثقيلة فيها. وكالعادة كان إيفانز يخالط الناس العاديين في الشارع وفي الحانات؛ لأنهم يمثلون البيئة التي جاء منها. وكان لزاماً عليه أن يكتشف أن تلك الرائحة الكريهة التي تلوث شوارع المدينة كانت نتيجة التلوث الصناعي، وأن سرطان عنق الرحم كان يفتك بنساء المدينة؛ بسبب ذلك التلوث، وأن جريدته كان باستطاعتها أن تفعل شيئاً حيال هذا الأمر. وعلى الرغم من مقاومة الصناعيين النافذين؛ ازداد إصراره وتعمَّق بحثه وتوصل إلى حقائق أدت إلى تغيُّر نوعية الحياة في المدينة. لقد اتخذ إيفانز نهجاً جديداً يتميَّز بالشراسة؛ ولكنه كان يشعر بأنه يتبع خطى أحد أسلافه في الصحيفة نفسها، الصحفي الاستقصائي العظيم ويليام توماس ستيد. كان هذا ما ينبغي للصحافة الجيدة أن تفعله.

الرجل الذي وضع الوقود في صاروخ “ذا نورذرن إيكو”

وخلال عمله في صحيفة “ذا نورذرن إيكو” في مطلع الستينيات، أدرك إيفانز لأول مرة أن أطفالاً ولدوا بلا أطراف نتيجة تناول أمهاتهم عقار “ثاليدوميد” (حبوب مهدئة أو منومة) أثناء فترة الحمل. وكانت صدمة له أن وزير الصحة، في حينه، إينوك باول، رفض فتح تحقيق في الأمر، ومنع العائلات المتضررة من عرض قضيتها على الصحافة، وتجنب لقاء أي من الأطفال شخصياً. وكان السبيل الوحيد المتاح هو إقامة دعاوى مدنية بالإهمال؛ ما يعني أن الشهادات سوف تكون سرية، وأن نشر أية معلومات يمكن أن يؤدي إلى مقاضاة الناشر بتهمة التشهير. ولكن ذلك لم يثنِ إيفانز عن نشر صور لا تُنسى للأطفال. وقد ذكر في مقطع مؤثر من سيرته الذاتية كيف جعله التعاطي مع هذه المأساة يتفاعل من كل قلبه مع الأطفال وعائلاتهم، بدلاً من أن يكون مجرد متفرج.

اقرأ أيضاً: الصين تسيطر على سوق الدواء.. والغرب يعيش مرحلة ما بعد الصدمة

ولاحقاً، وبصفته محرراً لصحيفة “صنداي تايمز” التي وصفها سلفه دنيس هاميلتون، بأنها “رولز رويس الصحف”، تناول إيفانز قضية أطفال “ثاليدوميد” مجدداً في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات، ورفض أن يخضع للتهديد بتهمة ازدراء المحكمة. والتزمت الصحيفة بنشر صورة أحد الأطفال المتضررين كل أسبوع، وفضحت أكاذيب شركة “ديستيلرز” والمصنعين الألمان الأصليين للعقار، الذين زعموا أنه في حينه لم يكن معروفاً أن أي عقار يمكنه أن يخترق جدار المشيمة ليصل إلى الجنين. وقد أثرت هذه الحملة القوية عميقاً في مصداقية الشركة وقيمة أسهمها التي اضطرت في نهاية الأمر إلى تقديم مبلغ إلى العائلات المتضررة، يبلغ عشرة أضعاف المبلغ الذي عرضت تقديمه في البداية. وأيدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان رأي إيفانز بأن نصوص القانون في قضايا المصلحة العامة ليست بالضرورة في مصلحة العدالة.

وقد تمكن إيفانز من إنجاز كل ذلك؛ لأن مالك صحيفة “صنداي تايمز” بارون الصحافة الكندي روي تومسون، وعلى الرغم من آرائه اليمينية، كان من أشد المتمسكين باستقلالية التحرير؛ ليس فقط بما يتعلق بمضمون الخبر، ولكن في إدارة الصحيفة. قام إيفانز بتشكيل فريق “إنسايت” للصحافة الاستقصائية المؤلف من أربعة مراسلين وباحث، يشكلون معاً فريق عمل يتقصَّى الجوانب المختلفة للموضوع، ويجمعون الحقائق ويرتبونها في عرض واقعي بليغ.

أثناء عملي باحثاً بدوام جزئي في المجلة الملونة التابعة للجريدة، كان عليَّ أن أعمل تحت إمرة عدد من الباحثين المخضرمين مثل بروس بيج، ورون هال، وفيليب نايتلي.. وغيرهم، وفي كل مرة كنت أجلس إلى مكتب في المبنى الواقع في شارع “غرايز” كان ينتابني شعور بأن رسالة الجريدة والعمود الفقري لنزاهتها ووضوح صفحاتها، تدين بكل شيء إلى صلابة قيادة هاري إيفانز التحريرية. لقد كان الوقت الثمين الذي أمضيته في ذلك المكان مصدر إلهام بالنسبة إليَّ؛ فالصحافة يمكنها أن تتجاوز حدود اللباقة عندما يتعلق الأمر بنزاهة وكرامة رسالتها.

اقرأ أيضاً: بالوثائق: “صنداي تايمز” تكشف خروقات قطر لاستضافة كأس العالم

ترأس إيفانز تحرير صحيفة “صنداي تايمز” لمدة 14 عاماً؛ ولكنه لم يستمر لأكثر من عام واحد بقليل في تحرير جريدة “التايمز” اليومية. والفارق كان هو المالك الجديد، روبرت مردوخ.  فقد فشل إيفانز في تنظيم عملية الاستحواذ تحت قيادة إدارة الصحيفة، واضطر لاحقاً إلى قبول ملكية مردوخ لها بشرط الوعود التي قطعها باحترام استقلالية التحرير. ولكن، خلال عام واحد جرى الإخلال بكل الوعود الخمسة التي قُطعت، ليس له فقط، بل للبرلمان أيضاً. وسرعان ما أدرك هاري أن مردوخ كان مصمماً على تحويل جريدة “التايمز” إلى صوت ناطق باسم نهج مارغريت تاتشر، المحافظ المتشدد. وانتهت هذه العلاقة الهشة بطرد إيفانز.

ما أعقب ذلك من حياة إيفانز كان رداً حياً على قول الكاتب الأمريكي الشهير سكوت فيتزجيرالد، بأنه “لا توجد فرص ثانية في حياة الأمريكيين”. كان هاري دائم التعبير عن امتنانه لأمريكا لأنها أعطته حياة ثانية ومنحته حباً جديداً وزواجاً ثانياً من تينا براون. وقد بدأ شغفه بأمريكا وبتفاؤلها وإبداعها وطاقاتها قبل ذلك بكثير، وذلك في عام 1965 عندما وفرت له “زمالة هاركنس” (زمالة هاركنس: برنامج يديره صندوق الكومنولث في نيويورك، ويهدف إلى تبادل المنح الدراسية وتمكين الزملاء من عدة دول من القدوم للدراسة في الولايات المتحدة- المترجم) فرصة للدراسة في جامعة شيكاغو. ونظراً لطبيعته فقد استغل الفرصة للغوص عميقاً في مشكلات البلد؛ مثل: مدينة غراي الصناعية في ولاية إنديانا، والسكان الأمريكيين الأصليين في ولاية نيو مكسيكو من قبائل “نافاجو” الذين مزقهم المرض والفقر، ومعاناة سكان إيلينوي من الصقيع. وتذوق أيضاً في وقت مبكر طعم العمل لدى إمبراطور الصحافة روبرت مكورميك، مالك صحيفة “شيكاغو تريبيون”.

روبرت مردوخ إمبراطور الإعلام الذي أخفق هارولد في بناء علاقة معه

وفي الوظائف التي شغلها إيفانز (تحرير “يو إس نيوز آند وورلد ريبورت” و”كوندي ناست ترافيلر) وزوجته تينا (“فانيتي فير” و”ذا نيويوركر”، لم يحاول أيٌّ منهما فرض الصحافة البريطانية على المطبوعات الأمريكية؛ بل انخرطا في تيار الكتابة والنشر الأمريكي، واستفادا من مواهبهما ومهاراتهما في الكتابة وتصميم الصور في عملهما. ولم يكن منزلهما في ساتون بلايس مكاناً للمجاملات الاجتماعية؛ بل مسرحاً لتبادل الأفكار. وعندما كان هارولد مديراً ورئيساً لتحرير دار “راندوم هاوس” العملاقة للنشر، كان يرأس تقديم الكتب المنشورة حديثاً ومؤلفيها، ويثير محادثات تشجع على الاستقصاء وأسئلة مستفزة بين الحضور. وقد شهدت كتبه القيمة «القرن الأمريكي» و«هم صنعوا أمريكا» على إيمانه الراسخ بمرونة الثقافة والسياسة الأمريكية، ونبع التجدد الذاتي الذي لا ينضب فيها.

هارولد إيفانز وزوجته تينا براون- “نيويورك بوست”

ولكن هذا لا يعني أنه كان راضياً عن الظلم الوحشي والتفاوتات الكبيرة التي تعصف بالحياة الأمريكية المعاصرة؛ فالكثير مما رآه الأسد العجوز في سنواته الأخيرة كان يثير غضبه. فالتخاذل في كشف تزييف الحقائق واللا مبالاة بالأدلة وانعدام النزاهة كانت دائماً تستنفر فيه مواقف الغضب والإدانة. لم يكن إيفانز يرغب في أن يذهب كل ما عمل لأجله، في الصحف وخارجها، هباءً، وأنا أعتقد أنه كان يعلم أن أياً من معاركه العظيمة لن يذهب سدى.

♦أستاذ تاريخ الفن في جامعة كولومبيا

المصدر: مجلة التايم

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات