الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

حول موقفها من العبودية.. “المسيحية” لم تهاجمها إنما فككتها من الداخل

حسب دراسة نشرت مؤخراً فإن المسيحية أوجدت علاقة جديدة بين البشر.. اختفت فيها الفروقات الطبقية والتمييز العنصري وجعلت الجميع متساوين

كيوبوست – مدى شلبك

تقاطعتِ العبودية واختلفت في الحضارات السابقة، إلا أنها كانت سمة متجذرة في العالم القديم، فقد استُخدم العبيد لأداء مهام شاقة كالعمل بالمزارع، ومهينة كاستخدام النساء للزينة، وكانت تصل قسوة عقوبة العبد إلى الموت، وتم الاستعباد عبر الأَسر أو الشراء أو نتيجة للفقر أو السرقة.. حيث باع الإنسان نفسه وأسرته بسبب الحاجة أو لرد سرقة كان قد أقدم عليها، أو بالميلاد؛ فيولد الإنسان عبداً.

ومن الحضارات التي اشتهرت بممارسة العبودية: الفرعونية والأشورية والإغريق والفرس والرومان، والعبرانيون الذين تعاملوا مع العبد وفقاً لديانته، فإن كان عبرانياً بإمكانه استرداد حريته، أما إن كان أجنبياً فسيبقى عبداً طيلة حياته، بينما اتخذتِ المسيحية موقفاً مختلفاً، وذلك وفق دراسة بعنوان “المسيحية والعبودية التقليدية”، يحاول هذا التقرير عرضها.

كاتب الدراسة: الدكتور أندريه زكي إسطفانوس

العبيد في نصوص مسيحية

لم يكن للمسيح موقف صريح ضد العبودية، إلا أنه وضع الأسس التي أسهمت في هدمها؛ فقد رفض الظلم الإنساني والطمع والجشع، ودعا إلى العطاء واحترام الكرامة الإنسانية.

استعان المسيح بالعبيد كأمثلة في نصوصه، عاكساً من خلالهم واقع عصره؛ فتحدث عن فضيلة التواضع، مشيراً إلى أن العبد بعد إنهائه مهامه لا يشكره سيده؛ لأنه قام بواجبه المعتاد، كذلك البشر عليهم أن يكونوا كاملين عبر تنفيذ ما أمروا به، دون الاعتقاد بأنهم سيحصلون على امتيازات خاصة عند الله.

نقش لعبيد يساقون بسلاسل في العصر الروماني

يقرن المسيح طاعة وصاياه من قِبل أتباعه بالمحبة، الذين لا يدعوهم بالعبيد بل بالأحباء؛ لأن العبد حسب قول المسيح: “لا يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي”. وهو بذلك ينقد صورة العبد ويرفضها.

في سياق حديثه عن العلاقات الإنسانية في محيط الأسرة والبيت، يصف الرسول بولس العلاقة بين العبد والسيد، عبر رسالته إلى أهل أفسس -مدينة إغريقية في الأناضول- فيفيد أن العبيد يجب أن يقدموا خدمتهم لسيدهم بإخلاص كما لو أنهم يقدمونها لربهم، وعلى السادة أن يعاملوا العبيد وهم مدركون أنهم أنفسهم عبيد لله، بذلك خلق بولس رابطاً روحياً بين طاعة السيد وطاعة الله، تحديداً عندما أعاد صياغة ممارسة السلطة، حيث نبذ التهديد كأسلوب مستخدم ضد العبد، ودعا السادة إلى التصرف بطريقة مختلفة، ليس كمن يحمل سوطاً في يده.

في أمثلةٍ أخرى يشير بولس إلى صفات العبد المسيحي، فهو مطيع وخاضع ومخلص وكُفء وأمين، ولا يعتقد أن مسيحيته تخوله في أن يكون حاد الرد أو سيئ الأخلاق. أما في ما يتعلق بواجبه، فيؤكد بولس أنه لكون سيده مسيحياً فهذا لا يعطيه الحق في أن يكون كسولاً؛ لأن العبيد المسيحيين والأحرار هم شهود لديانتهم فيعملون بروح جديدة، وإن كان سيده وثنياً، فهو يرى المسيحية من خلال سلوك عبده المسيحي.

اقرأ أيضاً: سبارتاكوس.. العبد الذي انقلب على عبوديته

موقف استراتيجي للمسيحية

في رسالةٍ شخصية أرسلها بولس إلى شخص اسمه فليمون، دعاه إلى أن يقبل عودة عبده الهارب أنسيموس الذي صار مسيحياً ونافعاً، على اعتبار أنه هرب كعبد والآن عاد كأخ في الرب، فأنسيموس الآن ابن لبولس في الإيمان، وعلى فليمون أن يستقبله كما يستقبل بولس.

وفي هذا السياق، أبدى كثيرون استغرابهم من موقف بولس، معتقدين أنه كان يتحتم عليه استغلال الفرصة وإدانة العبودية، وبهذا الخصوص وصف الكاتب سابقاً موقف الكنيسة غير الفجائي من العبودية بالحكمة، وهكذا أيضاً كان موقف بولس؛ فقد ضمت الإمبراطورية الرومانية أكثر من 60 مليون عبد، ولن تسمح الإمبراطورية بقيام ثورات للعبيد، وإن واجهت الكنيسة العنصرية فهي بذلك توجه ضربة قاضية إلى المسيحية، إلا أن العبودية انتهت أخيراً طواعية؛ نتيجة تغلغل الكنيسة في المدينة عبر القرون.

ومن هنا، وفقاً للكاتب، كان موقف المسيحية موقفاً استراتيجياً؛ فإن المسيح وضع أساسيات تُدير نظام العبودية من الداخل، وهذا يظهر في رسالته التي دعا فيها إلى طريق جديد للحرية. كما أن الرسول بولس، من خلال رسالة المسيح اعتمد أساليب تفكيكية، عندما تحدث عن المكانة الروحية للإنسان؛ معتبراً أنها أعظم من البناء الاجتماعي للمجتمع، وتحدَّث عن نفسه كعبد لله السيد المسيح وليس للبشر.

سوق لبيع العبيد

المسيحية إذا كانت لم تهاجم العبودية، فإنها أوجدت علاقة جديدة بين البشر، اختفت فيها الفروقات الطبقية، كما أنها خلقت قيماً جديدة عندما أنهت الكنيسة الأولى التمييز العنصري بين اليهود وباقي الأمم، ثم بين الرجل والمرأة. فهذه المساواة التي تحققت جعلت من الجميع متساوين؛ ومن بينهم السيد والعبد.

كما أن هناك ممارسات مسيحية أسهمت في تحطيم العبودية؛ لأنها لم تفرق بين سيد وعبد، كالمعمودية؛ فهي فرض للدخول في الإيمان. وفريضة العشاء الرباني؛ حيث يتذكر خلالها المسيحيون موت السيد المسيح وقيامته، وتشارَك المسيحيون الأوائل خلالها الطعام والشراب.

الدور التجديدي للمسيح

من النماذج الدالة على الدور التجديدي للمسيح، اعتناؤه باختيار مصطلحاته؛ فمثلاً لم يستخدم لفظ “المسيا”؛ نظراً لحساسيته السياسية والدينية -المسيا في اليهودية هو إنسان كامل من نسل الملك داود- بينما استخدم كلمة “الراعي” وهي صفة من صفات المسيا.

اقرأ أيضاً: بعد تحطيم ثماثيله.. كرستوفر كولومبوس مُستعمِر أم مستكشف؟

اهتم المسيح أيضاً باستعمال البدائل؛ مثل التوبة الصادقة، والاهتمام بالقريب، وعمل الرحمة وقبول الآخر، متجاوزاً تقليدية الناموس (الشريعة) إلى عقل حر يتفاعل مع الله والآخرين، كما أن النظام الجديد مبني على أساس فاعلية شخص الله وديناميته في الأحداث والزمن.

وطرح المسيح الدين بصيغة واقعية مبسَّطة من بعد ما تم تعقيده؛ الأمر الذي خلق حالة من الانفصام بين الالتزامات الأخلاقية الثقيلة وقدرة الإنسان الفعلية على تحملها، لمّا دعا إلى جعل الدين أمراً إيجابياً في حياة البشر.

وإحدى علامات الدور التجديدي للمسيح، الدعوة إلى تفعيل الدهر الآتي في الدهر الحالي؛ فقد ساد اعتقاد عند اليهود يفيد أن المسيا قادم ليحقق أحلام اليهود، لكن هذا الانتظار خلق حالة من السلبية، بينما أكد المسيح أننا يمكن أن نعيش الملكوت على الأرض، وأن الأبدية والواقع مرتبطان، ولا يمكن فصل الحاضر عن الحياة القادمة.

المصدر:

– أندريه زكي إسطفانوس. (2017). المسيحية والعبودية التقليدية. تأليف العبودية المعاصرة لدى التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا. مركز المسبار للدراسات والبحوث.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة