الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

حول طبيعة العلاقة مع أوكرانيا… بوتين يكتب: “السيادة الحقيقية لأوكرانيا لا تتحقق إلا بالشراكة مع روسيا”(3-3)

كيوبوست- ترجمات

كتب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مقالة نشرها الكرملين بعنوان “حول الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين”، تحدث فيها عن الوحدة بين البلدين كشعبٍ واحد، قائلاً: “إن الروس والأوكرانيين كانوا شعباً واحداً.. وحدة واحدة”.

في الجزء الثالث والأخير من مقاله -الذي ينشره موقع “كيوبوست” على أجزاء ثلاثة- سلَّط فلاديمير بوتين، الضوءَ على الفترة التي تَلَت تشكُّل أوكرانيا، انطلاقًا من الفترة التي تَلَت انهيار الاتحاد السوفييتي. ويسرد بوتين الأحداث وتوصيف العلاقة بين البلدَين، وفهم الأسباب وراء توتر العلاقات. وتطرَّق إلى أحداث كييف 2014، التي أسفرت عن طرد الرئيس الأوكراني، وإسقاط النظام الذي كان محسوباً على روسيا.

وأشار بوتين، في مقالته، إلى محاولات الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، التي سبقت أحداث 2014، لدفع أوكرانيا إلى تقليص تعاونها الاقتصادي مع روسيا. وفي أجزاء متفرقة من المقالة بيَّن بوتين طبيعة المشروع المعادي لروسيا، والذي لا يوجد مكان فيه لأوكرانيا ذات سيادة، ولا للقوى السياسية التي تحاول الدفاع عن استقلالها الحقيقي.

واختتم بوتين مقاله بأن روسيا منفتحة على الحوار مع أوكرانيا، وجاهزة لبحث أكثر المسائل تعقيداً، مؤكداً أنه من المهم “بالنسبة إلينا أن ندرك أن شريكنا يدافع عن مصالحه الوطنية، ولا يخدم مصالح الآخرين، وليس أداة في يد أحد لمحاربتنا”، مؤكداً احترام اللغة والتقاليد الأوكرانية، ورغبة الأوكرانيين في رؤية بلدهم حراً وآمناً ومزدهراً. وأكد بوتين أن السيادة الحقيقية لأوكرانيا لا تتحقق إلا بالشراكة مع روسيا.

والتالي هو نص الجزء الثالث من مقال بوتين

أدرك الاتحاد الروسي الحقائق الجيوسياسية الجديدة. لم يعترف بأوكرانيا فقط؛ بل في الحقيقة فعل الكثير من أجلها كي تؤسس نفسها كدولة مستقلة. وعلى مدى فترة التسعينيات الصعبة وفي الألفية الجديدة، قدمنا دعماً كبيراً لأوكرانيا. وبغض النظر عن الحسابات السياسية التي ترغب كييف في تطبيقها فقد بلغت مدخرات الميزانية الأوكرانية بين عامَي 1991 و2013 أكثر من 82 مليار دولار، بينما تحتفظ اليوم بما لا يزيد على 1.5 مليار دولار من المدفوعات الروسية لنقل الغاز إلى أوروبا. ولو تمت المحافظة على الروابط الاقتصادية بين البلدَين، فإن أوكرانيا كانت ستتمتع بعائدات تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.

تطورت أوكرانيا وروسيا كنظامٍ اقتصادي واحد على مدى عقود وقرون من الزمن. وهذا التعاون العميق الذي كان قائماً بيننا هو مثال يحتذى به للاتحاد الأوروبي؛ فنحن شركاء اقتصاديون متكاملون طبيعيون. ومثل هذه العلاقات يمكنها أن تعزز الميزات التنافسية، وتزيد من إمكانيات كلا البلدين.

تمتلك أوكرانيا مساحات زراعية هائلة- أرشيف

كانت أوكرانيا تمتلك إمكانات هائلة، بما فيها بنية تحتية قوية ومنظومة نقل الغاز وصناعة بناء سفن متطورة وصناعة الطيران والصواريخ وهندسة الأجهزة، بالإضافة إلى كلياتٍ على مستوى عالمي في مجالات العلوم والهندسة والتصميم. وبعد استيلائهم على هذا الإرث وإعلانهم الاستقلال، وعد القادة الأوكرانيون بأن الاقتصاد الأوكراني سيكون أحد الاقتصادات الرائدة، وبأن مستوى المعيشة سيكون من بين الأفضل في أوروبا.

واليوم عمالقة الصناعات الثقيلة عالية التقنية التي كانت يوماً مصدر فخر لأوكرانيا وللاتحاد بأكمله، بدأت بالغرق. انخفض الإنتاج الهندسي بمعدل 42% خلال السنوات العشر الماضية. إن حجم تراجع التصنيع والتدهور الاقتصادي العام واضح في إنتاج الكهرباء في أوكرانيا الذي تراجع إلى الربع خلال 30 عاماً. وأخيراً، تفيد تقارير صندوق النقد الدولي لعام 2019 قبيل اندلاع جائحة “كوفيد-19″، أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا أقل من أربعة آلاف دولار أمريكي. وهذا أقل مما هو عليه في جمهورية ألبانيا وجمهورية مولدوفا أو في كوسوفو غير المعترف بها. في الوقت الحاضر أوكرانيا هي أفقر دولة في أوروبا.

فمَن هو المسؤول عن ذلك؟ هل هو خطأ الشعب الأوكراني؟ بالتأكيد لا. إن السلطات الأوكرانية هي التي تنازلت عن إنجازات أجيالٍ من الأوكرانيين، وبددتها. نحن نعرف مدى كفاءة الشعب الأوكراني ومواهبه. إنهم قادرون على تحقيق نجاحات كبيرة ونتائج مذهلة بفضل مثابرتهم وإصرارهم. وهذه الخصائص إلى جانب الانفتاح والتفاؤل الفطري وكرم الضيافة ما زالت موجودة، ومشاعر الملايين الذين لا يتعاملون مع روسيا بشكل إيجابي فقط بل بقدر كبير من العاطفة -تماماً كما نشعر نحن نحو أوكرانيا- لا تزال موجودة كما هي.

اقرأ أيضاً: مؤشرات قوية على بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا قريباً

حتى عام 2014، كانت مئات الاتفاقيات والمشروعات المشتركة تهدف إلى تطوير اقتصاداتنا وعلاقاتنا التجارية والثقافية، وتعزيز أمننا، وحل مشكلاتنا الاجتماعية والبيئية المشتركة. وقد أثمر كل ذلك فوائد ملموسة للشعبَين في روسيا وأوكرانيا. وهذا ما نعتقد أنه الأكثر أهمية، ولهذا السبب كانت لدينا علاقات مثمرة مع الجميع. وأؤكد مع جميع قادة أوكرانيا.

وحتى بعد أحداث كييف عام 2014 كلفت الحكومة الروسية بوضع خيارات للحفاظ على علاقاتنا الاقتصادية ضمن الوزارات والمؤسسات ذات الصلة؛ ولكن لم تكن هنالك إرادة متبادلة لفعل الشيء نفسه. وعلى الرغم ذلك؛ فلا تزال روسيا واحدة من أكبر الشركاء التجاريين الثلاثة لأوكرانيا، ولا يزال مئات الآلاف من الأوكرانيين يأتون إلينا بحثاً عن العمل، وهم يجدون كل الترحيب والدعم؛ هذا هو حال “الدولة المعتدية”.

عندما انهار التحاد السوفييتي، اعتقد الكثير من الناس في روسيا أوكرانيا بكل ثقة أن روابطنا الثقافية والروحية والاقتصادية المتينة سوف تدوم بالتأكيد، وكذلك القواسم المشتركة بين شعبينا اللذين لطالما شعرا بالوحدة في جوهر هذه العلاقات. ومع ذلك بدأت الأحداث بشكل تدريجي، ثم تسارعت وبدأت تأخذ منحًى مختلفاً.

من أحداث كييف 2014- Sputnik / Andrei Stenin

من حيث الجوهر، قررت الدوائر الحاكمة في أوكرانيا أن تبرر استقلال بلادها من خلال إنكار تاريخها باستثناء القضايا الحدودية. وبدأت هذه الدوائر في إعادة كتابة التاريخ، وتشويهه بالأساطير، وحذف كل ما يجمعنا والإشارة إلى الفترة التي كانت فيها أوكرانيا جزءاً من الإمبراطورية الروسية أو الاتحاد السوفييتي على أنها فترة احتلال، وتصوير المأساة المشتركة للتأميم والمجاعة على أنها إبادة للشعب الأوكراني.

كان المتطرفون والنازيون الجدد أكثر انفتاحاً ووقاحة في طموحاتهم، وانخرطوا في السلطات الرسمية والأقليات الحاكمة المحلية الذين نهبوا الشعب الأوكراني، وأودعوا أمواله المسروقة في البنوك الغربية، وأظهروا استعدادهم لأن يبيعوا وطنهم من أجل الحفاظ على رؤوس أموالهم. أضف إلى ذلك الضعف المتزايد في مؤسسات الدولة، واستعدادهم لأن يكونوا رهائن للإرادة الجيوسياسية لدولٍ أخرى.

أتذكر أنه منذ وقت طويل، قبل عام 2014 بكثير، حاولت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بشكل منهجي ومستمر دفع أوكرانيا إلى تقليص تعاونها الاقتصادي مع روسيا والحد منه. ونحن بصفتنا الشريك التجاري والاقتصادي الأكبر لأوكرانيا، اقترحنا بحث المشكلات الناشئة بصيغة روسيا- أوكرانيا- الاتحاد الأوروبي. ولكن في كل مرة كان يُقال لنا إن روسيا لا علاقة لها بالأمر، والقضية هي بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي فقط، ورفضت الدول الغربية بحكم الأمر الواقع دعوات روسيا المتكررة للحوار.

اقرأ أيضاً: شبهات حول تورط قطر في دعم انفصاليي أوكرانيا

انجرفت أوكرانيا خطوة فخطوة إلى لعبة جيوسياسية خطيرة تهدف إلى تحويل أوكرانيا إلى حاجز بين أوروبا وروسيا، ونقطة انطلاق ضد روسيا. وجاء الوقت الذي لم يعد فيه مفهوم “أوكرانيا ليست روسيا” خياراً. ونشأت الحاجة إلى مفهوم “معاداة روسيا” الذي لن نقبل به أبداً.

اتخذ أصحاب هذا المشروع الأساس القديم للأيديولوجيا البولندية- النمساوية لخلق “روسيا مناهضة لموسكو”. ولا داعي لخداع أحد بأن ذلك يجري لمصلحة الشعب الأوكراني. الكومنولث البولندي الليتواني لم يكن قط بحاجة إلى الثقافة الأوكرانية، ناهيك باستقلالية القوزاق. وتاريخياً، في الحقبة النمساوية- المجرية تم استغلال الأراضي الروسية بلا رحمة، وظلت الأكثر فقراً. والنازيون الذين تعاون معهم القوميون الأوكرانيون، وجيش الثوار الأوكراني، لم يكونوا بحاجة إلى أوكرانيا إلا كأرضٍ محتلة، ولا إلى الأوكرانيين إلا كعبيد للأسياد الآريين.

اقرأ أيضًا: إعادة دمج تتار القرم المسلمين أمر مهم بالنسبة لأوكرانيا

مرة أخرى، لم يتم أخذ مصالح الشعب الأوكراني بعين الاعتبار في فبراير 2014؛ فقد تم استغلال السخط الشعبي الناتج عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الحادة وأخطاء السلطة وإجراءاتها غير المتسقة في ذلك الوقت. تدخلت الدول الغربية بشكل مباشر في الشؤون الأوكرانية الداخلية، ودعمت الانقلاب. وكانت الجماعات الراديكالية القومية بمثابة العصا الضاربة لها، وأصبحت شعارات وأيديولوجيات هذه الجماعات ورهاب روسيا الصارخ هي العناصر المحددة لسياسة الدولة في أوكرانيا.

وأصبحت كل الأشياء التي جمعتنا ووحدتنا محلاً للهجوم؛ وفي مقدمتها اللغة الروسية. ودعوني أذكِّر بأن سلطات “الميدان” الجديدة حاولت أولاً إلغاء قانون سياسة لغة الدولة، ثم جاء قانون “تنقية السلطة”، وقانون التعليم الذي أبعد اللغة الروسية عملياً عن العملية التعليمية.

القوميون المتطرفون والنازيون الجدد كانوا العصا الضاربة للقوى الغربية- فلاديمير بوتين

ومؤخراً في مايو من العام الجاري، قدم الرئيس الحالي مشروع قانون “الشعوب الأصلية” إلى البرلمان. وينص القانون على أن فقط مَن يشكلون أقلية عرقية، وليس لديهم كيان دولة خاص بهم في الخارج، هم مَن يُعترف بهم على أنهم من السكان الأصليين. تم إقرار القانون وزرعت بذور خلاف جديدة. وهذا يحصل في بلد -كما ذكرت سابقاً- بالغ التعقيد من ناحية تركيبته الإقليمية القومية واللغوية وتاريخ نشوئه.

ربما تكون هنالك حجة: إذا كنت تتحدث عن أمة واحدة كبيرة، أمة ثلاثية، فلا يهم الانتماء الذي يراه الناس لأنفسهم؛ سواء أكانوا من الروس أم الأوكرانيين أم البيلاروسيين. وأنا أوافق تماماً على هذا الأمر؛ خصوصاً أن تحديد الجنسية، لا سيما في العائلات المختلطة، هو حق لكل فرد، وكل فرد حر في اختياره.

لكن الحقيقة هي أن الوضع في أوكرانيا اليوم مختلف تماماً؛ لأنه ينطوي على تغيير قسري للهوية. والأمر الأكثر إثارة للاشمئزاز هو أن الروس في أوكرانيا لا يجبرون على إنكار جذورهم وأجيال أسلافهم فحسب؛ بل على الاعتقاد بأن روسيا هي عدوهم أيضاً. ولن يكون من المبالغة القول إن مسار الاستيعاب القسري، وتشكيل أوكرانيا النقية عرقياً والمعادية لروسيا، هو أمر يشبه في عواقبه استخدام أسلحة الدمار الشامل ضدنا. ونتيجة لهذا الانقسام القسري والمصطنع بين الروس والأوكرانيين ربما ينخفض عدد السكان الروس في أوكرانيا بمئات الآلاف وربما الملايين.

وكذلك تعرضت وحدتنا الروحية إلى الهجوم، وكما في أيام دوقية ليتوانيا الكبرى، تم إنشاء كنيسة جديدة. والسلطات العلمانية لم تخفِ أهدافها السياسية، وتدخلت بشكل سافر في حياة الكنيسة، وأوصلتها إلى الانقسام والاستيلاء على الكنائس، وضرب الكهنة والرهبان. فحتى مع الاستقلالية الكبيرة للكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية مع المحافظة على الوحدة الروحية مع بطريركية موسكو تثير استياءهم. وكان عليهم أن يدمروا هذا الرمز القوي للقرابة بيننا الذي يرجع إلى قرونٍ خلَت بأي ثمنٍ كان.

الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية تنفصل عن موسكو- “فاينانشال تايمز”

أعتقد أنه من الطبيعي أيضاً أن يصوت ممثلو أوكرانيا، مراراً وتكراراً، ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين تمجيد النازية. انتشرت المسيرات التي تمجد مجرمي الحرب الباقين من وحدات الأمن الخاصة تحت حماية السلطات الرسمية. وتم تصنيف مازيبا الذي خان الجميع، وبيتيليورا الذي دفع بمقابل الرعاية البولندية للأراضي الأوكرانية، وبانديرا الذي تعاون مع النازيين، كأبطال قوميين. يتم القيام بكل شيء من أجل محو أسماء الوطنيين الحقيقيين، والمنتصرين الذين لطالما كانوا مصدر فخر لأوكرانيا من ذاكرة الأجيال الشابة.

بالنسبة إلى الأوكرانيين الذين قاتلوا في الجيش الأحمر، وفي الوحدات الحزبية، كانت الحرب الوطنية الكبرى حرباً وطنية حقاً؛ لأنهم كانوا يدافعون عن وطنهم، وطنهم الأم المشترك العظيم. استحق أكثر من ألفي جندي أوكراني وسام بطل الاتحاد السوفييتي. وكان من بينهم الطيار الأسطوري إيفان كوزيدوب، والقناصة التي لا تعرف الخوف والمدافعة عن أوديسا وسيفاستوبول ليودميلا بافليشينكو، وقائد حرب العصابات الشهير سيدور كوفباك. هذا الجيل الذي لا يُقهر حارب، وهؤلاء الأشخاص قدموا حياتهم من أجل مستقبلنا، من أجلنا. إن نسيان بطولاتهم هو خيانة لأجدادنا وآبائنا وأمهاتنا.

رفض ملايين الأوكرانيين المشروع المعادي لروسيا، وأخذ سكان القرم وسيفاستوبول خيارهم التاريخي، وحاول الناس في الجنوب الشرقي الدفاع عن موقفهم بشكل سلمي، ومع ذلك تم تصنيفهم جميعاً، بمن فيهم الأطفال، على أنهم انفصاليون وإرهابيون. وتم تهديدهم بالتطهير العرقي، وباستخدام القوة العسكرية. وحمل سكان دونيتسك ولوغانسك السلاح للدفاع عن وطنهم ولغتهم وحياتهم. هل ترك لهم أي خيار آخر بعد أعمال الشغب التي اجتاحت المدن الأوكرانية، وبعد الرعب والمآسي التي حدثت في 2 مايو 2014 في أوديسا؛ حيث أحرق النازيون الجدد الأوكرانيون الناسَ أحياء في تكرار لمأساة خاتين (قرية صغيرة قريبة من مينسك تمت إبادة جميع سكانها عام 1943- المترجم). وكان أتباع بانديرا يستعدون لارتكاب المذبحة نفسها في القرم وسيفاستوبول ودونيتسك ولوغانسك، وهم لم يتخلوا عن مخططاتهم هذه، وما زالوا ينتظرون الوقت المناسب لتنفيذها؛ ولكن وقتهم لن يأتي أبداً.

مرت أوكرانيا بأحداث سياسية في طريقها للانفصال عن روسيا- Stanislav Krasilnikov / TASS

وقد أثار الانقلاب وما أعقبه من أعمال من جانب سلطات كييف، المواجهات والحرب الأهلية دون شك. يقدر المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة العدد الإجمالي لضحايا الصراع في دونباس بأكثر من 13,000 شخص؛ من بينهم مسنون وأطفال، وهذه خسارة فادحة لا تعوض.

بذلت روسيا كل ما في وسعها لوقف اقتتال الأشقاء، وتم إبرام اتفاقية مينسك للوصول إلى تسوية سلمية للنزاع في دونباس. وأنا على قناعة تامة بأنه لا يوجد أمامهم خيار آخر. وعلى كل حال لم يسحب أحد توقيعه من حزمة تدابير مينسك أو من البيانات ذات الصلة الصادرة عن قادة دول صيغة النورماندي. ولم يشرع أحد في مراجعة قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الصادر في 17 فبراير 2015.

خلال المفاوضات الرسمية؛ خصوصاً بعد أن سيطر عليها الشركاء الغربيون، أعلن ممثلو أوكرانيا مراراً “التزامهم الكامل” باتفاقيات مينسك؛ ولكنهم في الواقع يسترشدون بموقف “غير مقبول”، فهم لا يعتزمون مناقشة الوضع في دونباس أو حماية سكانه بجدية، وهم يفضلون استغلال صورة “ضحية العدوان الخارجي” ونشر رهاب روسيا، ويعدون العدة لاستفزازات دموية في دونباس. باختصار، إنهم يعملون على اجتذاب اهتمام الرعاة الخارجيين بكل الوسائل.

اتفاقيات مينسك: عامان.. اتفاقيتان.. ولكن لا سلام في أوكرانيا- أرشيف

على ما يبدو -وأنا مقتنع تماماً بذلك- فإن كييف ليست بحاجة إلى دونباس، لماذا؟ السبب الأول هو أن سكان هذه المناطق لن يقبلوا أبداً الواقع الذي حاولوا وما زالوا يحاولون فرضه بالقوة والحصار والتهديد. والسبب الثاني هو أن مخرجات مينسك1 ومينسك2 التي أعطت فرصة حقيقية لاستعادة وحدة أراضي أوكرانيا بشكل سلمي من خلال التوصل إلى اتفاقٍ مباشر مع جمهورية دونيتسك الشعبية، وجمهورية لوهانسك الشعبية بوساطة روسية وألمانية وفرنسية، تتناقض مع منطق المشروع المعادي لروسيا الذي لا يمكن المحافظة عليه إلا من خلال الاستمرار في زرع صورة العدو الخارجي والداخلي. وأود أن أضيف: تحت حماية وسيطرة القوى الغربية.

وهذا ما يجري بالفعل؛ فأولاً نحن نواجه خلق مناخ من الخوف في المجتمع الأوكراني، والخطاب العدواني، والانغماس في النازية الجديدة وعسكرة البلاد. بالإضافة إلى ذلك نحن نشهد الاعتماد الكامل على الخارج، بل السيطرة الخارجية الكاملة؛ بما في ذلك الإشراف على السلطات الأوكرانية، وعلى الخدمات الأمنية والقوات المسلحة من قِبل مستشارين أجانب، و”تطوير” عسكري لأراضي أوكرانيا ونشر البنية التحتية لحلف شمال الأطلسي فيها. وليس من قبيل المصادفة أن القانون الصارخ المذكور أعلاه حول “السكان الأصليين” قد تم إقراره في ظل مناورات واسعة النطاق لحلف شمال الأطلسي في أوكرانيا.

وهذا أيضاً تمويه للاستيلاء على ما تبقى من الاقتصاد الأوكراني ولاستغلال الموارد الطبيعية للبلاد. وبيع الأراضي الزراعية لم يعد مستبعداً، ومن الواضح مَن سوف يشتريها. تمنح أوكرانيا من وقتٍ لآخر بعض الموارد المالية والقروض؛ ولكن ذلك يتم وفقاً لشروط الغرب الخاصة وخدمة لمصالحه الخاصة، ويترافق مع تفضيلات ومزايا للشركات الغربية. وبالمناسبة، مَن سيسدد هذه الديون؟ على ما يبدو من المفترض أن يتم ذلك ليس على حساب الأوكرانيين اليوم فحسب؛ بل على حساب أولادهم وأحفادهم وربما أحفاد أحفادهم.

اقرأ أيضاً: كيف حدَّثت روسيا آلياتها ما بين عامي 2016 و2020؟

صمم واضعو المشروع المعادي لروسيا الغربيين النظام الأوكراني؛ بحيث يتغير الرؤساء وأعضاء البرلمان والوزراء، لكن موقف الانفصال عن روسيا والعداء لها يبقى ثابتاً. كان التوصل إلى السلام هو الشعار الانتخابي للرئيس الحالي، وجاء إلى السلطة من خلاله. ولكن الوعود تحولت إلى أكاذيب، ولم يتغير أي شيء؛ بل إن الوضع في أوكرانيا ومحيط دونباس قد تدهور من عدة نواحٍ.

في المشروع المعادي لروسيا لا يوجد مكان لأوكرانيا ذات سيادة ولا للقوى السياسية التي تحاول الدفاع عن استقلالها الحقيقي. والذين يتحدثون عن المصالحة في المجتمع الأوكراني وعن الحوار وعن إيجاد مخرج من المأزق الحالي يتم وصفهم بأنهم “عملاء موالون لروسيا”.

مرة أخرى، بالنسبة إلى الكثير من الأوكرانيين فإن المشروع المعادي لروسيا هو ببساطة مشروع غير مقبول، وهنالك الملايين من هؤلاء؛ ولكن لا يُسمح لهم برفع رؤوسهم. وسلبت منهم فرصتهم القانونية للدفاع عن وجهة نظرهم. وهم يتعرضون إلى الترهيب والقمع، ولا تتم ملاحقتهم بسبب قناعاتهم وآرائهم فحسب، بل يقتلون أيضاً، وعادة ما ينجو القتلة من العقاب.

وأصبح اليوم الأوكراني الوطني هو فقط من يكره روسيا. وعلاوة على ذلك، فإن الدولة الأوكرانية بأكملها تقوم على هذه الفكرة فقط. إن الكراهية والغضب، كما أثبت تاريخ العالم مراراً وتكراراً، يشكلان أساساً هشاً للسيادة تحفه العديد من المخاطر الجسيمة والعواقل الوخيمة.

إن كل الحيل المرتبطة بالمشروع المعادي لروسيا واضحة بالنسبة إلينا، ولن نسمح على الإطلاق باستخدام أراضينا التاريخية، والناس القريبين منا الذين يعيشون عليها ضد روسيا. وأود أن أقول لمَن يحاولون فعل ذلك إنهم سوف يدمرون بلدهم نتيجة أعمالهم هذه.

بوتين يعرب عن قلقه بشأن المشروع المعادي لروسيا ويتحدث بالتفصيل عن العلاقات الروسية- الأوكرانية- “سبوتينيك نيوز”

تحب السلطة الحالية في أوكرانيا الإشارة إلى التجربة الغربية، وترى فيها مثالاً يُحتذى. ما عليك سوى إلقاء نظرة على تعايش النمسا وألمانيا، والولايات المتحدة وكندا، وتقارب هذه الدول من حيث التكوين العرقي والثقافي واللغة المشتركة، مع المحافظة على استقلالية كل دولة وسيادتها ومصالحها وسياساتها الخارجية. ولكن هذا لم يمنع التقارب والتكامل وحتى التحالف. وتمتلك كل اثنتين من هذه الدول حدوداً واضحة في ما بينها، وعندما يعبر مواطنو هذه الدول الحدود، فإنهم يشعرون بأنهم في وطنهم، وهم يؤسسون الأسر ويدرسون ويعملون ويقومون بالأعمال التجارية. وبالمناسبة، هذا ما يفعله الملايين ممن ولدوا في أوكرانيا، ويعيشون حالياً في روسيا؛ فنحن نعتبرهم أهلنا وجزءاً من شعبنا.

روسيا منفتحة على الحوار مع أوكرانيا، وهي جاهزة لبحث أكثر المسائل تعقيداً. ولكن من المهم بالنسبة إلينا أن ندرك أن شريكنا يدافع عن مصالحه الوطنية، ولا يخدم مصالح الآخرين، وليس أداة في يد أحد لمحاربتنا.

نحن نحترم اللغة والتقاليد الأوكرانية، ونحترم رغبة الأوكرانيين في رؤية بلدهم حراً وآمناً ومزدهراً.

اقرأ أيضاً: الأمن الأوروبي يتطلب نهجًا جديدًا للتعامل مع الصراعات الدولية

أنا واثق من أن السيادة الحقيقية لأوكرانيا لا تتحقق إلا بالشراكة مع روسيا؛ فعلاقاتنا الروحية والإنسانية والحضارية تشكلت عبر القرون، وجذورها تنبثق من نفس المصدر، وقد توطدت من خلال التجارب والإنجازات والانتصارات المشتركة. انتقلت أواصر القرابة بيننا من جيل إلى آخر، وهي موجودة في قلوب وعقول الناس في روسيا الحديثة وأوكرانيا، وفي روابط الدم التي تجمع ملايين العائلات. معاً كنا دائماً وسنكون أكثر قوة ونجاحاً.. فنحن شعب واحد.

اليوم ربما يستقبل البعض هذه الكلمات بشيء من العدوانية، ويمكنهم تفسيرها بطرق متعددة. ومع ذلك، سيسمعني كثير من الناس، وسأقول شيئاً واحداً “روسيا لم تكن ولن تكونَ أبداً (معادية لأوكرانيا)، وما ستكون عليه أوكرانيا متروك لشعبها ليقرر بشأنه”.

لقراءة الجزء الأول: مستنداً إلى التاريخ.. بوتين يكتب: الروس والأوكرانيون كانوا شعباً واحداً (1-3)

لقراءة الجزء الثاني:  بوتين يكتب: أوكرانيا الحديثة نتاج خالص للحقبة السوفييتية (2-3)

المصدر: الكرملين

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة