الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

حوار مع رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي (الحلقة الثانية)

يجب أن نبحث عن أسواق جديدة ونكوِّن صداقات جديدة ونحتفظ بأصدقائنا القدامى ونرفع الوعي العالمي بشأن الحقيقة ونثبط استخدام القوة.. لدينا بلد واحد مع كثير من المهام ومن الجيد أن نكون قادرين على إدارته

كيوبوست- ترجمات

يعيد “كيوبوست” نشر مقابلة أجراها رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، قسطنطين كوساتشوف، مع مجلة “رشان فيو” الروسية، قبل نحو عامين؛ ناقش خلالها موضوعات لها علاقة بحلفاء وشركاء روسيا، وشرح فيها أسباب تشابه تحديات السياسة الخارجية التي تواجه روسيا اليوم مع تلك التي واجهتها منذ مئات السنين؛ وهي المقابلة التي تتضمن رؤية روسية لكثير من الأمور، خصوصاً في ما يتعلق بطبيعة العلاقات الروسية- الغربية.

في الجزء الأول من المقابلة، أكد كوساتشوف أن جميع القضايا اليوم في علاقة روسيا مع الغرب تنبع من العمليات التي بدأت مباشرةً بعد انهيار النظام العالمي ثنائي القطب؛ حيث أصبح من الواضح أن المواجهة مع الاتحاد السوفييتي تتمحور حول صراع على مصالح أكثر من صراع على أيديولوجيات، منوهاً بأن الأحداث التي شهدتها السنوات الأخيرة شتتت الخرافات الطويلة المضللة حول العلاقات بين روسيا والغرب.. وإلى استكمال الحديث.

 اقرأ أيضًا: حوار مع رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي (الحلقة الأولى)

إن قائمة الدول التي تحقق منافع من تصوير روسيا كدولة عدوانية لهي قائمة طويلة، كما أن الإدارة في البيت الأبيض تسيء إلى العلاقات المتبادلة؛ بهدف التغلب على منافسيها، وأيضًا تسهيل الإمدادات الأمريكية من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، وكذلك إخراج روسيا من سوق السلاح.

كما تشمل القائمة قيادة الاتحاد الأوروبي التي تستغل الوضع الحالي لتشتيت الانتباه حول القضايا السياسية الداخلية غير السارة، والتي تسعى لتوحيد صفوفها بعد أن أظهرت علامات واضحة على النزاع والخلاف في ما بينها.

ومن المفارقات أيضًا أن عديدًا من الجهات الفاعلة تستخدم المواجهة مع روسيا كوسيلة لتحقيق أهداف مختلفة تمامًا. وبالطبع، هذا نهج يحقق فوائد كما يتسبب في تكاليف باهظة في الوقت ذاته. اعتقد كثير من الناس أن فوائد المواجهة مع موسكو تتجاوز التكاليف؛ لكنهم أدركوا في النهاية أن الأمر ليس كذلك. وإذا لم تجدِ استراتيجية الحرب الخاطفة نفعًا وبشكل فوري، ستزداد المخاطر والتكاليف.

ولهذا، أعتقد أن إحدى مهام سياستنا الخارجية اليوم هي إقناع نظرائنا بأن المواجهة مع روسيا لا تستحق العناء. هذا ما تمكنت الصين من تحقيقه عبر إقامة علاقات تجارية واقتصادية عميقة مع الغرب، علمًا بأن غضب الولايات المتحدة وأوروبا تجاه الصين لا يقارن بغضبهما تجاه روسيا، بغض النظر عن القيم وحقوق الإنسان. يجب أن لا تكون المواجهة مع روسيا أقل شرًّا من المواجهة مع أية دولة أخرى، حتى لو كانت قوة عظمى.

سؤال: ما احتمالية حصول هذا السيناريو؟ وما فرص منع حدوثه؟

أظن أن هذا واضح تمامًا: يجري تحديد شهية الآخرين من خلال قدرتنا على المقاومة، ومع ذلك فإن رؤيتي للضعف والقوة معقدة جدًّا. إن الدبلوماسية الفعالة والقدرات العسكرية ليست سوى جزء واحد من هذه المعادلة. كما سبق أن قُلت، ينبغي على الدبلوماسية الخارجية أن تضمن فعالية الظروف الخارجية اللازمة لتنمية البلاد. وهذا يعني وضع أهدافنا التنموية الداخلية على رأس الأولويات؛ لكنَّ العكس صحيحٌ كذلك: إذا كانت الدولة قوية في الداخل؛ فيمكنها متابعة سياسة خارجية سيادية قوية. وعندما أقول “بلدًا قويًّا في الداخل” فهذا يعني امتلاك اقتصاد مبتكر ومستدام ومتنوع وغني بالتكنولوجيا. وهذا يعني أيضًا أن يمتلك البلد نظامًا قانونيًّا وسياسيًّا وديموغرافيًّا متماسكًا، فضلًا عن أهمية ثقة المواطنين في الدولة، واحترام حقوقهم ومصالحهم. من شأن هذه العوامل أن تجعل الدولة سبَّاقة وقوية على الساحة العالمية، وأن تزوِّد المجتمع بحصانة ضد محاولات التأثير الأجنبي؛ وهي محاولات كثيرة ومكثفة جدًّا.

اقرأ أيضًا: في “Angel Has Fallen”.. روسيا بريئة من محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي

سؤال: أود أن أتحدث بصراحة أكثر، لدى روسيا القليل من الحلفاء اليوم، هل تعتقد أن هذا مشكلة بالفعل؟ وإذا كان كذلك، فما العلاج؟

نحن ندرك تمامًا أن عديدًا من الدول الحليفة والشريكة لنا وجدت نفسها تحت ضغوط شديدة. ومن الملاحظ أنها تتعرض إلى ضغوط من قِبَل أكثر الدول ثراءً على مستوى العالم. تلك الدول الثرية أظهرت مواقفها الحقيقية تجاه السوق الحرة؛ مستخدمةً هيمنتها المطلقة على الاقتصاد العالمي وعلى المؤسسات الاقتصادية الدولية. ولكن هذا لا يعني أن الدول التي امتنعت عن التصويت -وأخفقت في الاعتراف بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية- لم تعد حليفة وصديقة لنا. هل ذلك يعني أن كل دولة تصوِّت لصالح قرار مناهض لروسيا تتحوَّل تلقائيًّا إلى عدوة لنا؟ أنا أمتنع عن الأحكام السابقة لأوانها؛ فسياستنا الخارجية هي التي تحدد ذلك في نهاية المطاف.

في الوقت الذي أصبح فيه العالم “عالميًّا” بشكل متزايد؛ لا سيما من حيث ثورة الاتصالات، من الخطأ البحث عن حلفاء على مستوى الحكومات فحسب، فلدينا حلفاء وأصدقاء في كل الدول؛ بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. عادة يكون هؤلاء أناسًا يعرفون روسيا جيدًا، ليس مثل أولئك الذين تشكَّلت رؤيتهم من قِبَل وسائل الإعلام الرئيسية. هنالك أيضًا نقطة مهمة؛ مفادها أن منطق “الصديق أو العدو” يعمل بشكل رئيسي في بيئة حربية. أما بالنسبة إلى روسيا، فبعد أن انفصلت عن الحرب الباردة، لم تكن لديها نيَّة في شن حرب على أي أحد، أو مواجهة أي شخص، أو حشد دول معينة ضد دول أخرى. لدى روسيا رؤية مختلفة، فقد اقترحنا هندسة أمنية أوروبية- آسيوية مشتركة؛ من أجل مواءمة مشروعات التكامل بين الدول، بدلًا من تجزئة الدول بين هذه المشروعات.

سؤال: على كل حال، لا يمكن أن يكون عدد الحلفاء والشركاء كبيرًا، ولكن من المنطقي القول إن دول عدم الانحياز، وبلدان آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، هي موردنا الرئيسي في هذا الصدد. لقد تمكن الاتحاد السوفييتي في حينه من جذب حلفاء محتملين إلى الأيديولوجيا الشيوعية، فضلًا عن توفير مساعدات أخوية لدول مستعصية حديثة.. لكن روسيا تفتقد اليوم مثل هذه المحفزات، ما أدوات التأثير التي يمكننا استخدامها اليوم؟

كما تعلمون، يشكو الأمريكيون -بمَن فيهم الرئيس ترامب- منذ زمن بعيد، من دفع أموال طائلة للأمم المتحدة وعديد من الدول، في الوقت الذي صوَّتت فيه تلك الدول بطريقة خاطئة، حسب وجهة النظر الأمريكية. قالت المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هالي، إن تلك الدول لم تصوِّت لصالح القرارات الأمريكية إلا بنسبة 31% من الحالات، رغم السخاء الأمريكي المالي عليها، وهذه استجابة غير مقبولة مقارنة بحجم الاستثمارات الأمريكية فيها.

وفي الجهة المقابلة، لا تزال البلدان النامية تتذكر المعونات الأخوية المقدمة من قِبَل الاتحاد السوفييتي؛ بما يتناقض مع رغبات الغرب ونشاطاته في هذه الدول. ومع ذلك، ينبغي الاعتراف بأنه لا يمكننا الحصول على أي عوائد سياسية جراء مساعداتنا المقدمة إلى الدول الأخرى، على عكس الولايات المتحدة وغيرها من الدول.

اقرأ أيضًا: قصة الجاسوس سكريبال الذي فجر أزمة بين بريطانيا وروسيا

ولكن، لا يزال بوسعنا القيام بذلك رغم فرصنا المحدودة. ربما بدأ الغرب في تشويه صورة روسيا بشكل نشط اليوم؛ لأنه يخشى من “موجة ثانية” من إنهاء الاستعمار المالي والسياسي. في الحقيقة، هناك كثير من الأمور على المحك في وقتنا الحاضر؛ مثل دور الغرب في التشكيل المستقبلي للعالم. وبعبارة أخرى، لا يمكن ضمان توجهات غالبية الحلفاء في ما إذا كانوا يفضلون القيم أو المبادئ أو الدولارات.

هل هذا سيناريو رائع؟ بالطبع لا. في عام 1981، لم يكن أحد يحلم بأي قدر من الخيال بأن ينهار الاتحاد السوفييتي بعد عشر سنوات. يتجه الغرب حاليًّا نحو الأسلوب السوفييتي السابق، على نحو متزايد؛ فقد عمل على تأطير السياسة الخارجية، حيث حلَّ الإجماع محل حرية التعبير، وحلَّت وسائل الإعلام الرئيسية محل حرية الإعلام، وحلَّت الانقلابات محل الديمقراطية.

وخلاصة القول، يخشى الغرب من روسيا أكثر مما نعتقد. ومع ذلك، يعتمد كل شيء على ما ننجح نحن في تحقيقه. يجب أن نبحث عن أسواق جديدة ونكوِّن صداقات جديدة ونحتفظ بأصدقائنا القدامى ونرفع الوعي العالمي بشأن الحقيقة ونثبط استخدام القوة. لدينا بلد واحد مع كثير من المهام، ومن الجيد أن نكون قادرين على إدارته.

سؤال: حصل اختراق حقيقي في العلاقات السعودية- الروسية منذ أواخر عام 2017، وهناك عدة رؤى لتفسير هذا التقارب الحميم، فما الرؤية التي تدعمها؟

انظر كيف تطورت علاقات روسيا مع إسرائيل وباكستان وإيران وتركيا.. كان الأمر صعبًا في كل حالة من هذه الحالات، ومع ذلك تمكَّنا من إيجاد أرضية مشتركة وفرص سانحة للحوار مع كل دولة. ولا شك في أن المملكة العربية السعودية ليست شريكًا سهلًا على الإطلاق؛ وهي تدرك أن روسيا لا تعتمد على جهات معينة في المنطقة، ولا تهدف إلى هزيمة كل الأطراف الأخرى. وهذه هي ميزة روسيا الهائلة؛ حيث استطاع دبلوماسيونا الاستفادة منها ببراعة طول الوقت، رغم صعوبة الأوضاع كما نعرف جميعًا.

لن أتنبأ في ما إذا كانت الأمور ستسير بسلاسة في حالات محددة، فذلك يعتمد إلى حد كبير على التطورات والأوضاع في سوريا والشرق الأوسط بشكل عام، وليس على بلدنا فحسب. في الواقع، عديد من الجهات الفاعلة لديه مصالح متصادمة مع مصالح جهات أخرى في هذه المنطقة، لكن دعوني أذكر أن روسيا هي التي نجحت في جمع إيران وتركيا وسوريا على طاولة مفاوضات واحدة رغم خلافاتها. لقد أحرزنا تقدمًا كبيرًا؛ ما جعل بعض الجهات الفاعلة الأخرى تشعر بغيرة على الفور. كانت هذه الجهات في الغالب من خارج المنطقة.

سؤال: هل يمكن التنبؤ بحدوث اختراقات في مجالات السياسة الخارجية الأخرى؟

الانفراجات لا تحدث من تلقاء نفسها؛ بل لابد من إجراء تغييرات جذرية لتحقيقها. وعلى سبيل المثال، قد تقوم الدول الأوروبية بمراجعة مواقفها بعدما دخلت علاقاتها مع روسيا إلى طريق مسدود. قد يكون لكل فرد اعتبارات مختلفة؛ لكنها تؤدي إلى استنتاج واحد مشترك، مفاده أن التغيير في المسار السياسي أمر ضروري. ولِمَ لا؟! نحن نعتقد أن تدهور العلاقات مع الغرب طويل الأمد؛ لأن الغرب نادرًا ما يعترف بالخطأ، ويرى أن التوبة الروسية والعقوبات ضدها هما السبيل الوحيد للمصالحة.

اقرأ أيضًا: إدوارد سنودن ينشر مذكراته من منفاه في روسيا ويقول: “كلنا ساذجون”

ومع ذلك، لدنيا كل الأسباب للقول إن مركز العالم تحوَّل نحو الشرق، إلى آسيا. هذا هو المكان الذي تُجرى فيه مشروعات البنية التحتية الطموحة، ونحن نحاول مواكبة ذلك؛ حيث نقدم خيارات كثيرة، ليس تجاه المبادرة الصينية “حزام واحد طريق واحد” بهياكل الاندماج الروسية فحسب؛ بل كذلك من خلال احتضان كل أوراسيا والاتحاد الأوروبي. من المؤكد أن أوروبا لم تتصالح بعد مع هذا الفكر، وتعتبر نفسها المركز الوحيد في القارة الأوراسية. في الحقيقة، لا تقوم أوروبا سوى بـ”التعاون” مع الشرق؛ بغرض توسيع نطاق تأثيرها هناك، إلا أن الآفاق والطموح يبينان أننا على المسار الصحيح. يمكننا الانتظار، ويمكننا التعافي مثل طائر الفينيق. ولذلك، ستكون هناك بالتأكيد اختراقات عندما يفهم الآخرون أن روسيا جاءت لتبقى كعامل استقرار وتنمية؛ من أجل المنفعة المتبادلة وليس كعامل تهديد أو ذعر.

المصدر: مجلة RV الروسية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة