الواجهة الرئيسيةترجمات

حوار مع رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي (الحلقة الأولى)

لا يوجد شيء يُناسب أعداء روسيا سوى أن تكون روسيا ضعيفة معذبة بصراعات داخلية ينهشها اقتصاد مدمر وتعاني انطباعات منبوذة.. بمجرد أن بدأت روسيا في استعادة قوتها سارع الغرب إلى فرض عقوبات عليها وبدأ في سحب حلفائها وجيرانها إلى جانبه

كيوبوست – ترجمات 

أجرى رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحادالروسي،قسطنطين كوساتشوف، مقابلة مع مجلة “رشان فيو” الروسية، ناقش خلالها موضوعات لها علاقة بحلفاء وشركاء روسيا، وشرح فيها أسباب تشابه تحديات السياسة الخارجية التي تواجه روسيا اليوم مع تلك التي واجهتها منذ مئات السنين.

اقرأ أيضًا: حوار مع رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي (الحلقة الثانية)

سؤال: قال بيوتر ستوليبين ذات مرة: “قد تتغيَّر الأمور في روسيا بشكل كليّ خلال عشر سنوات، وقد تبقى كما هي لمئتَي عام”. في الواقع، من الصعب جدًّا تحدِّي هذه المقولة. قبل أكثر من عشر سنوات، كان وضع روسيا الدولي مختلفًا تمامًا عما هو عليه الآن؛ حيث كان يشبه وضعها قبل مئتَي عام، ويمكن رسم أوجه تشابه تاريخية بما يكفي لإثبات ذلك. قد يكون من الصعب معرفة التغيُّرات التي سنشهدها خلال السنوات المقبلة. ولكن، ما التغييرات التي نرغب نحن في إحداثها؟

أنت محق، وستوليبين محق كذلك. صحيح أن عديدًا من الأمور في السياسة الخارجية يتغيَّر بشكل جذري في غضون بضع سنوات؛ لكن الأشياء نفسها قد تبقى دون تغيير لقرون ما دامت هناك رغبة في الحفاظ على عناصرها الأساسية. وهذا يدل على أن مصالح الدولة هي التي تسود وتبقى. وعلى سبيل المثال، إن الدعم الغربي النشط -وكذلك التحريض- على الانقلاب في أوكرانيا ليس مفاجئًا أو مثيرًا للاهتمام، ولنأخذ بعين الاعتبار أن مثل هذا الانقلاب سيقرب الغرب من هدفه المنشود؛ المتمثل في الحصول على شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول (ولنتذكر كذلك صيغة المفكر الاستراتيجي زبيغنيو بريجينسكي، التي تقترح أن روسيا لن تبقى إمبراطورية أوراسية دون أوكرانيا). من شأن هكذا انقلاب أن يحرم روسيا عمليًّا من الوصول إلى بحار الجنوب، وأن ينزع عنها صفة القوة الجبارة في البحر الأسود، وأن يُغَيِّر الوضع الاستراتيجي في المنطقة بشكل جذري.

اقرأ أيضًا: خبير روسي: هل تصمد روسيا أمام الحرب التكنولوجية الأمريكية؟

وبالتأكيد، لن يعترف أيٌّ من شركائنا الغربيين علانيةً بمثل هذه الأشياء؛ فهم يفضلون إخباركم بأمور أكثر نبلًا وسموًّا؛ مثل دعم الناس الذين “يعارضون الفساد”. يكمن الاختلاف في هذا السياق بين الحقب الزمنية: المصالح تظل كما هي، دون تغيير؛ لكن يجري تغليفها بالقيم. وبالفعل، ليس هناك من طريقة أخرى لتفسير الحالتَين التاليتَين المتناقضتَين: تقوم أجزاء انفصالية في دولة ما بتوفير مقاومة مسلحة باتجاه الوسط؛ في الحالة الأولى يجري شن هجمات صاروخية على العاصمة (كما هي الحال في يوغوسلافيا)، ولكن في الحالة الثانية يجري تقديم الدعم الحاسم للعاصمة، فضلًا عن فرض عقوبات على مناطق الانفصال (كما هي الحال في جورجيا وأوكرانيا). إن قُمت بتفسير هذا التناقض بـ”القيم”، فهنالك حتمًا معايير مزدوجة.

دعوني أستشهد بعبارة أخرى منسوبة إلى بيوتر ستوليبين: “امنحوا روسيا عقدَين ونصفًا من السلام الداخلي والخارجي، وسيكون من الصعب عليك إدراك ذلك”. من الناحية النظرية، مررنا بأكثر من ربع قرن من السلام بعد انتهاء الحرب الباردة. ومع ذلك، وبصفتي شاهد عيان على الدوران الشهير في المحيط الأطلسي، يمكنني أن أؤكد لكم أن جميع القضايا اليوم في علاقاتنا مع الغرب تنبع من العمليات التي بدأت مباشرة بعد انهيار النظام العالمي ثنائي القطب، بعد أن أصبح من الواضح أن المواجهة مع الاتحاد السوفييتي تتمحور حول صراع على مصالح أكثر من صراع على الأيديولوجيات.

بيوتر أركاديفيتش ستوليبين.. خدم كـرئيس وزراء وقائد مجلس الدوما الثالث من 1906 إلى 1911

لنرجع إلى عام 1990 عندما جرى تبنِّي ميثاق باريس لأوروبا الجديدة؛ كانت فكرة الأوروبيين حول نموذج العلاقات مختلفة تمامًا عما هي الآن. لقد سعوا لنموذج تمتنع فيه الدول عن ضمان أمنها على حساب أمن الدول الأخرى، كان ينبغي أن يكون ذلك بمثابة حجر الزاوية. ولكن جرى التخلي عن خيار التكامل القائم على عدم التكتُّل، القائم على الأمن الشامل والعالمي، وجرى استبدال توسيع شرقي في التأثير الأطلسي به.

في الآونة الأخيرة، كشفت الولايات المتحدة عن بعض الوثائق حول المفاوضات بين الغرب والاتحاد السوفييتي حول إعادة توحيد ألمانيا ومستقبل أوروبا. تمثل تلك الوثائق أكثر الأدلة وضوحًا على مدى خداع شركائنا المميزين لنا. ولذلك، فإن مَن يقول إن روسيا انخرطت في مراجعة للنظام العالمي “الصحيح”، لا يقول سوى أكاذيب صريحة. إن العملية المؤلمة للتخلي عن النظام العالمي أحادي القطب -الذي يتشبث به الغرب- هي ظاهرة عالمية، وروسيا تتبنى هذه النزعة كغيرها من الدول.

يتحول مركز التطوير العالمي اليوم باتجاه الشرق. ولكن، ليس من المناسب أن ننظر إلى اتجاه واحد، أو أن نضع كل البيض في ذات السلة، كما تفعل أوكرانيا، على سبيل المثال، التي وضعت سيادتها على المحك في سعيها نحو آفاق غير مؤكدة بشأن التكامل الأوروبي.

اقرأ أيضًا: الحرب الباردة من جديد: هل تمتلك روسيا حقًا ترسانة عسكرية فتاكة؟

اسمحوا لي مرة أخرى الاستشهاد بستوبيلين، فقد قال قبل 110 أعوام، في خطابه أمام البرلمان الروسي: “النسر الذي ورثناه عن بيزنطة لديه رأسان. من المؤكد أن النسور ذات الرأس الواحد قوية، ولكن الهجوم على الرأس الشرقي للنسر الروسي لن يجعله نسرًا برأس واحد”. في الواقع، إن التعلم من تجربة السياسيين السابقين أفضل بكثير من التعلم من أخطائنا الحالية.

إن التحديات السياسية التي تواجهنا، سواء أكانت غريبة أم منطقية، تشبه إلى حد كبير تلك التحديات التي واجهتنا منذ قرون. وأحيانًا، لابد من ضمان الظروف الخارجية المرغوب فيها؛ من أجل تمكين التنمية والتطور الداخليين. ومع كل ذلك، أصبحت البيئة اليوم أكثر تعقيدًا مما مضى، ومن الخطأ القول إننا لم نمر بضغوط اقتصادية وسياسية وإعلامية ودبلوماسية كبيرة منذ الحرب الباردة. ولكن يمكن القول إننا لم نرَ مثل هذه الضغوط منذ الحرب الأهلية والتدخُّل. وبالطبع، من المستحيل العيش في مثل هذه البيئة إلى الأبد. من المؤكد أن الناس في الولايات المتحدة وأوروبا سوف يتساءلون حول أسباب انجرارهم إلى مواجهة خطيرة ومكلفة ولا طائل منها مع قوة نووية لا تهاجم أحدًا؛ بل تدافع عن مصالحها المشروعة كما تفعل الأمم الأخرى.

خرافات مضللة عن العلاقات الروسية الغربية

سؤال: ما أهداف خصومنا السياسية؟ وما نتيجة المواجهة التي سترضيهم أكثر؟

من حيث المنافسة العالمية، سيسعى أولئك الذين يسعون للهيمنة الدولية دائمًا لإضعاف خصومهم. يمكنني القول إن الأحداث التي شهدتها السنوات الأخيرة شتتت الخرافات الطويلة المضللة حول العلاقات بين روسيا والغرب.

الخرافة الأولى هي أن الجميع تناسونا ووضعونا على الهوامش في أجندتهم. لكن تبين أن كل هذه التكهنات عبارة عن خدعة؛ بما في ذلك “بلد محطة التعبئة” و”الاقتصاد المتجزئ”، فضلًا عن توسيع “الناتو” معاهدات اتحادية مع رابطة الدول المستقلة. هم دائمًا يروننا ويراقبوننا، ودائمًا ما يجري أخذنا بعين الاعتبار؛ بهدف التضييق أكثر نحو الشرق.

 

جرى كذلك دحض الخرافة الثانية التي تدَّعي أن روسيا القوية والمستقرة تناسب خصومها. في الحقيقة، لا يوجد شيء يناسبهم سوى أن تكون روسيا ضعيفة، معذبة بصراعات داخلية، ينهشها اقتصاد مدمر، تعاني انطباعات منبوذة. وبمجرد أن بدأت روسيا في استعادة قوتها سارع الغرب إلى فرض عقوبات عليها، وبدأ في سحب حلفائها وجيرانها إلى جانبه.

جرى كذلك تفنيد الخرافة الثالثة، التي تزعم أن توسيع الهياكل الأوروبية الأطلسية نحو الشرق هو عملية تلقائية طلبها الأوروبيون الشرقيون أنفسهم. كثيرًا ما يُقال لنا إن اختيارهم مبني على “الحرّية”، ولو كان هذا صحيحًا فلماذا احتاجوا إلى إنفاق المليارات على إعادة توجيه المجتمعات المدنية، وتعزيز السياسيين والأحزاب والنشطاء والصحفيين الموالين للغرب؟ لماذا تحتاج السفارة الأمريكية في أرمينيا إلى طاقم مكون من آلاف الموظفين، وهو بلد صغير بعيد عن الولايات المتحدة؟ في الواقع، لا يحتاج المرء إلى أن يكون نبيًّا كي يتنبأ بطول المدة المطلوبة كي يترك الغرب رابطة الدول المستقلة وشأنها. سيسعى الغرب جاهدًا من أجل زعزعة استقرار الوضع في البلاد، وسيواصل “هزّ أنبوب الاختبار” إلى أن يحصل على الرواسب التي يرغب فيها، هذا هو التوجيه الذي يسعى له الغرب على حساب علاقات الدول مع روسيا. سيقولون في وقت لاحق إن روسيا غير جذابة، وسيفرضون في الوقت ذاته عقوبات على الدول التي تُقيم علاقات اقتصادية صحية معها.

اقرأ أيضًا: من الأقوى عسكريًا، روسيا أم الولايات المتحدة؟

لن أقول إن الغرب يعاني هستيريا الخوف من روسيا؛ ولكن هنالك هستيريا مزمنة عند تلك الدول التي ترعى بانتظام قرارات معادية لروسيا في المنظمات الدولية، وفي برلماناتها الخاصة. تمكنت هذه الدول من إيجاد طرقها الخاصة، في المكان المناسب وفي التوقيت المناسب. وقد أصبح تصوير روسيا كخصم مزمن أمرًا مناسبًا للغاية، بالنسبة إلى أطراف مثل حلف الناتو، مبتعدًا عن مواجهة التهديدات الحقيقية في القرن الجديد. لقد تظاهروا بأن تحديات القرن الماضي مثل “الخوف الأحمر” وسباق التسلُّح قد عادت بالفعل. ينبغي أن يستجيب المرء لتحديات الماضي بوسائل قديمة جيدة؛ مثل زيادة الميزانيات العسكرية، ونشر القوات، وتفعيل المحظورات والعقوبات؛ مثل تعديل جاكسون- فانيك.. إلخ.

المصدر: RV الروسية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة