الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

حوار مع الفيلسوف يورغن هبرماس

الطبقة السياسية في ألمانيا تمادت في تطبيق السياسة المالية المتشددة تجنباً لرد فعل ناخبيها.. ولم تتوانَ نفس هذه الطبقة السياسية في الوقوف إجلالاً لمؤيدي سياسة اقتصادية ذات نزعة قومية.. وكان من نتائج هذه النزعة القومية أن تراجع الحس الأوروبي لدى المواطنين الألمان

كيوبوست – ترجمات

ترجمة: نور الدين تليلي

في مقابلة مع صحيفة “لوموند” الفرنسية، استعرض الفيلسوف الألماني يورغن هبرماس، الآثار السياسية والأخلاقية التي ستخلفها أزمة وباء “كوفيد-19″، مناشداً الاتحاد الأوروبي التدخل؛ من أجل مساعدة البلدان الأعضاء الأكثر تضرراً من هذا الوباء.

يُعتبر يورغن هبرماس الذي وُلِد سنة 1929 من أكبر فلاسفة عصرنا الحالي؛ فهو يمثل الجيل الثاني من “مدرسة فرانكفورت” للفلسفة. أصدر حديثاً كتاباً مهماً باللغة الألمانية يتكون من مجلدين؛ هما عبارة عن خلاصة شاملة لتاريخ الفلسفة (سيتم نشر النسخة الفرنسية سنة 2022). وهو مفكر جد مقتنع بمشروع البناء الأوروبي؛ حيث تحدث عن هذا الموضوع في كتابين منفصلين («الدستور الأوروبي» سنة 2012، و«مستقبل الطبيعة البشرية.. الطريق إلى الانتقاء الليبرالي؟» سنة 2015). في المقابلة التالية التي خصَّنا بها، يحثّ يورغن هبرماس مؤسسات الاتحاد الأوروبي على ضرورة مساعدة الدول الأعضاء التي تعاني ثقل المديونية؛ كإيطاليا وإسبانيا اللتين تضررتا كثيراً من وباء “كوفيد-19”.

غلاف كتاب “الأخلاق والتواصل”

من وجهة نظر سياسية وأخلاقية وفلسفية، ما الإشكاليات التي يطرحها وباء “كوفيد-19″؟

من وجهة نظر فلسفية، ألاحظ أن هذا الوباء وَلَّد لدى الجميع حالة من التفكير الدائم والمتوهج كان في ماضٍ قريب حكراً على الخبراء فقط. فمنذ تفشي هذا الوباء وعبوره حدود الدول، أضحى الجميع يحاول التحرك ورد الفعل، وهم يفقهون أنهم لا يعرفون إلا القليل عن هذه الآفة. فمواطنو مختلف الدول التي ضربها هذا الفيروس الخبيث يتابعون عن كثب كيف أن المسؤولين السياسيين في بلدانهم يتخذون مجموعة من القرارات؛ من أجل مجابهة هذا الوباء، وذلك على ضوء ما يقدمه لهم الخبراء من نصائح ومعلومات. فعالمنا المعاصر لم يشهد مثيلاً لهذه الأزمة الصحية؛ حيث يقوم أصحاب الفعل السياسي باتخاذ قرارات لا تخلو من الارتباك، ولا تستند إلى معطيات علمية قاطعة. فما من شكٍ، ستخلف هذه التجربة المريرة آثاراً عميقة في الضمير العالمي.

ما التحديات الأخلاقية التي تفرضها هذه الأزمة الصحية العالمية؟

لا بد هنا من التمييز بين وضعيتين من شأنهما المساس بثوابت الكرامة الإنسانية؛ هذه الكرامة التي نص عليها الفصل الثاني من الدستور الألماني الحالي الذي تم سنّه سنة 1949: “يتمتع كل شخص بحقَّي الحياة والحرمة الجسدية”. فالوضعية الأولى تتمثل في التمييز بين المصابين بهذا الوباء؛ من أجل التمتع بحق الرعاية الصحية، أما الوضعية الثانية فلها علاقة بفترة ما بعد نهاية الحجر الصحي. 

يورغن هبرماس في مرحلة الشباب – أرشيف

فطاقة استيعاب المؤسسات الاستشفائية في أوروبا؛ خصوصاً في إيطاليا تتضاءل يوماً بعد يوم، وهناك من المشافي ما لم يعد قادراً على استقبال ولو مصاب واحد إضافي. وأدى هذا الاكتظاظ في مشافينا إلى تدهور نوعية العلاج الطبي؛ حتى إننا أضحينا اليوم نتحدث عن “طب الكوارث” الذي لم نسمع عنه إلا أثناء فترة الحروب. وأمام ارتفاع عدد النزلاء المرضى تضطر الهيئات الطبية في المشافي إلى اتخاذ قرارات صعبة وغير أخلاقية؛ ولكن لا مفر منها. ومن هنا تنشأ في مجتمعاتنا الحالية نزعة التمييز بين المرضى حسب السن والحالة الصحية (مثلاً تبجيل الشبان على حساب كبار السن)، وكذلك حسب الجنس (امرأة ورجل)، والمكانة الاجتماعية (فقير وغني)، والوضعية العائلية (أعزب أم متزوج مع وجود أطفال أم لا).. وغيرها من المقاييس غير الموضوعية التي تُنسينا مبدأ المساواة أمام حق الولوج إلى الرعاية الصحية. وحتى إن وجدنا من بين المصابين بهذا الوباء من يقبل بالتنازل عن حقه في العلاج لفائدة مريض آخر في وضعية أكثر حرجاً، فكيف يقبل طبيبٌ ما بعلاج مرضاه وذلك بالاعتماد ليس على مقاييس علمية وطبية بحتة بل استناداً إلى “قيمة” كل مريض؛ إنْ فَعَلَ ذلك فإنه يمنح لنفسه سلطة سلب حق الحياة من هذا ومنحه لذاك.

شهدت إيطاليا معدلات وفاة مرتفعة للغاية

إن لفظ “القيمة” الذي أتحدث عنه هنا هو لفظ مستعارٌ من أدبيات الاقتصاد. وإذا وَلَجَ هذا اللفظ القاموس الطبي، فإن ذلك يعني أن الأطباء يجدون أنفسهم مجبرين على علاج مرضاهم حسب مقاييس كمية مثل ما يفعله خبراء المجال الاقتصادي، وبذلك يصبح الطبيب غير قادر على التدخل الناجع من أجل مساعدة مرضاه على التعافي. إن ما ينتظره أي مريض هو أن يضع الطبيب نفسه مكانه، وأن يقوم بمبادرات لها علاقة بالمجال الطبي البحت، وأن يتقيد بأخلاقيات مهنته التي هي متطابقة مع روح القانون. فالحاجة الطبية البحتة (كتجربة دواء جديد مثلاً) يجب أن تبقى المقياس الوحيد الذي يجب أن يؤطر عمل أي طبيب، ويفرض عليه اتخاذ قرارات طبية صعبة.

وماذا عن الخطر الآخر الذي ذكرتموه والذي تعتبرونه تهديداً لكرامة البشر في ظل هذه الأزمة الصحية العالمية؟

بعد انتهاء فترة الحجر الصحي، سيرتطم مبدأ حق الحياة الذي يجب حمايته قانونياً وأخلاقياً بعوائق ذات صلة بالحسابات المصلحية الضيقة. فأصحاب القرار السياسي عندما يقومون بالتحكيم بين ضرورة جبر الأضرار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن وباء “كوفيد-19” وواجب إنقاذ السكان من موت محقق، عليهم عدم الإنصات إلى أصحاب المصالح المادية الضيقة الذين من شأنهم التأثير على قراراتهم. فهل يجدر بنا أن نضحي بعشرات الآلاف من الأرواح؛ من أجل إعادة عجلة الاقتصاد وتجنب الأزمات الاجتماعية؟ فحقوق الإنسان الأساسية لا تسمح لأي مُشرِّع أو أية سلطة سياسية باتخاذ قرارات من شأنها أن تبيح التضحية بأرواح البشر.

غلاف كتاب “الخطاب الفلسفي للحداثة”

ألا تخشون أن تتحول القرارات الظرفية المُقيِّدة للحريات التي تتخذها الدول أثناء فترة الحجر الصحي إلى قرارات دائمة تندمج تدريجياً في البناء الديمقراطي؟

إن تقييد الحريات والحقوق الأساسية يجب أن يبقى عملاً مؤقتاً، وأن لا يتجاوز إطار هذه الأزمة الصحية العالمية التي نمر بها. ومثلما حاولت شرحه سابقاً، إن القرارات الاستثنائية التي تتخذها السلطات السياسية في هذا الظرف يجب أن يكون هدفها الأساسي حماية حقَّي الحياة والحرمة الجسدية؛ فمثلاً في كل من فرنسا وألمانيا أنا واثق من أن السلطات السياسية هناك لا تزال وفية للقوانين الأساسية المحلية التي تضمن حقَّي الحياة والحرمة الجسدية لكل المواطنين. أما في هنغاريا، فلقد استغل رئيس الحكومة فكتور أوربان، ظرفية أزمة وباء “كوفيد-19″؛ من أجل لجم صوت المعارضة، مستعيناً في ذلك بصمت مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومستفيداً من تخاذل حكومات الدول الأوروبية المتجذرة في الديمقراطية التي تغض البصر عما يجري في هذا البلد الأوروبي من تضييق متواصل على الحريات والحقوق الأساسية.  

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – أرشيف

لماذا رفض الاتحاد الأوروبي تأسيس صندوق تضامن مالي، بضمان الدول الأعضاء، تكون مهمته تقاسم الأعباء المالية الناجمة عن أزمة وباء كورونا في الفضاء الأوروبي؟

بسؤالكم هذا أنتم تضعون إصبعكم على مسألة مهمة تمس مباشرة مستقبل الاتحاد المالي لأوروبا؛ فدول مثل إيطاليا وإسبانيا المثقلة بالديون والتي تعاني اقتصاداتها مشكلات هيكلية تضررت كثيراً من وباء كورونا. كان على بقية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي نجدة هذه الدول المتضررة من الوباء؛ حتى تساعدها على حماية نفسها من الآثار السلبية لعمليات المضاربة في الأسواق المالية، وهو ما يخدم في نهاية المطاف السلامة المالية لمنطقة اليورو باعتبار أن إيطاليا وإسبانيا عضوان مهمان من مجموعة النظام المالي الأوروبي الموحد. في هذا الإطار، أعتقد أن فكرة بعث “سندات كورونا” التي اقترحها البعض، وتدعمها دول أوروبية أخرى؛ من شأنها أن تساعد أعضاء الاتحاد الأوروبي الأكثر تضرراً من وباء كورونا على تجاوز مشكلاتهم المالية والاقتصادية التي عمقتها الأزمة الصحية. فهذه السندات المالية الصادرة بضمان الدول الأعضاء من شأنها مساعدة دول أوروبا المتوسطية على الولوج إلى الأسواق المالية والاقتراض بشروط معقولة. أنا لا أرى أي بديل في الأفق لهذا الاقتراح الذي يدعمه وزير مالية الحكومة الفرنسية، وأتمنى أن لا يرضخ وزيركم هذا لضغوطات نظيره الألماني الذي لاحظنا جميعاً أنه يتجنب الخوض في هذا الموضوع.

شاهد: حلقة أحمد الفارابي عن نظرية الفعل التواصلي عند هبرماس

في مقال نشرتموه بالتزامن في صحيفتي “لوموند” الفرنسية و”دي تزايت” الألمانية، في الثاني من أبريل الحالي، تساءلتم: “ما فائدة الاتحاد الأوروبي اليوم إذا لم يتكاتف الأوروبيون ويواجهون متحدين وباء كورونا؟”.

هذا السؤال الذي خضت فيه مع مجموعة من الأصدقاء هو موجَّه أساساً إلى المسؤولين الأوروبيين؛ وعلى رأسهم حكومة بلدي، وبالأخص المستشارة أنجيلا ميركل (من الحزب المسيحي الديمقراطي)، ووزير ماليتها أولاف شولتز (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي). فأنا أَعْجَبُ لموقفهما الرافض أية مساعدة لدول جنوب أوروبا. فهما يطبقان نفس السياسة المالية المتشددة التي انتهجتها برلين ودول أوروبا الشمالية سنة 2008 عندما رفضت، آنذاك، مد يد العون إلى بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الواقعة جنوب أوروبا. فالطبقة السياسية في ألمانيا تمادت في تطبيق هذه السياسة المالية المتشددة؛ وذلك تجنباً لرد فعل ناخبيهم. ولم تتوانَ نفس هذه الطبقة السياسية في الوقوف إجلالاً لمؤيدي سياسة اقتصادية ذات نزعة قومية تقوم على مدح قدرات الاقتصاد الألماني كأول اقتصاد أوروبي يستمد قوته من تصدير المنتجات الصناعية. وكان من نتائج هذه النزعة القومية ذات الطابع السياسوي الضيق التي انتهجتها الحكومات الألمانية المتعاقبة أن تراجع الحس الأوروبي لدى المواطنين الألمان الذين أضحى الكثير منهم يهتم بمصلحة ألمانيا فقط. إن الرئيس الفرنسي ماكرون، في علاقته بألمانيا، أخطأ عندما لم يقم بتقدير جيد لمدى تغلغل النزعة القومية في أعلى هرم السلطة في ألمانيا. فالمستشارة أنجيلا ميركل تؤمن بفكرة الدولة الألمانية المتشبعة بنزعة قومية.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل – أرشيف

كيف تعيشون فترة الحجر الصحي؟

أقضي عدة ساعات أمام شاشة الكمبيوتر، أكتب حول تاريخ الفكر الإنساني، وهي الساعات الأقل وطأة على نفسي في ظل هذه الأزمة الصحية.

إن فترة الحجر الصحي من شأنها أن تسهم في دعم التيارات الشعبوية في أوروبا، فكيف يمكن الحد من هذا التأثير السلبي؟

إن خطر التيارات الشعبوية يتربص ببلداننا الديمقراطية حتى قبل فترة الحجر الصحي. وكل بلد أوروبي يملك عدة خيارات منفصلة ولها علاقة بتاريخه وتطوره السياسي من شأنها أن تساعده على محاربة هذه الآفة. ففي ألمانيا مثلاً ساعدنا ماضينا على الاتعاظ بما حدث من أهوال أثناء فترة الحكم النازي، ونجحنا طيلة عقود من الزمن في التصدي إلى محاولات الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة قصد التغلغل في الفضاء العام، وذلك على الرغم من أن الحكومات الألمانية المتعاقبة، بتعلّة محاربة الفكر الشيوعي، ادَّعت العمى من عين واحدة وغضتِ البصر عن تنامي بعض التيارات الفكرية المتطرفة التي تنشر الفكر القومي وتنبذ التسامح. أما مرجعية اليمين المتطرف في فرنسا فليست بالضرورة الفكر القومي بقدر ما هي فكرة الدولة الوطنية. لكن نلاحظ أن أحزاباً ومفكرين من اليسار الفرنسي (باستثناء توماس بيكاتي”جامعي فرنسي، وباحث في علم الاقتصاد السياسي”) تخلَّوا عن محاربة الفكر الرأسمالي وركزوا جهودهم على محاربة فكرة البناء الأوروبي، وهم بذلك يستقلون نفس القارب الهش الذي تقوده أحزاب اليمين المتطرف والذي يُسمَّى الدولة الوطنية؛ وهي مرجعية فكرية تتغذى من معاداة مشروع الوحدة الأوروبية.

اقرأ أيضًا: وفاة فنسان لامبير.. رمز الجدل حول الموت الرحيم في فرنسا

ماذا يمكننا القيام به من أجل الدفع إلى الأمام بمشروع الاتحاد الأوروبي الذي ما فتئت أعداد معارضيه تتزايد يوماً بعد يوم في أوروبا؟

إن الأدبيات وحدها لا تكفي من أجل كبح جماح هذا العداء المتنامي تجاه البناء الأوروبي؛ بل نحن في حاجة إلى مجموعة صلبة قادرة على محاربة الفكر الليبرالي الجديد الذي يميز المشروع الأوروبي منذ بدايته.

كيف تفسرون تنامي الفكر الشعبوي في الأوساط الفكرية وفي الفضاء العام في أوروبا؟

بعض الأوساط الفكرية في أوروبا تتبنى أفكاراً شعبوية لا تخرج عن إطار العمل الفكري المحض. فهي إذن أفكار هامشية نابعة من منظومة فكرية ضعيفة؛ وهي بذلك لا تمثل خطراً حقيقياً. في المقابل لا بد من الحيطة والحذر من انتشار الفكر الشعبوى الذي بدأ يغادر قلعة العمل الفكري البحت ليغزو الفضاء العام، ويستقطب إليه فئات اجتماعية مختلفة؛ بما فيها الفئات الفقيرة. فبعض المكونات الثقافية الهشة تمثل وسيلة سهلة للتأثير على هذه الفئات الضعيفة اجتماعياً وفكرياً؛ خصوصاً في ظل ما يحدث حولها من تحولات اجتماعية وثقافية كبرى، كالثورة التكنولوجية؛ خصوصاً الرقمية منها التي ما فتأت منذ نحو ثلاثين سنة تغزو جميع الأنشطة الاقتصادية، وتزايد حركة الهجرة من الجنوب نحو الشمال… إلخ. وتُوَلِّدُ هذه التحولات نوعاً من الخوف لدى عديد من الأشخاص الذين يخشون أن يفقدوا مكانتهم الاجتماعية؛ خصوصاً في ظل عجز السلطات السياسية على التصدي للآثار السلبية للعولمة. وتتغذى التيارات الشعبوية وأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا من فشل الدولة الوطنية في القيام بمهامها، وهو ما وَلَّد لدى هذه التيارات رغبة ملحة في ملء الفراغ الذي تركه أصحاب القرار السياسي في الفضاء العام بعد عجزهم عن مواكبة هذه التحولات.

في النهاية، أقول إن أوروبا متحدة وشجاعة ومؤمنة بمبادئ الديمقراطية؛ من شأنها أن تقودنا نحو الخروج من هذه الأزمة الحالية.

المصدر: لوموند

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة