الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

أينشتاين لطاغور: أنا أكثر تديناً منك

لقاء استثنائي قد لا يتكرر إلا مرات نادرة في تاريخ الإنسانية

كيوبوست

هذا هو أقل ما يوصف به حوار العالم الأشهر ألبرت أينشتاين، والشاعر الهندي رابندرانات طاغور، في 14 يوليو 1930، حين كان طاغور يزور ألمانيا لإلقاء محاضرة بعنوان “دين الإنسان”.

فبالقربِ من مدينة بوتسدام، وعلى تلّة في قرية كابوث الصغيرة؛ حيث منزل خشبي جميل تحرسه أشجار الصنوبر، التقى الرجلان. وكان ذلك هو منزل أينشتاين. ولا يزال هذا اللقاء، بما طُرح فيه من آراء وأفكار ورؤى، علامة ملهمة في تاريخ الفكر الإنساني، يتوقف الباحثون والمؤرخون والفلاسفة ملياً أمام ما ورد فيها من أفكار أصيلة؛ في وقتٍ كانت الإنسانية فيه تواجه إشكالات أخلاقية وفكرية كبرى، ومحاولات جادة للإجابة عن الأسئلة الكونية الأعظم في ظلِّ مخاضات تحولٍ تاريخي هائل. ولقد ناقش الرجلان اللذان اكتملت لهما سمات العبقرية الفذة قضايا معرفية وفلسفية شغلت الإنسان منذ بدأت مسيرته على الأرض؛ مثل: الحقيقة وطبيعتها، والمعرفة، والكون، ودور الإنسان وموقعه في الوجود، ومفاهيم ومعانٍ أخرى؛ كالجمال والدين والوعي.

صورة من موضوع نيويورك تايمز حول الحوار

ولم تكن العبقرية الاستثنائية للرجلَين هي وحدها ما يمنح هذا الحوار ألقَه وتفرُّدَه وخلوده في ذاكرة البشرية، فما يزيد من أهميته وتأثيره أن كليهما كان باحثاً عن الحقيقة، متبتلاً في محرابها، منغمساً بالروح والجسم والعقل والنفس في سعيه المحموم إليها، وأن كليهما كان في ذروة تألقه الفكري، مستنداً إلى تراث من الإنجاز المدهش، يقف بهما على أبواب الحكمة. يُضاف إلى ما سبق، أنّ تبني كلا الرجلين تفسيرات مختلفة للقضايا محل النقاش كان مصدر ثراء لا ينقضي لهذا الحوار الفذّ، ذلك أن أحدهما قبل كل شيء يمثل ذروة الثقافة الغربية المادية، وهو عالِم في الرياضيات والفيزياء اللتين كانتا مُنطَلقه للتأمل، والثاني يمثل خلاصة الثقافة الشرقية بروحانيتها الضاربة في القدم، وهو شاعر وروائي ورسام يبحث عن الحقيقة في نفس الإنسان ووجدانه.

اقرأ أيضاً: حوار مع الفيلسوف يورغن هبرماس

ويقدم يوسف حسين في قناته على “يوتيوب” حلقة مميزة حول هذا الحوار، استهلها بمقدمة مركزة سعت إلى تبسيط المفاهيم والأفكار ليتاح للمتلقين فهمها، وتخللتها مداخلات وتعليقات للتوضيح والتيسير أو لإظهار موقفه ووجهة نظره. ولم يخفِ يوسف حسين في تقديمه الحلقة إعجابه بطاغور وإجاباته، وما اتسمت به من الرومانسية الفلسفية والذائقة الصوفية، ونظرته إلى الكون والإنسان باعتبارهما كياناً واحداً؛ حيث الإنسان كائن روحي يحمل في داخله وعي الكون، ومن ثمَّ فإن أي أمر نراه حقيقة هو كذلك، وفقاً لمعايير في داخلنا.

شاهد: طاغور جسر الهند إلى العالم

وبالمقابل، كان حسين أكثر حيادية تجاه أينشتاين، الذي انطلق من خلفية علمية ليرى الواقع من منظور حسي، وهو ما أدى به إلى فصلٍ بين نوعَين من الإدراك: الشعوري، ويمكن تقبله في فكرة الجمال، وعالم الحقائق التي لا مكان للشعور فيها. وقد استخدم أينشتاين الجاذبية للبرهنة على تصوره، موضحاً أنها موجودة بغض النظر عن إدراكنا لها.

طاغور وأينشتاين

والتالي نصٌّ للحوار الذي دار بين الرجلين كما نقله حسين، اعتماداً على المقال الذي نشرته صحيفة “النيويورك تايمز” لنص الحوار  في أغسطس 1930:

طاغور: في الوقت الذي انشغلتَ فيه بمطاردة كيانَين عتيقَين هما الزمان والمكان، مستخدماً الرياضيات لفهمهما، كنت أنا أحاضر في بلدك حول عالم الحقيقة، العالم الخالد للإنسان.

يرد أينشتاين بإجابة على شكل سؤال: هل تؤمن بأن الألوهية منعزلة ومنفصلة عن العالم؟

ردَّ طاغور: الألوهية ليست منعزلة بالطبع، فذات الإنسان اللا متناهية تسع الكون. ولا يوجد شيء لا يمكن تضمينه في الذات الإنسانية، وهذا يبرهن على أن حقيقة الكون هي حقيقة إنسانية. ولكي أوضح فكرتي سأستخدم حقيقة علمية؛ تتألف المادة من إلكترونات وبروتونات، يوجد بينهما فراغات، ومع ذلك تبدو المادة كتلة واحدة متراصة وصلبة، الأمر ذاته ينطبق على الجنس البشري الذي يتكون من أفراد منفصلين، لكنهم مرتبطون عبر علاقات إنسانية متبادلة تعطي المجتمع الإنساني وحدة العضو لعالم الإنسان. الكون برمته مرتبط بنا بنفس الرابط؛ فالكون هو كائن فرد، ولذلك فهو كون الإنسان.

أينشتاين: هناك تصوران مختلفان لطبيعة الكون؛ الأول يراه كوحدةٍ غير مستقلة عن الإنسان، والثاني يرى الكون كواقع وهو مستقل عن الإنسان.

طاغور: عندما يكون كوننا في حالة تناغم مع الإنسان، فإننا في هذه الحالة سنعرف حقيقة الكون وسنشعر بجماله.

أينشتاين: هذا تصور بشري بحت للكون.

طاغور: لا يمكن أن يكون هناك تصور آخر، هذا الكون هو كون إنساني بامتياز، حتى التصورات العلمية له هي تصورات مَن؟ هي تصورات الإنسان.. العالِم، الذي يحمل سمات العقل الإنساني، فلا وجود للعَالم بشكلٍ مستقل عنا، عالمنا نسبي.. هناك معايير للمنطق والجمال تمنح الكون صفة الحقيقة، هذه المعايير لم تأتِ من عالم آخر؛ هي معايير الإنسان الذي تكون تجاربه عبر تجاربنا.

أينشتاين: هذا إذن تجسيد لكينونة الإنسان.

طاغور: نعم، فكينونة الإنسان محصلة لمشاعرنا وأنشطتنا؛ فالإنسان الأسمى ليس محدوداً بصفات فردية، العلم مهتم بالأمور التي لا تنحصر في الأفراد؛ لذلك هو عالم من الحقائق غير الشخصية أو الفردية. أما الدين فهو يحقق هذه الحقائق، ويربطها باحتياجاتنا الكامنة في أعماقنا، فيصبح وعينا الفردي للحقيقة ذا أهمية كونية، الدين يمنح الحقيقة القيم ويطبق الأخلاق عليها. ونحن لا نعرف الحقيقة على أنها جيدة إلا بقدر تناغمنا معها.

أينشتاين: إذن فكل من الحقيقة أو الجمال ليسا مستقلَّين عن الإنسان؟!

طاغور: نعم ليسا مستقلَّين.

أينشتاين: لنفترض أن البشر انعدموا، فهل تمثال أبوللو لن يكون جميلاً بعد الآن؟

طاغور: لا لن يكون.

أينشتاين: أتفق مع هذا المفهوم للجمال؛ ولكن أختلف معك بالنسبة إلى تصورك عن الحقيقة.

طاغور: ولِمَ لا؟ فالحقيقة كالجمال تُدرك فقط بواسطة الإنسان.

أينشتاين: لا أستطيع أن أثبت صحة تصوري بخصوص الحقيقة؛ لكن هذا هو اعتقادي.

طاغور: الجمال يكون في مثالية الانسجام الكامل، وهذه المثالية هي الكينونة الكونية، أما الحقيقة فهي الفهم المثالي للعقل الكوني. نحن نقترب كأفراد من الحقيقة عبر أخطائنا وهناتنا وعبر تراكم خبراتنا وعبر وعينا المستنير، وإلا كيف يمكننا إدراك الحقيقة بغير ذلك؟!

أينشتاين: علمياً، لا يمكنني إثبات أن الحقيقة مستقلة عن الإنسان؛ لكني مقتنع تماماً بنظرية فيثاغورث الهندسية والتي تقر بمعلومة صحيحة حقيقية بشكل لا علاقة له بوجود الإنسان.

طاغور: الحقيقة لا بد أن تكون إنسانية في جوهرها، وإلا لما أمكن لنا كأفراد أن نسمي ما هو صحيح بالنسبة إلينا أنه حقيقة. حتى الحقائق العلمية لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال أداة التفكير، والتي هي أداة بشرية. طبقاً للفلسفة الهندية هناك البراهمان؛ وهو الحقيقة المطلقة، والتي لا يمكن إدراكها من خلال عزل العقل الفرد أبداً، ولا يمكن وصفها بالكلمات؛ بل يمكن الوصول إليها وإدراكها بشكل كامل من خلال دمج الفرد في لا نهائية هذه الحقيقة المطلقة. لكن مثل هذه الحقيقة لا يمكن أن تنسب إلى العلم؛ فالحقيقة التي نتحدث عنها هنا هي أمر ظاهر أو ما يظهر على أنه حقيقي بالنسبة إلى العقل، ولهذا فهي حقيقة ذات طابع بشري، أما ما أتحدث عنه فهو حقائق ذات طابع كوني، نطلق على الحقيقة الظاهرة في الفلسفة الهندية اسم مايا (الوهم).

أينشتاين: إذن، هذا ليس وهماً فردياً؛ بل وهم للبشرية؟!

طاغور: ينتمي النوع الفرد أيضاً إلى الوحدة؛ أي الإنسانية، لذلك فإن كل البشرية تدرك نفس الحقيقة، سواء أكان هذا العقل هندياً أم أوروبياً، فسيلتقيان عند إدراكٍ مشترك.

أينشتاين: الواقع أن الإشكالية تكمن في هل الحقيقة مستقلة عن وعينا أم لا؟ هذا هو السؤال المركزي.

طاغور: إن ما نسميه حقيقة يكمن في التناغم العقلي بين الجوانب الذاتية والموضوعية للواقع، وإن كليهما ينتميان إلى الإنسان الأسمى.

أينشتاين: نحن نقوم بأشياء في حياتنا اليومية دون تفكير؛ فالعقل يدرك هذه الحقائق بصورة منطقية. على سبيل المثال من الممكن أن يكون المنزل خالياً من البشر، ومع ذلك تظل المائدة في مكانها دون أن تتأثر بغياب الإنسان.

طاغور: نعم ستظل في مكانها؛ فهي ستكون خارج العقل الفردي، ولكنها ليست خارج العقل الكوني؛ فالمائدة هي مائدة بالنسبة إلينا لأننا أوجدنا وعياً جمعياً بأنها كذلك.

أينشتاين: إذا لم يكن هناك أفراد في المنزل ستظل المائدة موجودة؛ لأن هناك وعياً كلياً يدركها، وهذا ما قصدته، إن كان هناك شخص في هذا المنزل وإن خرج ستبقى المائدة في مكانها. ولكن ألا يناقض هذا وجهة نظرك؛ لأنه لا يمكن تفسير سبب وجود المائدة بصورة مستقلة عنا، بينما وجهة نظري حول وجود الحقيقة بشكلٍ مستقل عن الإنسان، صحيح أنها وجهة نظر لا يمكن إثباتها أو تفسيرها ولكنها اعتقاد موجود عند أغلب الناس، وهذا الواقع المستقل عن وجودنا وخبراتنا وعقولنا هو واقع موجود؛ ولكن ليس بإمكاننا شرح ما الذي يعنيه هذا الواقع.

طاغور: لقد أثبت العلم أن المائدة كجسم صلب ليس سوى مظهر، لذا فما يدركه العقل بوصفه المائدة يصبح بلا معنى في غياب الإدراك العقلي هذا. في الوقت ذاته، يجب الإقرار بالواقع الفيزيائي المادي البسيط للمائدة باعتبارها ليست سوى مراكز لعدة قوى كهربية موجودة في حالة دوران. هذه الحقيقة أيضاً تنتمي إلى العقل الإنساني. في صيرورة إدراك الحقيقة هناك صراع أبدي بين العقل البشري الكلي، والعقل المحدود للكائن الفرد، في العلم، وفي الفلسفة، وفي أخلاقنا، تتم عملية مصالحة لهذين العقلين. ليس من الصعب تصور عقل يحصل تسلسل الأشياء بالنسبة إليه في الزمن فقط وليس في المكان؛ مثل تسلسل النغمات في نوتة موسيقية، بالنسبة إلى عقل كهذا فإن تصور الواقع يماثل واقعية الموسيقي، وفي هذا الواقع تبدو النظرية الفيثاغورثية بلا واقع تماماً. على سبيل المثال، هناك ورقة كتب عليها أرقى عبارات الأدب، للورقة وجود واقعي يختلف اختلافاً كبيراً عن الوجود الواقعي للأدب، وبالنسبة إلى عقل العثة التي تأكل الورقة لا وجود للأدب، بينما الأدب بالنسبة إلى العقل الإنساني حقيقة لها قيمة أكبر كثيراً من قيمة الورقة التي كتب عليها. بنفس الطريقة إذا كانت هناك حقيقة ليست لها أية علاقة حسية أو عقلانية، فسوف تبقى عدماً بالنسبة إلينا ما دمنا نحن بشراً. على كل الأحوال إذا كانت هناك أية حقيقة مطلقة بشكل مستقل عن الإنسان، فإن مثل هذه الحقيقة غير موجودة على الإطلاق بالنسبة إلينا.

أينشتاين: إذن، فأنا أكثر تديناً منك.

طاغور: ديني يكمن في التصالح بين الإنسان الخالد والروح الإنسانية الكلية الكونية الكامنة في ذاتي الفردية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة