الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

حكايات عربية.. سحيم.. الشاعر  الذي قتله شعره

كيوبوست

أحمد بن سليمان المطرودي 

تقديم المقالة بصوت الكاتب

“كان عبد الله بن أبي ربيعة عاملًا لعثمان بن عفان على الجند، فكتب إلى عثمان: إنّي اشتريت غلامًا حبشيًّا يقول الشعر.. فكتب إليه عثمان: لا حاجة لي إليه فاردده؛ فإنما حظ أهل العبد الشاعر منه، إن شبع أن يتشبَّب بنسائهم، وإن جاع أن يهجوهم، فردّه، فاشتراه أحد بني الحسحاس”.

 وهذا النص يحمل حمولة منها نظرة دونيّة إلى هذا العرق، وإن صدرت من الخليفة الثالث أو نُسِبت إليه في سياق عام كان القصد منه عدم قبول تلك الأعطية أو الهديّة. وهي رؤية ممتدة في الثقافة العربية، تؤطِّر ذلك الشاعر وأمثاله، وتجعله بالضرورة، وبحكم التكوين العرقي، ناكثًا العهد، ناكرًا الجميل، وتُسحب تلك السمات السلبية على العرق كاملًا، وتُدْخِل عبدَ بني الحسحاس في تلك الدائرة المحظورة، التي رسمها المتنبي -تاليًا- بقوله:

وَأظلَمُ أهلِ الظّلمِ مَن باتَ حاسِدًا

لمَنْ بَاتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلّبُ

وإن كان عبد بني الحسحاس إلى دائرة العبث والمجون أقرب، كما يظهر في مثل قوله:

كأن الصبيريات يوم لـقـينـنـا

ظباء حنت أعناقها في المكانسِ

فكم قد شققنا مـن رداء مـنـيَّرٍ

ومن برقع عن طفلة غير عانسِ

إذا شُقَّ بردٌ شُقَّ بالبرد بـُرقـعٌ

على ذاك حتى كلنا غير لابـسِ

ومهما يكن تصنيف الشاعر، وموقعه؛ فإننا نتساءل: كيف يستطيع مَن صُنِّف في تلك الدائرة أن ينعتق منها؟!

وهو سؤال كبير عريض جاء بهدف استفزاز تلك المكوِّنات الثقافية، وما تشكِّله من عنصرية، آن لها أن تندثر.

 واسم شاعرنا هو سحيم، وكان عبدًا أسود نوبيًّا أعجميًّا، اشتراه بنو الحسحاس، وهم بطن من بني أسد، فنُسِبَ إليهم، كعادة العرب في ذلك، وهي عادة ما زالت باقية، ولا يزال شيء منها ممتد.. وقد قتله شعرُه، كما تنبَّأ بذلك الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، عندما سمع قوله:

توسِّدني كفّا وتثني بمعصمٍ

عليّ وتحوي رجلها من ورائيا

 وقد سار الشاعرُ في تلك الدائرة التي رسمها له هذا النص، الذي أقمنا هذه المقالة عليه؛ فقد كان الشاعر متجاوزًا في غزله، فاضحًا في بعض أوصافه الحسية، وهذا ما جعل قومه الذين ينتمي إليهم يدبِّرون له مكيدة، تؤدي إلى حتفه، اختلفت الروايات فيها؛ لكنها تتفق في نهايتها على ذلك المصير البائس؛ تصديقًا لتلك النبوءات!

اقرأ أيضًا: حكايات عربية.. مروان بن محمد في أواخر أيام دولته

وللشاعر نصوص ليست كثيرة، تنمّ عن شاعرية فذّة، ولغة باذخة، وصور مبتكرة؛ أشهرها وأطولها قصيدته المعروفة التي مطلعها:

عُمَيْرةَ وَدِّع إنْ تَجَهَّزْتَ غَادِيا

كَفَي الشَّيْبُ والإِسْلامُ للمرء ناهِيا

وهو بيت اشتُهر معه قولُ عمر بن الخطاب: لو قدَّم الإسلام على الشيب لأجزتُه. وتلك قضية تجعل تقييم الأعمال الشعرية كامنًا في قيمتها الأخلاقية؛ لا الجمالية، وهي قضية لم يعد المكان كافيًا لتناولها. وفي هذه القصيدة طَرَحَ عبد بني الحسحاس مشكلة سواده على لسان إحدى معشوقاته:

وقائلةٍ والدَّمــعُ يحــــدرُ كحلها

أهذا الذي وجـــدًا يبـــكِّي الغوانيـا

أشارتْ بمدراها وقالت لتربها

أعبد بني الحسحاسِ يزجي القوافيا

رأتْ قتبًا رثًّا وســحقَ عبــــاءة

وأســـودَ مما يملكُ النَّـــاسُ عانيا

يرجِّلنَ أقوامــــــًا ويتركنَ لمَّتي

وذاكَ هــــوانٌ ظاهرٌ قـــد بدا ليا

فلو كنــــــتُ وردًا لونـــهُ لعشقنني

ولكنَّ ربّــــي شـــانني بسواديـا


 مختص باللغويات التطبيقية وعلم اللغة الحاسوبي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات