الواجهة الرئيسيةمقالات

ثورة الزنج

كيوبوست

أحمد بن سليمان المطرودي 

تقديم المقالة بصوت الكاتب

“وكان خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء، لأربع بقين من شهر رمضان، سنة خمس وخمسين ومائتين، وقُتِلَ يوم السبت لليلتَين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، وكانت أيامه أربعَ عشرة سنة، وأربعة أشهر، وستة أيام”.

هذا نصٌّ عن علي بن محمد، زعيم ثورة الزنج، خَتَم به ابن الأثير في تأريخه حديثَه ومروياته الكثيرة عن ثورة الزنج (ج6 ص424) ومثله فَعَل الطبري في تأريخه (ج5 ص453 وما بعدها)؛ وهي مرويات كثيرة متشابهة عند المؤرخين، جاءت مبتورة من سياقات تضيء النصَّ وترصد دوافع الفعل وتسهم في فهمه فهمًا عميقًا؛ من خلال استطلاع الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بتلك الثورة، لكن هذا هو شأن المؤرخين!

اقرأ أيضًا: حكايات عربية.. بدايات أحمد أمين ونهاياته

 لفت نظري وأنا أقرأ في صفحات هذين التاريخَين، عن هذه الثورة، غيابُ ذكر أي دافعٍ لتلك الثورة، وكأن الهدف يتمثل في إدانة الثورة؛ انسجامًا وتماهيًا مع السلطة الحاكمة القائمة آنذاك، ومن ذلك وصف زعيم الثورة بـ”الخبيث” والترفُّع عن ذكر اسمه الذي لم أعثر عليه إلا في مرجع حديث!

ذلك القصور في تناول التاريخ وأحواله وأحداثه واقتصاره على النواحي السياسية والحربية يدفع بالباحثين المعاصرين؛ لتفادي جوانب النقص تلك، ومن ذلك جاء كتاب (ثورة الزنج) للدكتور فيصل السامر، الذي صدَّر كتابَه (بحث ماجستير) منطلقًا من كون الحركات الاجتماعية في الإسلام لم تحظَ بما تستحق؛ قياسًا بالسياسة والحرب.

اقرأ أيضًا: حكايات عربية.. سحيم.. الشاعر  الذي قتله شعره

كل حضارة كبرى تشهد قلقًا اجتماعيًّا وهزَّات فكرية.. وهكذا كانت الحضارة العربية الإسلامية، وهكذا كانت ثورة الزنج فيها؛ فالمتوقع أن شريحة كبرى من عرق معيَّن أو من أعراق مختلفة جُلِبت لتأدية مهام خدمية؛ بعضها مما تعافه النفس البشرية أو لا تقدر عليه قد تجد نفسها مدفوعةً للتبرم والثورة؛ ابتغاء تصحيح تلك النظرة الدونية المتعسِّفة والغاشمة!

ومن نافلة القول أن تلك مبادئ غفل عنها المؤرخون المتقدمون للتأريخ العربي والإسلامي، وسايرهم في ذلك كثيرٌ من المؤرخين المتأخرين والمعاصرين، وليس هذا ذنب التاريخ الإسلامي؛ بل ذنب المؤرخين، وقصور مناهجهم، ومحدودية أهدافهم في كتابة التاريخ، الذي اقتصر في مفهومهم على سِيَر الخلفاء والوزراء في حياتهم الخاصة، وغفل عن التيارات الاجتماعية والفكرية التي عاصرتهم.

وثورة الزنج قد تكون خطوة من خطوات خطتها شعوبٌ إسلامية؛ بهدف تحسين أوضاعها وبحثًا عن خروج عن ذلك التأطير الذي رسمته عن تلك الأقليات قوى منتفعة، وهو إطار ورأي ومبدأ يقوم على التهميش والإقصاء!

 في التاريخ والحضارات نشأ صراعٌ بين السادة والعبيد، وكان الصراع عاملًا أساسيًّا أسهم في هدم مدن ودول وحضارات.. وقديمًا أُغرِق ريفُ إيطاليا وصقلية بآلاف العبيد الذين كانوا يُلزَمون بالقيام بأعمال شاقة، ويعانون اضطهادًا اجتماعيًّا مريرًا؛ وهو ما دفعهم للقيام بعدة ثورات هدَّدت الحكومة الرومانية، واضطرتها، أو حفَّزتها على أن تقرِّر إلغاء الرق سنة 140 ق. م؛ حتى لو تعارض ذلك واصطدم مع مصالح الإقطاعيين.

اقرأ أيضًا: حكايات عربية.. مروان بن محمد في أواخر أيام دولته

 تلك صور متشابهة في الحضارات والأمم، تبقى حيّةً نابضةً دالةً على ضرورة استيعاب الشرائح كافة؛ مهما حاول المؤرخون والمنتفعون أن يخلعوا عليها من صور الطيش والتمرد والشغب.. ولست هنا أبرر ذلك الخروج المسلح لهذه الثورة، ولا لأمثالها من الثورات؛ لكنني أدعو إلى رؤية واقعية في تناول تلك الأحداث، ومعرفة سياقاتها ودوافعها.

وختامًا، يجدر بي أن أختم مقالتي هذه بقوله عليه الصلاة والسلام في هذا السياق: “إخوانكم خولكم (خدمكم) جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس”. وأزعم أن تلك الشرائح لو عوملت هذه المعاملة لما صدرت منها تلك الأفعال.

 لقد كان الرق (العبودية) واقعًا قبل الإسلام، حاول الإسلام التخفُّف منه تدريجيًّا؛ تمهيدًا للقضاء عليه، وهذا ما تبنته منظمات حقوق الإنسان تاليًا.

 مختص باللغويات التطبيقية وعلم اللغة الحاسوبي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة