شؤون خليجية

حقائق وسيناريوهات: ماذا لو لم يتدخل التحالف العربي في اليمن؟

التوسعات الإيرانية تولد تحالفًا عربيًا بقيادة السعودية

خاص كيوبوست – كتب: رشيد العزوزي 

هناك انطباع يرتقي لدرجة الحقيقة، مفاده أن الأزمة الحالية في اليمن هي نتيجة مباشرة للتراخي الإقليمي مع إيران خلال العقدين الأخيرين على الأقل، لكن الفترة الماضية شهدت تصميمًا عربيًا بقيادة المملكة العربية السعودية على تداركه قبل فوات الأوان.

بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فتحت بغداد البوابة الشرقية للأمة العربية أمام طهران الخمينية المزهوة بنجاح ثورتها سنة 1979. وكانت لبنان قد شهدت تواجدًا إيرانيًا سابقًا لهذا العهد، منذ 1985، العام الذي خلقت فيه ميليشيا حزب الله، إذ نجد في بيان الحزب التأسيسي: “إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم…”، ومن يومها وإخوان حسن نصر الله يد الولي الفقيه التي تبطش في لبنان (بقوة السلاح)، والمنطقة.

اقرأ أيضًا: العلاج الشافي للحرب الأهلية اليمنية

دمشق أيضًا طالها التدخل الأرعن للحرس الثوري، لترجيح كفة مكون على حساب آخر، عندما كاد النظام السوري أن يسقط، لولا الدعم الروسي الفارسي السخي، وإن كان لا يتجادل اثنان في سقوطه المدوي أخلاقيًا، حتى إن استمر في الحكم بقوة النار والحديد.

وكادت المنامة تقع في يد نظام الملالي بعد تصعيد المعارضة البحرينية المرتبطة عضويًا بإيران في شخص ممثلها هناك علي سلمان أمين عام جمعية الوفاق الشيعية، إلا أن التدخل الخليجي السريع أنقذ عاصمة عربية يعتبرها ممثل المرشد الأعلى الإيراني في الحرس الثوري علي سعيدي “عمق إيران الإستراتيجي، الذي أرغم أعداءها على الجلوس معها على طاولة المفاوضات”، كما ورد في وكالة “إرنا” الرسمية الإيرانية.

لذلك، فالمزاج الشعبي العربي حسب مراقبين، ميال إلى ضرورة التدخل لوقف تأسيس إيران موطئ قدم لها في شبه الجزيرة العربية، ومواجهة التدخل الإيراني في سوريا والعراق ولبنان وغزة.

ولعل ذلك هو ما جعل مصطفى علاني الباحث بمركز أبحاث الخليج يرى أن “السعوديين يعتبرون خطر عدم التصرف أكبر كثيرًا من خطر التدخل… إنها ليست تجربة سارة، ولكنها ستكون أسوأ إن لم يفعلوا شيئًا”.

 

الاستفزازات الحوثية تقابل بحزم التحالف العربي

انطلقت ميليشيا الحوثي في عمليات تغيير الواقع على الأرض -عقب انقلابها في شهر سبتمبر/أيلول 2014- من محافظة صعدة في الشمال، نحو العاصمة صنعاء، التي يقطنها مليونا شخص، مرورًا بالموانئ الرئيسة على ساحل البحر الأحمر، ثم إلى المحافظات الجنوبية، التي يتمتع فيها الرئيس الشرعي هادي بشعبية متزايدة.

اقرأ أيضًا: تطورات الحرب في اليمن: ما أسباب التراجع الحوثي؟

في هذا الوقت، كانت السعودية تسابق الزمن لخلق تحالف عربي من عشر دولٍ للمشاركة في الحرب ضد الحوثيين، وحليفهم الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح رجل التحالفات المتناقضة، الذي سيلقى حتفه على يدهم بعد احتدام الصراع وبروز التناقضات بينهما.

ووصف اللواء، محمود خلف «عاصفة الحزم» بـ”أنها أقوى العمليات العسكرية التي تعيد الأمن والاستقرار للمنطقة، في ظل التحديات التي تواجها، سواء من قبل إيران أم من قبل الجماعات والتنظيمات الدينية التي ترعاها، بدليل وجود قيادات القاعدة على أراضيها”، وهو سبب كاف للتدخل حسب كثيرين.

عبثًا يحاول البعض التشكيك في شرعية ومشروعية التدخل العربي في اليمن، فعاصفة الحزم اكتسبت شرعيات عدة؛ داخليًا تمثلت في تقديم الرئيس اليمني المنتخب عبد ربه منصور هادي ذلك علنًا، وخارجيًا في الجامعة العربية تجسيدًا لمعاهدة الدفاع المشترك بين أعضائها، وأيضًا من منظمة التعاون الإسلامي، ناهيك عن الدعم الأممي.

 

حسم المعركة يبعث رسائل مباشرة

دعم الشرعية اليمنية ضد الانقلابيين عسكريًا، لم يخطر ببال طهران، لذلك، كانت رسائله بليغة متعددة، نذكر منها:

  • المملكة العربية السعودية قادرة على قيادة الأمة العربية عسكريًا للدفاع عن الأمن القومي العربي.
  • الانتقال من التنديد الإعلامي، إلى الفعل والمناورة وإدارة الصراع، وتنبيه مجلس الأمن بشأن التجاوزات الإيرانية.
  • قدرة العربي على حل المشاكل العربية العربية.
  • العمل على فك الارتباط بين أضلاع “العواصم الأربع” -كما هو متداول في الأدبيات السياسية الإيرانية- صنعاء، دمشق، بغداد، بيروت.
  • وأد ميلشيا أنصار الله عسكريًا قبل أن تتخذ مسار حزب الله نموذجًا لها، لا سيما أن الميليشيا اليمنية تجيد تقاسم حزب الله مرجعيته الطائفية، وولائه للولي الفقيه، بل حتى تصريحات عبد الملك الحوثي الإعلامية تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن تصريحات حسن نصر الله.
  • خلق تحالف سياسي عسكري هو الأول من نوعه منذ سنوات، لا يتسول حوارات عقيمة ويتجاوز المجابهة، إلى المناورة، بعدما اتضح أن إيران ووكلاءها في المنطقة يكفرون بالقرارات الدولية، وغير معنيين بالحوار السياسي الذي دعتهم  إليه السعودية مرات كثيرة.

اقرأ أيضًا: ما الذي يؤخر حسم الحرب على الحوثيين في اليمن؟

 

جيوبوليتيك المنطقة العربية بعد بوادر حسم المعركة في اليمن

إن الحروب الواقعية التي هزت الأمن القومي العربي في عواصم عدة، قادرة على إسقاط أنظمة استخباراتية قوية، لكن تبقى عاجزة أمام بُنى دولة عصرية. هذا الرهان تعيه السعودية والتحالف العربي من خلفها كل الوعي في عملية إعادة بناء الدولة – دولة المؤسسات اليمنية، وذلك بجمع مكونات الطيف السياسي وفق توافقات حقيقية، بعيدًا عن المحاصصة الطائفية، والنزعات القبلية، ومنطق العصابة، والاستقواء بالخارج.

رغم التعتيم الإعلامي، ضربت “عاصفة الحزم” الانقلابيين في العمق، وسببت نزيفًا حادًا في القيادات الميدانية العسكرية الحوثية، وهو ما اتضح من خلال تقديم رئيس ما يسمى بـ”المجلس السياسي الأعلى” صالح الصماد، تعازيه لأسر قيادات بارزة في كتائب “الحسين” العسكرية -التي تعدّ كتائب نخبة المقاتلين- إضافة إلى خسائر معدات حربية ثقيلة كانت تستخدم في الهجوم على مناطق سعودية حدودية، وفقدان موانئ إستراتيجية مثل ميناء “المخا” و”ميدي”، ومحافظة الحديدة التي يعد ميناؤها الممر الرئيس للجزر اليمنية ذات العمق الإستراتيجي: جزيرة حنيش الكبرى والصغرى وجبل صقر.

وبحسب بعض المتتبعين للشأن اليمني، فإن استعادة التحالف العربي للحديدة، سيكون حدثًا مفصليًا في حسم الصراع نهائيًا؛ إذ سيتيح لقوات الشرعية إمكانية تحرير محافظات ساحلية في الشمال، كمقدمة لإحكام السيطرة على جميع المنافذ البحرية، وبالتالي الوصول إلى المحافظات الوسطى بما فيها العاصمة صنعاء، بكل ما تعنيه من ثقل ورمزية.

عمومًا، التحالف العربي التي تقوده المملكة العربية السعودية واع بأن النجاح في اليمن لا يعني ترتيب أوراقه داخليًا، ولا الخليج إقليميًا فقط، وإنما منطقة الشرق الأوسط أيضًا – تلك المنطقة المقبلة على تحولات جيوسياسية عميقة، سيكون لها ما بعدها على جميع المستويات، وعلى رأسها كبح جماح المد الفارسي وإعادته إلى حجمه الحقيقي.

لقد استطاع التحالف العربي من خلال الجبهات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية التي فتحها حتى الآن طمأنة الداخل اليمني، وتوجيه رسالة لإيران مفادها أن الزمن الذي تعربد فيه في المنطقة قد ولى دون رجعة، ولن تفلت -من الآن فصاعدًا- طهران بفعلتها من المحيط إلى الخليج مهما حاولت، فالوضع الإقليمي سيعاد ترتيبه وهندسته دون تدخل فارسي، لأن التجربة أثبتت أن وجوده ملازم للقتل، والطائفية، والتقسيم، وغيابه أو تغييبه بقوة السلاح عامل رئيس، من عوامل السلم والاستقرار والرخاء.

اقرأ أيضًا: كيف نفهم المأساة اليمنية من خلال السلوك الإيراني؟

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة