الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

حفل تحجيب قاصرات.. هل باشر إسلاميو تونس الحرب على فكر بورقيبة؟

اختيار محافظة المنستير -معقل الزعيم الراحل بورقيبة- دليل على أن الحادثة مدبرة من قِبل الإسلاميين لتثبيت وجودهم

تونس- فاطمة بدري

أثار تنظيم احتفال بارتداء خمس فتيات الحجاب في محافظة المنستير التونسية الساحلية، جدلاً واسعاً في البلاد، وأجج المخاوف من تسرب هذه الظواهر الجديدة أكثر داخل المجتمع، وأن تكون سبيلاً لاستدراج الفتيات القاصرات لارتداء الحجاب، واستغلال صغر سنهن وعدم قدرتهن على تقييم هذه المسائل وحسم مواقفهن منها، علماً بأن القانون التونسي يمنع حجاب القاصرات؛ ولكنّ الإسلاميين الممسكين بزمام الأمور في البلاد يتخاذلون عن تطبيقه، لتعارضه مع تطلعاتهم بشأن حقوق المرأة عموماً ومكانتها التي لا تروق لهم في تونس.

وأُقيم الحفل بحضور أوليائهم ومعلميهم في جمعية قرآنية تحت عنوان “حجابي تاجي”، مرفوقاً بقالب حلوى كُتب عليه “مبارك عليكِ الحجاب”. وتم تنظيم الحفل بكل دقة على مستوى اللباس والأجواء والشهادات التي قدمت للفتيات اللاتي تم تحجيبهن؛ حتى إنه يخيل إلى المتابع أنه في حضرة مسابقة ملكة جمال.

اقرأ أيضًا: دخول إرهابي دون جواز سفر.. أهكذا يعود المتطرفون إلى تونس؟

وسرعان ما انتشرت الحادثة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ خصوصاً “فيسبوك” الأكثر انتشاراً في تونس؛ لتجد التهليل والاحتفاء من الصفحات المحسوبة على حركة النهضة. بينما قوبلت بموجة السخرية والنقد والاستياء والاستنكار على نطاق واسع، معتبرين أن ما حدث يتنزل في سياق سلب حرية فتيات قاصرات لم تتجاوز أعمارهن الثانية عشرة، وبالتالي غير جاهزات لاتخاذ قرار ارتداء الحجاب من عدمه.

الغنوشي والرغبة الجامحة لأسلمة المجتمع التونسي- (صورة وكالات)

في معقل بورقيبة

والمثير في الحادثة أن هذا الاحتفال الغريب من نوعه على تونس، يجري في البلاد التي تعد الأكثر علمانية على المستوى العربي، وفي محافظة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، الرجل الذي أسس لحقوق المرأة التونسية باكراً وقطع الطريق أمام مَن حاولوا سحبها إلى الوراء.

مشهد يبدو برمته دخيلاً وغريباً على المجتمع التونسي، والأكيد أن التحضير له قد تم بشكل جيد وعلى نطاقٍ يتجاوز حدود الجمعية القرآنية. ومما لا شك فيه أن تمريره بهذه الطريقة وبهذه الصورة الصادمة ليس اعتباطياً؛ بل هو رسالة من جماعة الإسلاميين الممسكين بالحكم في تونس منذ سنة 2011، مفادها أن خططهم نحو أسلمة المجتمع و”دعشنته” قد بدأت عملياً وأنها تخرج للعلن الآن بعد أن كانت تجري في حدودٍ ضيقة.

كما أن اختيار محافظة المنستير دون غيرها دليل آخر على أن الحادثة مدبرة وتم التحضير لها من قِبل هذه الجماعة؛ لعدة اعتبارات، أهمها القول ها نحن ننشر فكرنا الظلامي المنغلق في محافظة الزعيم الذي قاوم ظلامنا وحال دون نشره بقوة القانون. وكأنهم يحاولون تحقيق انتصار على أفكار الحبيب بورقيبة حتى وهو ميت، بعد أن عجزوا عن هزيمته على مدار عقود طويلة.

اقرأ أيضًا: عودة المتطرفين واقع يرهب التونسيين.. فكيف سيتم التعامل معهم؟

ويُذكر أن هذه الحوادث تسربت بشكلٍ محتشم في السنوات الأولى للثورة بمباركة وتشجيع من حركة النهضة الإسلامية؛ لكن الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي، الذي ظل وفياً لفكر بورقيبة، قطع الطريق أمامهم ليعلن إبان الاحتفال بعيد المرأة في الـ13 من أغسطس 2015، قراراً بمنع ارتداء الحجاب للفتيات القاصرات، معتبراً إياه ضرباً من ضروب التخلف والعودة بتونس إلى الوراء؛ لكن  الإسلاميين ما زالوا يسعون لعدم تطبيق هذا القانون في ظل سعيهم لترسيخ هذه الثقافة لا مقاومتها.

وما زال التونسيون يتذكرون قول راشد الغنوشي، في إحدى الجلسات الداخلية للحزب، التي تم تسريب مضمونها، حين ردد “نحن لا نريدهم، نحن نريد أبناءهم”، بمعنى أن فكر الحركة الظلامي لن ينطلي على الأجيال التي تعودت نمطاً مجتمعياً يتعارض مع أفكارهم؛ ولكنهم يسعون لزرعه في أذهان الجيل الجديد الصاعد مع صعودهم للحكم؛ وما يحدث ترجمة واضحة لذلك.

المرأة القوية والمتحررة تقلق الإسلاميين في تونس- (صورة وكالات)

ظواهر دخيلة

منير الشرفي، رئيس المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة، انتقد بشدة ظهور وانتشار الجمعيات والمدارس التي تنشر ثقافة التطرف الديني، معتبراً أنها بؤر لتفريخ الإرهاب، ومعرباً عن استغرابه من صمت وزارتَي التربية والمرأة والطفولة على ما آلت إليه الأمور.

وقال لـ”كيوبوست”: ما زالت المدارس والجمعيات التي تبث ثقافة التطرف الديني والانغلاق تعمل في تونس بكل حرية، وتحت أنظار السلطات دون أي ردع وأية مراقبة. وآخر هذه الظواهر الدخيلة على المجتمع التونسي هو قيام هذه الجمعيات خلال هذه الفترة بالاحتفالات بنهاية السنة الدراسية في أجواء “قروسطية” رهيبة، تم فيها توزيع الحجاب على فتيات قاصرات، باعتباره لباس “العفة والطهارة”، على غرار ما تم في الجمعية القرآنية بالمنستير.

منير الشرفي

وأضاف: لا بد من التحرك سريعاً لمواجهة هذه الظاهرة الغريبة؛ لأن هذا النوع من التربية من شأنه أن يقطع حتماً مع ما قامت به أجيال عديدة في سبيل التعليم الحديث والتربية على إعمال العقل والفكر المستنير في زمن ينتشر فيه الإرهاب في ربوعنا.

واعتبر الشرفي أن هذا الشكل من التعامل مع فتيات تونس هو من باب الضغط على إرادتهن؛ نظراً لصغر سنهن وإن كان مغلفاً بالمظاهر الاحتفالية، ويكرس تقسيم التونسيات بين عفيفات ومتبرجات، كما أنه يروج لفكرة دونية المرأة باعتبارها عورة؛ وهو ما يتعارض مع مبدأ المواطنة أساس الدولة المدنية، ويتضارب مع الدستور الذي يؤكد مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، وعدم التراجع عن مكاسب المرأة التونسية.

والحجاب ظاهرة اجتماعية لم تكن متفشية في المجتمع التونسي منذ أربعة عقود؛ لكنها زادت بنسقٍ كبير بعد الثورة، خصوصاً بعد استلام الإسلاميين مقاليد الحكم في البلاد، إلى جانب انتشار المدارس القرآنية، وزيادة ظاهرة تحجيب القاصرات.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة