الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

حضرموت: عادات رمضانية من خلال الأهازيج

كيوبوست- منير بن وبر

يمتلك أهالي حضرموت، جنوب شرق اليمن، موروثاً ثقافياً هائلاً؛ ساهم في تكوينه تاريخ طويل تتميز به منطقتهم، وعلاقات اجتماعية متينة ومنسجمة ومتجانسة، وصِلات خارجية تمتد إلى أقاصي هذا العالم منذ سالفِ الزمان. وتُعد الأهازيج والأشعار والأمثال والحكم جزءاً مهماً من هذا الموروث، ويحظى بتقديرٍ كبير لدى الحضارمة، تماما كسائر العرب منذ القِدم.

تتناول الأهازيج الشعبية في حضرموت مختلف المواضيع، وتُغنى في مختلف المناسبات؛ وبالتالي يمكن القول إنها وسيلة أخرى لتدوين ثقافة الشعوب المتوارثة عبر مئات السنين، وتواصل الناس مع بعضهم. ثقافةٌ يتم تناقلها بأسلوبٍ مرح ومسلٍّ، يحفظها الصغير والكبير، وينشرها باعثاً معها البهجة والسرور.

اقرأ أيضاً: تريم وزبيد.. مدينتان روحيتان تضربان عميقاً في التاريخ الإسلامي

وفي حين أن كثيراً من الأهازيج الشعبية لدى الشعوب الأخرى قد أصبحت نادراً ما تُؤدَّى في المدن بشكلٍ جماهيري، إلا أن الأهازيج في حضرموت ما تزال تُردد حتى في المدن، بل وهناك تنامٍ ملحوظ في الجهود التي تدعو إلى الحفاظ على هذا الموروث الثقافي الذي يبعث في النفس الحنين والذكريات.

تتنوع الأهازيج في حضرموت -كما هو الحال في الجزيرة العربية عموماً- بين تلك الخاصة بالأطفال، وأخرى بالرجال أو النساء. وقد تناولت مواضيع مختلفة بأسلوب بسيط وألحان عذبة، مثل الأهازيج الخاصة بوقت النوم للأطفال، والترحيب بالمولود الجديد، والأهازيج الخاصة بالعرسان، ونزول المطر، وتلك الخاصة بأوقاتٍ محددة من السنة، مثل قدوم السنة الهجرية الجديدة، ويوم عاشوراء.

ولعل شهر رمضان من أكثر مناسبات السنة وفرة بالأهازيج الشعبية؛ فهو شهر كريم، ومناسبة عظيمة، وركن من أركان الإسلام. ولهذا الشهر عادات كثيرة عند أهالي حضرموت، لم يتم توراثها شفهياً أو بالتقليد فقط، بل أيضاً من خلال الأهازيج التي توثق الكثير منها، وتنقلها من جيل لآخر.

من أشهر الأهازيج التي يرددها الأطفال عند قدوم رمضان:

رمضان جاء يا حيا به *** حامل عشاه في جرابه

من مظاهر الاحتفال في رمضان- المصدر أون لاين، رشيد بن شبراق

كما تغني النساء أهزوجة طويلة تبين من خلالها مدى الفرحة بقدومِ رمضان، والاستعداد له، وهي أهزوجة تنقل لنا صورة عن بعض عادات أهل حضرموت. تتكون الأهزوجة من شطرين، الأول هو “يا حيا برمضان”، وهو الشطر الذي يتكرر في كل أبيات الأهزوجة، أما الشطر الثاني فهو متغير، ومنه:

يا حيا برمضان

من الخلفة شرفنا لك

والسدة فتحنا لك

والضيقة فرشنا لك

والشربة طحنا لك

والكبشة رصنا لك

والقفة مليناها لك

والتراويح رحنا لك

وعند التمعّن في الأهزوجة نرى أنها انعكاس واضح لبعض عادات أهل حضرموت في رمضان. بداية من الترحيب به، وفتح البيت للزوار المهنئين بهذه المناسبة؛ حيث تبدأ الزيارات قُبيل رمضان، وتبلغ ذروتها مع بدء ما يعرف بـ”الختايم” التي تبدأ تقريباً مع نهاية الأسبوع الأول منه. و”الختايم” عبارة عن احتفال تقيمه بعض المساجد بمناسبة ختم قراءة القرآن، حيث يتم إحياء الذكر بذلك المسجد، كما يقوم جيران المنزل وأهالي الحارة بدعوة أقاربهم لتناول الإفطار، ويحتفل الجميع في ساحة الحارة بإحياء الأهازيج وألعاب الأطفال.

وتبرز أهزوجة الترحيب برمضان كذلك وجبة الإفطار الشهيرة بحضرموت، وهي الشوربة، المكونة أساساً من حبوب القمح المطحون (والشربة طحنا لك) ولحم الكِباش التي تُسمّن لهذا الشهر (والكبشة رصنا لك)، إضافة إلى أصناف الطعام المختلفة التي يتم حفظها في “القفة”، وهي وعاء له غطاء مصنوع من سعف النخيل (الخوص). وأخيراً، فإن أحد أبرز معالم الشهر هو صلاة التراويح (والتراويح رحنا لك) والتي يحضرها الرجال والنساء، بالرغم من أن النساء غالباً لا يصلين في المسجد في بقية أيام السنة.

اقرأ أيضاً: المرأة في جنوب الجزيرة العربية: دور المرأة في المجتمع

وكما يشتاق الكبار لصوم رمضان يشتاق الصغار أيضاً؛ فهم يتوقون لتقليد آبائهم وإخوانهم الأكبر سناً، ويتلهفون إلى خوض التحدي والتجربة؛ لذلك يشجع الآباء أبناءهم على الصيام، وهنا يصبح آذان المغرب بالنسبة للصغار بمثابة إعلان النجاح ليومٍ كامل من الصبر والتحدي. وفي الترحيب بأذان المغرب توجد أرجوزة خاصة بالأطفال، يأتي فيها:

يا بلي يا بليلة

طلع طلع المنارة

 يا بلي يا بليلة

حامل بيده شرارة

وفي أهزوجةٍ أخرى يردد الأطفال:

يا مغرب أذن

قل الله أكبر

والبريمة تبربر

والتنار يعلق يعلق

وفي هذه الأهزوجة نرى صورة أخرى من صور رمضان، وهي “البريمة” تصغير كلمة بُرمة، وهي عبارة عن قدر عميق من النحاس -أو الحجارة- يُستخدم لطهي العصيد والهريس، وهي من وجبات رمضان قديماً. كما يظهر في الأهزوجة أيضاً “التنار” أي التنّور، وهو الفرن الذي يُستخدم للخَبز منذ القِدم، ويستخدم الحطب فيه كوقود. ولا يزال التنّور شائع في حضرموت إلى اليوم للخَبز وطبخ بعض المأكولات مثل الشوربة واللحم.

أطفال يرقصون في أحد ختايم حضرموت- إندبندنت عربية

وكما هو معروف، فإن أهالي حضرموت يشتهرون بهجرتهم إلى جميع أنحاء العالم، وأحد أشهر هجراتهم هو جنوب شرق آسيا والهند. لكن شهر رمضان هو الشهر التلاقي؛ وفيه يحرص المسافرون على العودة إلى حضرموت لقضاء رمضان والعيد، ومعايشة كل العادات والتقاليد التي لن يجدها في المهجر. وحول عودة المسافرين، يردد الأطفال قديماً أهزوجة يأتي فيها:

آل جاوه بايجون

بايقسمون الدخون

والمقصود بـ “آل جاوه” المهاجرين في جزيرة جاوة بإندونيسيا، أحد أشهر مواطن الهجرات الحضرمية، والذين كانوا يجلبون معهم “الدخون” أي البخور، ويقسمونه على الأهل والأحباب. ثم أخيراً، وكما يُرحب برمضان والقادمين فيه، يُودّع رمضان بأهزوجةٍ شعبية تُغنى أيضاً في الختايم، ويأتي فيها:

مودع مودع يا رمضان

ودعتك الله يا رمضان

مودع مودع يا رمضان

فيك الشريبة ولحم الضان

مودع مودع يا رمضان

عافي رجالك يا رمضان

مودع مودع يا رمضان

قاموا مقامك يا رمضان

اقرأ أيضاً: كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

في أبيات هذه الأهزوجة نرى ذكر للشوربة أيضاً، لكن بصيغة التصغير (الشريبة) ولحم الضأن، وهو تأكيد آخر على مكانة هذه الوجبة الرمضانية العريقة والصحية. كما نرى في الأهزوجة الدعاء لمن قام رمضان، حيث تُقام  صلاة التراويح وصلاة القيام.

تمثل الأهازيج الرمضانية، وغيرها من الأهازيج في حضرموت، ثقافة متوارثة، ليس من أجل التسلية والطرب فحسب، بل أيضاً لبعثِ العادات وتوريثها للأجيال؛ فهي ذاكرة الزمن، ومرسال الحنين. بعضٌ من تلك العادات والأهازيج بات أقل شيوعاً، مثل موسم قدوم المهاجرين في إندونيسيا، والبعض الآخر لا يزال حاضراً بقوة مثل وجبة الشوربة.

بائع سمبوسة في حضرموت، تريم-المصدر أون لاين

وليس بالضرورة أن يكون تراجع بعض العادات نتيجة المدنية، بل في أحيانٍ كثيرة نتيجة الظروف المحيطة، فبلاد جاوة -مثلاً- لم تعد وجهة هجرة الحضارمة المفضلة، كما أن الأوضاع الاقتصادية المزرية التي تعيشها البلاد أدت إلى اختفاء اللحوم من موائد الإفطار، ومن الشوربة التي يقترن ذكرها بلحم الضأن في الأهازيج، كما رأينا.

وبالرغم من سوء الأوضاع في حضرموت، واليمن عموماً، لا يزال الأهلون في حضرموت يرجزون الأهازيج؛ فهي سلواهم من نوائب الدهر، وكل قليل في رمضان تُكثره بركة الشهر، كما يقول ابن الرومي عن رمضان:

شهرٌ لعمرُك لا يقلُّ قليلهُ

وكذا المبارك ليس منه قليل

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة