الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

حزب النهضة يعيش أزمة هوية

ترجمات- كيوبوست

يبدو أن حزب النهضة التونسي ذا التوجه الإسلامي يسعى، كما جاء في تقرير لصحيفة “لوموند” الفرنسية، لتغيير قاموسه السياسي، ومراجعة بعض مصطلحاته، بما يتواكب مع المرحلة الراهنة التي تعيشها البلاد؛ فعندما يتحدث مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية الوشيكة عبد الفتاح مورو، إلى الصحفيين الأجانب، قائلًا إنه يرغب في إعادة تأهيل كوادر حزبه المحافظ، دون الارتكاز على مرجعيات دينية، فهذا يحمل دلالات مهمة، حسب مراسل الصحيفة في العاصمة التونسية.

هذه الأمور المستحدثة بالنسبة إلى الحزب، باتت تتعمق عامًا بعد آخر تحت ضغط بيئة وطنية وإقليمية، تبدو أقل توافقًا مع الإسلام السياسي مما كانت عليه الحال في أعقاب “الربيع العربي” عام 2011؛ حيث من الملاحظ أن المشاركة السياسية لحزب النهضة منذ الثورة؛ سواء كأغلبية (2012- 2013) أو كأقلية (2015- 2019)، قد اتسمت بهذا الميل نحو البراغماتية.

أزمة هوية

لكن الثمن الباهظ لكل ذلك هو “أزمة هوية” تعيشها حركة النهضة، كما جاء في دراسة لمركز كارنيجي للشرق الأوسط، نُشرت في 5 سبتمبر الماضي، فمع تآكل قاعدتها التاريخية، المتمثلة في الطبقات الشعبية في الداخل التونسي، وبالتزامن مع ظهور طبقات اجتماعية جديدة أكثر علمانية، تجد “النهضة” أن مواقعها باتت غير ثابتة، وأحد مظاهر تلك الأزمة تكرَّس بوضوح في فقدان الحزب الإسلامي ثُلث الناخبين في الانتخابات البلدية لعام 2018 مقارنة بالانتخابات التشريعية لعام 2014.

اقرأ أيضًا: مع انطلاق الحملة الانتخابية للرئاسة.. مغالطات ووعود واهية ومتاجرة بأحلام التونسيين

وعلى الرغم من أنه لا يزال أول حزب تونسي وأحد القوى الرئيسية في البرلمان؛ فإن “النهضة” مدين لذلك في المقام الأول للحداثيين من “نداء تونس” قبل اختلافه معهم بعد عام 2015، وبالنسبة إلى حزب النهضة فإن أحد تحديات الانتخابات التشريعية المقررة في 6 أكتوبر يتمثل في قدرته على التغلب على التحديات الفكرية والاجتماعية المرتبطة بصورته النمطية.

عبد الفتاح مورو، يمتلك مواقف جريئة وخطًّا مختلفًا عن خط “النهضة”، وهو أحد الذين يعتقدون أن إصلاح الحزب يجب أن يكون أكثر جرأة، فبالنسبة إليه،  وصف حزب النهضة بالحزب المحافظ لا يعدو كونه رأيًا شخصيًّا، واليوم هو يريد فتح نقاش داخل حزب النهضة؛ لإجراء مراجعة شاملة لكل ذلك.

الغنوشي ومورو

التخلي عن الصبغة الإسلامية

في مؤتمرها العاشر الذي عقد في الحمامات عام 2016، اتخذت “النهضة” خطوة مهمة عندما قررت “التخصص” في وضعها كحزب سياسي، منعزلة عن الوعظ الديني الذي اختصت به في الأصل، وأدى ذلك إلى تغيُّر المظلة التي تعمل ضمن إطارها؛ فاستعيض عن تسمية “إسلامية” باسم “ديمقراطية إسلامية” في تشبيه متعمد بـ”الديمقراطية المسيحية” الأوروبية.

اقرأ أيضًا: في الليلة الأخيرة من المناظرات التليفزيونية.. يوسف الشاهد تحت مجهر المنافسين والناخبين

تحاول الحركة إعادة صياغة هويتها الأيديولوجية، رغبةً في التكيف مع السياق الديمقراطي التونسي المعاكس لتوجهها أكثر فأكثر، فبات من الواضح تبلور تيار قوي معادٍ للإسلاميين في تونس، جاءت تباشيره مع هبوب رياح جيوسياسية جديدة، حملتها أخبار الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الإسلامي المصري محمد مرسي في صيف عام 2013؛ وهو ما عجَّل في سعي حركة النهضة لحماية نفسها من تعرضها لحملات قمعية تشبه تلك التي تعرضت لها في عهد ابن علي.

اقرأ أيضًا: المناظرة التليفزيونية بين المرشحين للرئاسة التونسية.. أسئلة روتينية وحضور متفاوت لبعض المتناظرين

وفي سعيه لذلك ادَّعى حزب النهضة مثلًا، قطع كامل علاقاته مع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وارتدى ثوبًا تونسي الهوية، من خلال الإحاطة بتراث الحبيب بورقيبة؛ خصوصًا في ما يتعلق بحقوق المرأة، تلك الحقوق التي عارضها المرشدون التاريخيون للإسلام التونسي.

ووَفقًا لما ذكره مورو، فإن الخطوة التالية هي اعتناق “النزعة المحافظة” العامة دون أية إشارات دينية، وهذا يعني كما يقول أن تكون المحافظة مفهومًا يشمل قيمًا كالعائلة أو الوطن دون الحاجة إلى إضافة صفة “إسلامية” إلى هذا التوجه المحافظ؛ لأن “المشكلات في تونس ليست دينية بل سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية”، حسب مورو .

تردد وتشكيك

راشد الغنوشي، رئيس حزب النهضة، لا يبدو رافضًا لاقتراح مورو؛ لكنه لم يصادق عليه على الأقل في هذه المرحلة، واكتفى بالقول: “في الواقع، نحن بالفعل حزب محافظ، لكن التفكير في التخلي عن المرجعية الدينية لهوية الحزب أمر لا يزال الوقت مبكرًا للحديث عنه”.

اقرأ أيضًا: في “الطريق إلى قرطاج”.. مرشحون مخالفون لشروط المناظرة

لقد ترك الحزب قواعده التاريخية في ريف تونس وتوجه إلى الساحل؛ لكسب أصوات الناخبين، ولكن في الواقع الأمر ليس سهلًا، فلا أحد هناك يصدق هذا التحول لحركة النهضة، والذي يخفي وراء ظهره حتمًا برنامجًا إسلاميًّا، وكما يقول المراقبون: “إن تحدي النهضة اليوم هو إقناع التونسيين بأن الحزب قد تغير بالفعل وأن تطوره ليس مناورة تكتيكية فقط لكسب أصواتهم”.

المصدر: لوموند

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة