الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةمقالات

حزب العدالة والتنمية بالمغرب وانتكاسة الثامن من سبتمبر

إن ما حصله الحزب في الانتخابات الأخيرة من نتائج هو حوصلة لتجربة عقدت عليها الكثير من الآمال لكنها لم تكن في مستوى التطلعات الشعبية

د.إدريس لكريني♦

شكلت مشاركة حزب العدالة والتنمية في الحياة السياسية بالمغرب، وما يتصل بذلك من تمثيلية متدرجة في المجالس الترابية/ المحلية والتشريعية والهيئة الحكومية، محكّاً حقيقياً لقياس مدى جاهزية وحنكة هذا الحزب الذي يندرج ضمن التيارات الإسلامية في التعاطي مع الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحقيقية والكبرى، بعدما خبر المعارضة لعدة سنوات.

اقرأ أيضاً: المغاربة يدكون آخر حصون الإخوان المسلمين في المنطقة العربية

فعلى امتدادِ ولايتين حكوميتين؛ قادهما الحزب منذ عام 2011، اكتشف المغاربة أن ثمة بوناً شاسعاً بين موقع المعارضة، حيث غالباً ما يتم إطلاق الشعارات والحلول المبسطة لعددٍ من المعضلات من جهةٍ، وموقع المسؤولية الذي يقتضي إرساء سياساتٍ عمومية عقلانية، وإجاباتٍ مقنعة لعددٍ من الإشكالات المطروحة، من جهةٍ أخرى.

فالحزب، وإن حاول أن يسوّق لنفسه في بدايات ولوجه للعمل الحكومي على أنه سيكون مختلفاً في أدائه ومتميزاً عن سابقيه، بعدما تبنى مجموعة من المطالب التي رفعتها حركة 20 فبراير عام 2011، لم يستطع على امتداد عقدٍ من الزمن أن يحقِّق الكثيرَ من تطلعات المجتمع، في جوانبها التعليمية والصحية، أو فيما يتعلق بتخليق الحياة العامة، وتوفير فرص الشغل للعاطلين عن العمل، وتأهيل الاقتصاد..

ناخبون مغاربة يدلون بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة- وكالات

ومع تفشي جائحة كورونا التي عمَّقتِ الكثيرَ من المشاكل في مختلف القطاعات، وكشفتِ الكثيرَ من الاختلالات المتصلة بتدبير الشأن العام، لم تستطع الحكومة التي يقودها الحزب من إرساء حلولٍ مستدامة لعددٍ من الإشكالات، ما عرّضه للانتقاد.

قبيل إجراء الانتخابات العامة ليوم 08 سبتمبر 2021، ظلّ عدد من قياديي الحزب يؤكدون أن محك التدبير الحكومي لم ينَلْ من هذا الأخير الذي يظلُّ في اعتقادهم الحزب الأول بالمغرب، بل منهم من ذهب إلى أن اعتماد القاسم الانتخابي لحساب توزيع المقاعد بالمغرب هو تدبير يستهدف تقليص حضورهم داخل مجلس النواب.

 اقرأ أيضاً:  أزمة “كورونا” تكشف عن ضعف حكومة العدالة والتنمية في المغرب

منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات العامة ليوم 08 سبتمبر بالمغرب، والتي أسفرت عن فوز حزب التجمع الوطني للأحرار، وعن تراجعٍ قياسي لحزب العدالة والتنمية، والأسئلة تتناسل في أوساط الباحثين والمراقبين والرأي العام حول الأسباب التي جعت هذا الأخير ينتقل إلى الصف الثامن على مستوى المقاعد المحصلة في مجلس النواب، بعدما ظلَّ يستأثر بالمرتبة الأولى خلال الولايتين الأخيرتين.

لقد كانت هناك مؤشراتٌ عديدة تحيل إلى تراجع الحزب، لكن المفاجأة كانت أكثر من المتوقع بالنظر إلى عدد المقاعد التي فاز بها الحزب. ولذلك أحدثتِ النتيجة صدمةً حقيقية داخل الحزب، حيثُ قدمت أمانته العامة بقيادة الدكتور سعد الدين العثماني استقالتها، بما يحيل إلى الشعور بقدرٍ من المسؤولية فيما آلت إليه أوضاع الحزب، فيما لم يخفِ بعض القياديين تذمره من الأمر، بل واعتبره نتاجاً لاستعمال السلطة والمال لكسبِ الأصوات.

مشهد من إجراءات فرز وإحصاء نتائج الانتخابات المغربية- “هسبريس”

إن المتأمل في النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع، تحيل إلى أن الناخب اختار حزب العدالة والتنمية قبل عشر سنوات عندما كانت المنطقة تعيش أجواء الحراك الذي رُفعت خلاله الكثير من المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بعدما شكل صعود التيارات حينها أحد أبرز ملامح هذه المرحلة، حيث وصل الحزب إلى السلطة في ظلِّ دستور جديد وسَّع من هامش تحرك عدد من الفاعلين في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

اقرأ أيضاً: هل تطيح الانتخابات المغربية القادمة بـ”العدالة والتنمية”؟

وفي هذه الأجواء، طرحت قيادات الحزب مجموعةً من الشعارات الحماسية المتصلة بمكافحة الفساد، وترسيخ الحوكمة، وبناء المؤسسات، وإصلاح التعليم، وتحسين أحوال الفئات الاجتماعية الضعيفة، وتوفير مناصب الشغل، وتطوير أداء الإدارة، وجلب الاستثمار، وتقليص المديونية، وتنزيل المقتضيات الدستورية بصورةٍ ديمقراطية.. ما خلق أجواء تفاؤلية زادت من حدتها الشعبوية التي طبعت خطابات رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران الذي لم يفلح بشكل كبير في تدبير خلافات تحالفه الحكومي، مع انسحاب حزب الاستقلال منه، وبروز خلافات بين مكونات التحالف الحكومي، وهو ما استمر مع التجربة الثانية للحزب، وإنْ بشكل أقل.

إنَّ ما حصله الحزب في الانتخابات الأخيرة من نتائج، هو حوصلةٌ لتجربة عُقدت عليها الكثير من الآمال، لكنها لم تكن في مستوى التطلعات الشعبية، فصناديق الاقتراع التي بوأتهم مقاعد متقدمة حملتهم إلى الحكم، هي نفسها التي “عاقبتهم” ودحرجتهم إلى مراتب متأخرة، وبغض النظر عن هذه النتائج التي تجسد قواعد لعبة متفق عليها، فإن الفائز الأكبر هو التداول السلمي على السلطة بالمغرب.

♦ كاتب وأستاذ جامعي من المغرب

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

د.إدريس لكريني

باحث وجامعي من المغرب

مقالات ذات صلة