الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

حروب الرعاة والمزارعين في إفريقيا.. خدمة مجانية للإرهابيين

تفسير الصراع الدائر في منطقة الساحل دون الأخذ بالتغير المناخي والعوامل البيئية الأخرى كسبب رئيسي لها يؤخر الوصول إلى تسويات

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

في عام 2000، وقبل اندلاع حرب دارفور (غرب السودان) بثلاث سنوات، أصدر الباحث السوداني د.محمد سليمان، مدير معهد البديل الإفريقي في لندن، كتاباً مهماً، بعنوان (السودان.. حروب الموارد والهوية)، تنبأ فيه بحرب وشيكة في إقليم دارفور؛ بسبب الصراع على المواد الشحيحة، وأخضع كل الحروب الأهلية الدائرة في إفريقيا إلى تحليل مبني على ما اصطلح على تسميته بعلم البيئة السياسية ((Political Ecology؛ حيث أحال الحروب والنزاعات في القارة إلى أسباب بيئية واقتصادية متعلقة بالصراع حول وسوء إدارة الموارد الطبيعية المتاحة، وأفرد جانباً كبيراً من كتابه للتحولات الإيكولوجية في القارة وما صاحبها من تدهور بيئي مريع أفرز الكثير من النزاعات وأحدث تأخراً في وتيرة التنمية.

إذن، بينما يركض الجميع نحو الإلمام والإحاطة بأسباب الحروب والنزاعات وبروز الحركات الجهادية المتطرفة وتكاثر الانقلابات العسكرية في إفريقيا، يغفلون عن العامل الرئيسي المُتصل بالتغيرات المناخية والبيئية، ولا يتنبهون إليه إلا لِماماً.

اقرأ أيضاً: مثلث الإرهاب.. عودة داعش إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو

إن الزحف الصحراوي الذي بدأ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وما رافقه من تغول للرمال الزاحفة على الأراضي الزراعية الخصبة والمراعي الطبيعية، وما نتج عنه من شُح في المياه وتناقص في المساحات المزروعة بالحبوب والمحاصيل والخضراوات وفي قطعان الماشية والإبل، وصل ذروته في بداية الألفية الثانية وتبلور في صراعات بين الرعاة والمزارعين تطورت لاحقاً إلى تمردات وحركات مسلحة مناوئة للحكومات الإفريقية باعتبارها المسؤولة عن إدارة هذه الموارد المتناقصة والقائمة على توزيعها بعدالة بين مختلف الفئات.

المناخ والبيئة

مربي ماشية مسلح- وكالات

بطبيعة الحال، فإن دول منطقة الساحل الإفريقي؛ خصوصاً تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو، كانت الأكثر تعرضاً إلى التصحر والجفاف والتدهور البيئي بحكم موقعها بالصحراء الإفريقية الكبرى وشبه الصحراء.

وفي ما عدا موريتانيا، بشكل نسبي، تعاني هذه الدول حروباً وصراعات وانقلابات عسكرية وتنامياً للحركات الجهادية المتطرفة التي وجدت فيها بيئة خصبة للنمو والتوسع.

وفي هذا الصدد، كشف تقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة، يناير 2022، تحت عنوان “10 سنوات على الصراع في منطقة الساحل”، أن النزاعات الدائرة هناك تسببت في نزوح 2.5 مليون شخص، وأشار إلى أن أزمة المناخ، وارتفاع درجات الحرارة في المنطقة بمعدل 1.5 مرة أسرع من المتوسط العالمي، أديا إلى تفاقم النزاعات بسبب الفقر المدقع وشح الموارد.

اقرأ أيضاً: “مذبحة تلاتايت”.. هل يكرر “داعش” مأساة الرقة في شمال مالي؟

ملايين النازحين

قطيع أبقار في مواجهة مزرعة ذرة- وكالات

واعتبرت نشرة الهجرة القسرية الصادرة عن مركز دراسات اللاجئين في قسم الإنماء الدولي في جامعة أكسفورد البريطانية، بتاريخ مارس 2022، منطقة الساحل واحدة من أكثر المناطق عُرضة لمخاطر المناخ على مستوى العالم، فضلاً عن تميزها بسهولة اختراق الحدود، وكثرة الهجرات؛ فلهذه المنطقة تاريخ طويل من التنقل الداخلي والعابر للحدود، حيث تمثل الهجرة استراتيجية رئيسية للتعامل مع البيئة والطبيعة القاسية، وذلك من أجل تمكين شعوبها من تنويع سبل العيش وليكونوا أكثر قدرةً على الصمود في وجه التحديات.

وكشفت النشرة أن معدل التدهور في الأراضي الصالحة للزراعة بلغ بنهاية عام 2021، نحو 65٪ ، كما تعثرت إمكانية الوصول المباشر إلى المياه والمراعي والموارد الطبيعية الأخرى.. فاقم من ذلك انعدام الأمن بسبب الحروب حول الموارد؛ ما أدى إلى حركة نزوح واسعة النطاق، زاد عدد النازحين داخلياً في بوركينا فاسو وحدها، بأكثر من عشرة أضعاف بين عامَي 2018 و2021، فوصل إلى أكثر من مليون نازح.

اقرأ أيضاً: بعد انسحاب مالي.. الاستراتيجية الجديدة لمجموعة الخمس في مهب الريح

صراع قديم متجدد

مزارعو الذرة في نيجيريا- وكالات

وفقاً لعثمان موسى عمر، الخبير بشؤون غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، في إفادته لـ”كيوبوست”، فإن التغيُّر المناخي والتدهور البيئي عاملان أساسيان في تعاظم وتكاثر الحروب والنزاعات في المنطقة؛ فالصراع حول الموارد بين الرعاة والمزارعين بدأ منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، واشتد أواره مع تسارع وتيرة التغيرات المناخية والبيئة، وعجز الحكومات العسكرية محدودة القدرات عن إيجاد معالجات لها، حتى تفاقم وتشكَّل على صيغ تمردات مسلحة ضد الحكومات، وصار خطراً ماحقاً على وجود الدول نفسها وليس تهديد استقرارها فحسب.

عثمان موسى

إن شح الموارد الطبيعية وندرتها، أجبر الرعاة الرُّحَّل على التحرك خلف المراعي والكلأ والماء في مساحات واسعة في الدولة الواحدة وعبر الحدود بين الدول؛ الأمر الذي زاد من التوترات بينهم وبين رصفائهم المزارعين من جهة، وبينهم وبين السكان الأصليين في الدول المُستضيفة من جهة ثانية، يضيف عمر، ويستطرد قائلاً: إن النموذج الأكثر سطوعاً في ما يتعلق بالصراعات البينية حول الموارد بسبب التغير المناخي، هو مثلث (ليبتاكو-غورما) الحدودي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو؛ حيث يتحرك الرعاة بقطعانهم بين الدول الثلاث ويصطدم بعضهم بالمزارعين وقطاع الطرق والجماعات الإرهابية الكامنة هناك، حتى أصبح المثلث جغرافية كبرى للفوضى خارجة عن سيطرة الحكومات وغير خاضعة للأطر السياسية الحديثة المتعارف عليها، كما أن غياب التدابير الأمنية على الحدود يعرض جميع الأطراف في المثلث، مستقرة كانت أم متنقلة، إلى مخاطر جمة؛ حيث لا تزال حكومات المنطقة عاجزة عن وضع أُطر قانونية وحمائية لفضاء التنقل.

اقرأ أيضاً: بوركينا فاسو.. انقلاب جديد يقوض جهود مكافحة الإرهاب  

إمكانيات الحل

نزاع بين مزارع ومربي ماشية- نقلاً عن LeFaso.net

بالنسبة إلى الباحث السياسي في الشؤون الإفريقية، محمود الدنعو، فإن تفسير الصراع الدائر في منطقة الساحل دون الأخذ بالأسباب كافة، وعلى رأسها التغيُّر المناخي والعوامل البيئية الأخرى، يؤخر الوصول إلى تسويات وحلول مرضية وناجعة ويؤجل الاستقرار والسلام في المنطقة.

ولفت الدنعو، في إفادته لـ”كيوبوست”، إلى أن تاريخ الصراع بين المُزارعين ومربي الماشية أو الرعاة في إفريقيا شِبه الصحراوية، قديم؛ لكنه اتخذ في العقدَين الأخيرَين أشكالاً أكثر عنفاً وصيغاً سياسية وحقوقية وأُطراً أحدث تسليحاً وقدرةً على إنتاج العنف والعنف المضاد.

محمود الدنعو

ولفت إلى أن هناك دائماً إمكانية للتعاون بين المزارعين المستقرين والرعاة المتنقلين؛ لكن السياسات التي تنتهجها معظم الحكومات الإفريقية من خلال التوسع في الزراعة بتحويل الكثير من المراعي الطبيعية إلى مزارع ضخمة، تؤجج المشاعر السلبية بين الرعاة، وكذلك تُسهم في مزيد من التدهور البيئي؛ لذلك فإن السياسات الراهنة لا تراعي مصالح الجميع على قدم المساواة وينبغي إعادة النظر فيها، بالإضافة إلى إيجاد صيغ قانونية مرنة وقابلة للتعديل والإضافة؛ لحماية وصول الرعاة إلى الموارد الطبيعية، وهذا ما شرعت فيه بعض الدول، مثل بوركينا فاسو التي سَنَّت ما يُعرف بقانون الرعي العابر؛ لكن لم يؤتِ ثماره بسبب تقاعس الدول الأخرى عن تشريع قوانين مماثلة، وعليه لا بد أن تتفق جميع الدول التي بينها حدود تتحرك عبرها الجماعات الرعوية على وضع قانون مشترك ينظم مسارات الرعاة ومواسم وفصول الرحلات بدقة، فضلاً عن تضمينه حقوق الرعاة والمزارعين بشكل تفصيلي وواضح، كأن يمنح الرعاة أولوية الوصول إلى الموارد الطبيعية والمياه في مناطقهم الأصلية، والعكس صحيح بالنسبة إلى المزارعين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة