الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“حروب الأفيون”.. ماذا نعرف عنها؟

محاولة بريطانية لإبادة الشعب الصيني عبر إدمان المواد المخدرة لمصالح تجارية

كيوبوست- مدى شلبك

تتصاعد الحرب الاقتصادية والإعلامية الأمريكية ضد الصين، مشوبة بتحذيرات من نزاع مسلح بين الطرفَين، كامتداد لجرائم الإمبريالية الغربية، بدءاً من الحرب التي شنتها بريطانيا الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر، في ما سُمِّي بـ”حروب الأفيون”، لمّا أغرقت الصينيين بمستنقع الإدمان، ضمن ما يُصنَّف بأسلوب “تدمير الجنس البشري” في سبيل سير تجارتها الخارجية وتوطيد نفوذها في موانئ الصين، وما نتج عنه من تقسيم للدولة الأعرق عبر التاريخ.

هُزمت الصين في حروب الأفيون، رغم مقاومتها ومحاولتها التنصُّل من المعاهدات المجحفة التي أُجبرت على توقيعها، وكانت مصدر تهديد لسيادتها واستقلالها؛ لذلك يصف الصينيون تلك المرحلة بـ”قرن الإذلال”. لكن بالمقابل خلصت الصين إلى درس قاسٍ مفاده: “إذا كنت متخلفاً ستتلقى ضربة”.

التجارة بين الصين وبريطانيا

اعتمدت أسرة تشينغ الحاكمة في الصين (1644م- 1912م)، سياسة “الباب المغلق” في وجه الدول الأجنبية، ولم تسمح إلا بفتح ميناء واحد للتجارة الخارجية؛ ميناء كانتون (قوانتشو حالياً) جنوبي الصين، في الوقت الذي كانت فيه محط أطماع الدول الاستعمارية، نظراً لمنتجاتها الثمينة؛ كالشاي الذي أصبح منتجاً مرغوباً من قِبل البريطانيين؛ فقد خصصوا له وقتاً للاحتساء خلال يومهم، والحرير الذي احتكرت الصين صناعته لزمن طويل، إضافة إلى الخزف.

ميناء كانتون- متحف الجيش الوطني

وبينما كانت بريطانيا تستورد من الصين منتجاتها الثمينة مقابل الفضة، لم يعجب الصينيون بأي منتج بريطاني، وعليه أصبحت المعادلة غير متكافئة بالنسبة إلى الإمبراطورية البريطانية، التي كانت تفقد مخزونها من الفضة مقابل منتجات الصين.

اقرأ أيضاً: هل تعيد الولايات المتحدة والصين الحرب البيلوبونيسية مرة أخرى؟

وتحت عنوان “التجارة الحرة”، ولزيادة أرباح البرجوازية الإنجليزية، قررت شركة الهند الشرقية التي أنشأتها بريطانيا لاستغلال موارد دول شرق آسيا والهند؛ ومن ضمنها الأفيون المصنوع من عصارة نبات الخشخاش والمحتكر، آنذاك، من قِبل الشركة، تهريبه إلى الصين بشكل غير قانوني خلال القرن الثامن عشر؛ لمقايضته بالمنتجات الصينية والفضة، متجاهلةً تبعاته وأضراره على الشعب الصيني.

سبب حرب الأفيون الأولى

تسبب تصدير الأفيون في مشكلات طويلة الأمد للصين؛ فقد انخفض مخزون الفضة في الخزينة الصينية التي عانت نضوبَ الأموال، كما أدمن ملايين الصينيين الأفيون بحلول عام 1839م؛ ومنهم مَن توفي بعد محاولة ترك تعاطي المادة المخدرة، ما أضعف الصين وأدى إلى كسادها وتدهور الصناعة والتجارة في المناطق الساحلية الجنوبية الشرقية تحديداً.

وكر مدخني أفيون صينيين- duncan1890/iStock.com

من جانبها، سعت الحكومة الصينية لوقف استشراء الأفيون في المجتمع؛ فاتخذت عدة إجراءات بدءاً من عام 1800م، فحظرت استيراده وتدخينه، كما فرضت عقوبات جسدية على المخالفين، وعقوبة الإعدام بحق الموزعين، إلا أن المهربين اتسمروا في شراء الأفيون من التجار البريطانيين والأمريكيين (انضمت الولايات المتحدة إلى تجارة الأفيون في أوائل القرن التاسع عشر) في ميناء “كانتون”، وما أسهم من انتشار تعاطي الأفيون في الصين، أن فقدت شركة الهند الشرقية احتكارها لإنتاج الأفيون فقللت سعره وأصبح متاحاً أكثر.

لين زيكسو مفوض الإمبراطور الصيني يأمر بإتلاف كميات من الأفيون في ميناء “كانتون”- متحف حرب الأفيون

ومع استشراء التهريب والإدمان، أمر الإمبراطور الصيني “دوغوانغ” مفوضه “لين زيكسو” بأن يتسلَّم ملف حظر الأفيون، وبدوره قام زيكسو منذ عام 1839م بعدة إجراءات، فقد كتب رسالة إلى الملكة فيكتوريا يستنكر فيها دعم بريطانيا للترويج للمخدرات، وأمر باعتقال أكثر من 1700 تاجر صيني، كما صادر أكثر من 20000 صندوق من الأفيون بقيمة 2.6 مليون جنيه إسترليني، تعود إلى تجار بريطانيين وأمر بإتلافها، وكانت تلك الحادثة مقدمة لاندلاع حرب الأفيون الأولى (1839م- 1842م)، تحديداً بعد أن ضغط التجار البريطانيون أصحاب الأفيون المتلف؛ بتعويضات من الحكومة البريطانية مقابل خسارتهم، والتي لم تتمكن من تحمل تكلفة التعويضات، فتعذرت بذلك لشن حرب ضد الصين!

حرب الأفيون الأولى

فرض زيكسو إغلاقاً على مناطق وجود التجار البريطانيين؛ كحصار مصب نهر “اللؤلؤ” في “هونغ كونغ”، واندلعت الحرب في 3 نوفمبر 1839م، باختراق السفن الحربية البريطانية ذلك الحصار، وتوغل الأسطول البريطاني عبر مصب نهر اللؤلؤ باتجاه ميناء مدينة كانتون، التي احتلوها عام 1841م، رغم المقاومة الصلبة التي أظهرها الجيش الصيني، وتمكَّن الجيش البريطاني، أواخر أغسطس 1842م، من احتلال مدينة “نانجينغ” الواقعة على ضفة نهر “يانغتسي” الأصغر؛ ما أنهى الحرب بهزيمة الصين، وأُجبرت على توقيع معاهدة “نانجينغ”.

جنود بريطانيون وصينيون متحاربون خلال اقتحام قلعة “أموي” عام 1841م- متحف الجيش الوطني

وبدأ “قرن الإذلال”، وعصر المعاهدات غير المتكافئة، التي تنازلت الصين بموجبها عن جزيرة “هونغ كونغ” بمينائها العميق وموقعها الاستراتيجي، وأُلزمت الصين بدفع تعويض ضخم للحكومة البريطانية والتجار.

وإلى جانب ميناء كانتون، أُجبرت الصين أيضاً على فتح أربعة موانئ جديدة للتجارة مع بريطانيا؛ شنغهاي وشيامن ونينغبو وفوتجو، ومنحت حق الإقامة للتجار البريطانيين وعائلاتهم، وأعطت المعاهدة المواطنين البريطانيين المقيمين في الصين الحق في المحاكمة ضمن القوانين البريطانية، كما وضعت بريطانيا في خانة الدولة الأكثر رعاية في الصين.

حرب الأفيون الثانية

اندلعت حرب الأفيون الثانية في الأعوام ما بين (1856م- 1860م)، وتُعرف بالحرب الأنجلو- فرنسية ضد الصين؛ فقد شاركت فرنسا فيها لتوسيع نفوذها في الموانئ الصينية، بحجة مقتل مبشِّر فرنسي في المناطق الداخلية من الصين أوائل عام 1856م.

وبينما تلكأت الصين في تنفيذ بنود المعاهدات السابقة، تذرَّعت بريطانيا، التي كانت تسعى لامتيازات أوسع في الصين، كرفع القيود التجارية وإنشاء سفارة لها في بكين، بحادثة وقعت في أكتوبر 1856م، عندما قامت شرطة البحرية الصينية بالصعود إلى سفينة بريطانيا واعتقال العاملين فيها وكانوا جميعاً مواطنين صينيين، وادعت بريطانيا أن الشرطة أنزلت علمها، فبدأ البريطانيون في قصف قلعة صينية بالقرب من ميناء “كانتون”، في الوقت الذي كانت فيه حكومة عائلة “تشينغ” الحاكمة منخرطة في محاولة قمع تمرد تايبينغ (1850م- 1864م).

شرطة البحرية الصينية تصعد إلى سفينة بريطانيا وتعتقل العاملين عليها- wikimedia

وتولدت مناوشات بين القوات البريطانية والصينية، وشرعت القوات المتحالفة بالعمليات العسكرية في أواخر عام 1857م، فاستولوا على مدينة كانتون وعزلوا حاكمها، ثم توجهوا شمالاً إلى مدينة تيانجين، وفي عام 1858م أُجبر الصينيون على القبول بمعاهدة “تيانجين”، كإقامة المبعوثين الأجانب في بكين، وفتح موانئ جديدة للتجارة، وضمان حرية السفر والتنقل للأجانب والمبشرين المسيحيين.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة خسرت معركة الذكاء الاصطناعي مع الصين

لاحقاً، رفض الصينيون التصديق على المعاهدات؛ مما أدى إلى تجدد الحرب، وفي عام 1860م، نزلت القوات البريطانية والفرنسية بالقرب من بكين وشقت طريقها إلى المدينة، وقامت بنهب وتدمير القصر الإمبراطوري، بينما فرّ الإمبراطور الصيني إلى منشوريا في الشمال، وتفاوض شقيقه بدلاً منه على اتفاقية بكين، والتي شملت بنود اتفاقية تيانجين، إضافة إلى بنود أخرى، كالتنازل عن شبه جزيرة “كولون” القريبة من “هونج كونج”.

قبل بداية حروب الأفيون عانت الصين، التي كانت دولة عملاقة ومكتفية ذاتياً، فساداً إدارياً، وقمع عائلة “تشينغ” الحاكمة أي معارض لسياستها، بينما كان الجيش الصيني هزيلاً إذا ما قورن بالجيش البريطاني المعتدي، وجاءت حروب الأفيون المريرة لتكون بمثابة محفز لمقاومة المستعمر والنهوض بالتصنيع والتجارة، والثورة على الأُسر الحاكمة الضعيفة والإقطاع الذي كرَّسه الاستعمار الأوروبي، لصالح قيام جمهورية الصين الشعبية التي تأسست عام 1949م، لتودِّع الصين تخلُّفها، وتبدأ نهضة على المستويات كافة؛ ما جعلها بعد نحو قرن ونصف القرن من حروب الأفيون، في مرمى ذات الدول الاستعمارية لاحتوائها وكبح نهضتها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات