الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

حروب أمريكا الأبدية.. إلى أين؟

من المؤكد أن وفاء بايدن بوعوده سيكون في غاية الصعوبة.. ولكن عدم الوفاء بها قد يكون كذلك أيضاً

كيوبوست – ترجمات

جوناثان تيبيرمان♦

أعلنت إدارة ترامب، في وقتٍ سابق من الأسبوع الجاري، خططاً لإعادة نصف القوات الأمريكية المتمركزة في أفغانستان والبالغ قوامها 5000 جندي، وكذلك 500 من أفراد قواتها في العراق البالغ عددهم 3000.

ولم يلقَ هذا الوعد الذي تعهدت الإدارة بتنفيذه بحلول الخامس عشر من يناير، ترحيباً من كبار الجنرالات وخبراء الدفاع؛ ولكنه كان بمنزلة هدية غير متوقعة للرئيس المنتخب جـو بايـدن.

والسبب في ذلك أن بايدن خلال حملته الانتخابية هذا العام كان قد تعهد مراراً بإنهاء “حروب أمريكا الأبدية”. والآن، الرئيس ترامب أنجز إعادة 3000 جندي نيابة عن بايدن، إلا أن الأخير سوف يواجه مشكلة أكبر وأعقد بكثير تتمثل في كيفية الوفاء بما تبقى من تعهده عندما يصل أخيراً إلى البيت الأبيض. في الوقت الراهن لا تبدو حظوظه بالنجاح كبيرة.

ولمعرفة سبب ذلك، لا بد من الاتفاق على تعريف الحروب “الأبدية” أو “اللا منتهية” أولاً؛ وهذا أمر يصعب تحديده بدقة، ما يفسر حقيقة أن كل المرشحين الديمقراطيين في سباق هذا العام، وكذلك الرئيس ترامب مرشح الحزب الجمهوري، قد تبنوا هذه الوعود. فكما تعلم، إذا اتفق ترامب وإليزابيت وارن (عضوة مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس- المترجم) على أية سياسة، فإنها ستكون غامضة للغاية.

اقرأ أيضاً: فوز بايدن وشكل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط!

يُحسب لبايدن أنه على الأقل حاول أن يوضح بالضبط ما الذي كان يعنيه؛ فأولويته الأهم والأسهل هي تجنب الدخول في مزيدٍ من العمليات القتالية واسعة النطاق؛ كما في أفغانستان أو العراق أو ليبيا. وهذا أمر يمكن تحقيقه، فليس هنالك حرب كبرى تلوح في الأفق. والاستثناء الوحيد الممكن هو إيران؛ ولكن حتى وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي يُعتبر من الصقور، قيل إنه عارض فكرة ترامب بشنّ ضربات على المجمع النووي الإيراني الرئيسي، الأسبوع الماضي.

الولايات المتحدة تخفض أعداد قواتها في العراق- “نيويورك تايمز”

ولكن إذا ذهبنا أبعد من ذلك، ستصبح الأمور أكثر تعقيداً؛ فالتقدميون يعرِّفون إنهاء الحروب الأبدية بتعريف أوسع بكثير مما يفعل بايدن. فعلى سبيل المثال، حسب تعريف مات دوس، مستشار السياسة الخارجية للسناتور بيرني ساندرز، فإن إنهاء هذه الحروب يشمل مواجهة جميع العوامل السلبية للحرب على الإرهاب؛ بما في ذلك استعمال التعذيب، والتصفيات، والتعاون مع الحكومات الاستبدادية. وهي إجراءات قد تصنع المعجزات بالنسبة إلى سياسات الولايات المتحدة على المدى البعيد؛ ولكنها ستكون مثيرة للانقسامات والجدل على المدى القريب إلى درجة يصعب معها أن نتخيل أن بايدن لديه الجرأة للإقدام عليها.

اقرأ أيضاً: هل ينجح العراق في طرد القوات الأمريكية من أراضيه؟

وفي الوقت نفسه، فإن تصميم الرئيس المنتخب على الحفاظ على وجود قوي لبلاده في الحرب على الإرهاب في مختلف أنحاء العالم سوف يثير غضب بعض حلفائه من اليساريين، ممن يضعون عمليات مكافحة الإرهاب ضمن تعريفهم للحروب الأبدية. وحتى لو رغب بايدن في إنهاء هذه العمليات القتالية محدودة النطاق -التي شملت 15 دولة في عام 2018- وإعادة جنوده إلى الوطن، فإنه سيواجه صعوبات كبيرة لعديد من الأسباب.

أول هذه الأسباب هو أن السنوات العشرين الأخيرة قد أظهرت أن مجموعات مثل القاعدة والدولة الإسلامية، بارعة جداً في الانتقال إلى دول جديدة فيها حكومات ضعيفة ومواطنون غاضبون؛ بحيث تستغل غضبهم لخدمة هدفها النهائي المتمثل في الجهاد العالمي. وبذلك فإن هذه التنظيمات تخلق تهديدات دولية خطيرة جديدة.

اقرأ أيضاً: انسحاب القوات الأمريكية من العراق.. هل يفتح المجال أمام إيران و”داعش”؟

أما السبب الثاني فهو أن كل رئيس أمريكي عندما يتولى منصبه يعِد بنهج أكثر سلمية في سياسته الخارجية، ثم يصدمه الواقع عندما تنشأ تهديدات مفاجئة، أو عندما يبدأ جنرالاته في العواقب الكارثية المحتملة جراء التخلي عن، أو تجاهل، النزاعات القائمة حالياً. تقول كوري شاك؛ رئيسة قسم دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في معهد أميريكان إنتربرايز: “من السهل جداً انتقاد ممارسات التعامل مع التهديدات عندما لا تتحمل المسؤولية عن مخاطر التقدير الخاطئ لهذه التهديدات”.

كـوري شاك رئيسة قسم الدراسات الخارجية والدفاعية في معهد أميريكان إنتربرايز- وكالات

ربما يفضِّل معظم الأمريكيين إعادة الجنود إلى الوطن وإبقاءهم فيه؛ ولكن مَن يرغب في أن يكون الرئيس الذي تخلى عن الشعب الأفغاني وتركه في مواجهة بطش وتشدد “طالبان”؟ أو الرئيس الذي يخاطر بسحب الوجود العسكري الأمريكي العالمي الذي قد يؤدي إلى إشعال صراعات جديدة أو هجمات إرهابية على الغرب؟ ماذا لو أن رئيساً تعهد بدعم حقوق الإنسان -كما فعل بايدن وجميع المرشحين الديمقراطيين- واندلعت جولة أخرى من أعمال التطهير العرقي في مكان ما؛ فهل سيجلس مكتوف اليدين ويكتفي بالمراقبة فقط؟

بالطبع لن يقبل أحد بذلك، ولهذا السبب فالرئيس أوباما، على سبيل المثال، أطلق وعوداً مشابهة عندما تولى منصبه، إلا أنه انتهى به الأمر إلى إرسال المزيد من القوات إلى العراق وأفغانستان، وتورط في الحرب في سوريا، وقدم المساعدة في عملية إطاحة الرئيس الليبي معمر القذافي.

اقرأ أيضاً: الاتفاق بين الولايات المتحدة و”طالبان” لا يضمن السلامَ في أفغانستان

إذن، ما الذي يجب على بايدن فعله كي يفي بالتزاماته؟

بوصفه رئيساً للبلاد، ستكون أمامه ثلاثة خيارات رئيسية؛ الخيار الأول يمكن أن يطلق عليه تسمية “مقاربة جيمس جيفري”؛ أي الكذب فقط. فالدبلوماسي المحترف الذي يحظى باحترام كبير، والذي كان يشغل منصب مبعوث ترامب الخاص إلى سوريا ولشؤون القتال ضد الدولة الإسلامية، قال في مقابلة عند استقالته، الأسبوع الماضي، إن فريقه لطالما ضلل البيت الأبيض بخصوص العدد الحقيقي للقوات الأمريكية في سوريا؛ وهو يفوق كثيراً رقم 200 جندي الذي اعتقد ترامب أنه سيسحبهم من هناك عندما صرح علناً بنيتـه الانسحاب العام الماضي.

جيمس جيفري المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا- “واشنطن تايمز”

الخيار الآخر الأقل ازدواجية لإنهاء الحروب الأبدية هو ما اقترحه خريج العلوم السياسية تشارلي كاربنتر، وكثيرون غيره من الباحثين على مدى الأعوام العشرين الماضية، ويقضي بالتعاطي مع الإرهاب الدولي بوصفه مشكلة قانونية، وباستخدام أدوات تطبيق القانون الدولي لمواجهته. إلا أن هذا الخيار يحمل معه العديد من المخاطر والمشكلات المحتملة على الصعيدَين السياسي والتقني، وسيشكل تحولاً راديكالياً عن سياسة الولايات المتحدة التاريخية يصعب جداً على قائد توافقي معتدل مثل بايدن، القيام به.

قد يكون الخيار الأفضل لبايدن هو أن يتبع نصيحة بيرني ساندرز، وبيت باتيغيج عمدة ساوث بيند السابق، التي تقضي بأن يركز على تحسين الإجراءات التي تحكم استعمال الولايات المتحدة للقوة، وعلى تعزيز شفافية نظامها. وقد أكد كل من ساندرز وباتيغيج أن الخطوة الأولى الحاسمة هي حمل الكونغرس على استئناف واجبه الدستوري باتخاذ القرار حول دخول الولايات المتحدة الحرب.

اقرأ أيضاً: ما الذي ستفعله انتخابات الكونغرس النصفية في الولايات المتحدة؟

وهذا الخيار ستكون له مزايا عديدة؛ فجميع العمليات العسكرية خلال العقدَين الماضيَين تقريباً تمت بموجب تشريع يُعرف باسم “التخويل باستعمال القوة العسكرية” صدر عام 2001، ليعطي إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، حرية واسعة في الاستجابة لهجمات 11 سبتمبر الإرهابية. كان ذلك أمراً غير معقول، فما كان يجب السماح لهذا القانون بتبرير حروب حول العالم استمرت ما يقارب عقدَين من الزمن في دول مختلفة كالنيجر والفلبين.

القوات المسلحة الأمريكية والفلبينية تجري عمليات مشتركة في سبتمبر 2019- وكالات

ولكن حتى استراتيجية ساندرز/ باتيغيج، ستواجه مشكلات عديدة، بدءاً من حقيقة أن الكونغرس لم يبدِ أي اهتمام في تحمل المزيد من المسؤولية تجاه حروب الولايات المتحدة؛ حيث فشلت مراراً محاولات سناتور ولاية فيرجينيا الديمقراطي تيم كاين، والعديد غيره، في إلغاء قانون “التخويل باستعمال القوة العسكرية” الذي صدر عام 2001 (تم إصدار قانون آخر مشابه عام 2002 لخوض حرب العراق). فقد فضل الكونغرس ترك القرارات الصعبة للبيت الأبيض، ومن ثمَّ انتقاده عندما تسوء الأمور.

كل ما تقدَّم يعني بالنسبة إلى بايدن أنه من غير المحتمل أن يستطيع أن ينجز تقدماً كبيراً في موضوع انسحاب القوات الأمريكية الذي كان أحد مفاصل حملته الانتخابية في السياسة الخارجية، على الرغم من أن هذا الموقف جلب شعبية كبيرة بين أنصاره.

السناتور تيم كاين ديمقراطي عن ولاية فيرجينيا- “سي إن إن”

وفي الوقت الراهن، يكفي أن نقول إنه كلما استمرت حروب الولايات المتحدة الأبدية أكثر -واستمرت عودة الجنود في أكياس الجثث- ارتفع الثمن الذي سيدفعه بايدن. قد تكون مخاطر الانسحاب كبيرة على الأمن القومي؛ ولكن المخاطر السياسية الناجمة عن عدمه يمكن أن تكون كذلك أيضاً.

♦رئيس تحرير صحيفة فورين بوليسي

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة